تقاريرمنوعات

عيد الحب.. لماذا اختزلنا المحبّة في يوم واحد؟!

تونس- هاجر العيادي

14 فبراير، هو يوم من أيام العام، لكنه ليس يومًا عاديًا مثل كل الأيام عند كثير من الناس، فهو تاريخ عيد الحب، الذي يعد مناسبة هامة تقرّب بين القلوب وتجمع العشاق وتدفئ العواطف.

فالنتاين داي.. أو عيد الحب.. أو عيد العشّاق.. تعددت الأسماء والدلالة واحدة، ألا وهي الحب ويوم عيده، الذي ما إن يقترب حتى يبدأ الكثيرون في التخطيط لما سيفعلونه في هذا اليوم، وكيف سيحتفلون به مع من يحبّونهم.

فما أسباب انتشار هذه الظاهرة؟ وهل صارت المحبّة تختزل في يوم واحد؟، أم أن كل الأيام هي أيام محبّة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة تأخذنا الزميلة هاجر العيادي في جولة بالشارع التونسي لرصد آرائه حول ظاهرة الاحتفال بعيد الحب، وهل صار 14 فبراير من الأعياد الرسمية المعترف بها، أم انه قد لايعني شيئًا عند البعض؟، وهل تتشابه طرق الاحتفال بهذا اليوم عند معظم الناس، أم أن كل شخص يحتفل على طريقته الخاصة؟

أصل تسمية فالنتاين

تعود جذور الاحتفال بعيد الحب إلى إحياء ذكرى القديس فالنتاين، حيث يعتقد أن هذا القديس عاش في عهد الإمبراطور كلوديوس، وقد سجن وأُعدم بسبب عصيانه لأوامر الإمبراطور، والتي تتمثل بمنع زواج الشباب حتى يتفرغوا للعمل بشكل كامل في الخدمة العسكرية، لكن فالنتاين لم يستجب لهذه الأوامر، وقام بتزويج الشباب وإقامة مراسم الزفاف لهم.

 ويُقال أيضًا Yن فالنتاين وقع في حب فتاة صغيرة كانت تقوم بزيارته أثناء سجنه، ويعتقد بأنها كانت ابنة السجان، وأرسل لها قبل إعدامه رسالة موقّعة بعبارة “من المخلص فالنتين”، و لكن لا توجد أدلة تبّين حقيقة هذه القصة، ولكنّها جعلت منه بطلاً يمثّل الرومانسيّة والمأساة.

Photo courtesy of pexels by Gabby K

الحبّ.. كده

 وأنت تعبر شارع الحبيب بورقيبة سيوقفك مشهد جميل شباب فتية وفتيات فرادي وحلقات يجتاحون هذا الشارع الكبير، ترى عمّا يتحدثون؟ ماذا يقولون، وأي مواضيع يناقشون؟.. اقتربنا منهم وسألناهم.

 أحمد الطالبي، شاب في السادسة والعشرين من عمره، لا يختلف كثيرًا عن شباب اليوم، أولئك الذين نراهم في سينما المسرح وعلى شاشات التلفزيون، بعفوية تامة تحدث إلينا موضحًا أن عيد الحب هو موضوع النقاش الذي يدور بينه وبين أصدقائه.

أحمد واحد من الشبان الذين يؤيدون فكرة الاحتفال بعيد الحب، حيث قال: “صحيح أن المحبة لا تبني على يوم واحد، ولكن شيء جميل أن نحتفل بهذا اليوم، فأنا شخصيـًا اعتبر هذا اليوم فرصة للتصالح بين المحبين، وإن كانت هناك خلافات بينهم”. وتابع أن فكرة أن يكون للمحبة يوما خاصًا نحتفل به يعني أن نعطي هذا الشعور قيمة أكبر للتعبير عما نكنّه للآخرين من مودّة.

مناسة لتقريب القلوب

غير بعيد عن أحمد، تقدمت رحاب الفطناسي، موظفة باحدى الشركات التونسية تطالب بأخذ الكلمة، لأن لها رأي تريد التعبير عنه، وقالت الفطناسي “عيد الحب مناسبة رائعة لتقريب القلوب بين المحبين، ولكن لا يعني هذا أن نحدّد الحب بزمان ومكان معين.. فالمحبة يجب أن تكون دائمة، والاحتفال بالمحبة هو دليل قاطع على ما يمثله هذا الشعور من قيمة في حياتنا”.

لم يكن من المنطقي أن نسأل الشباب عن عيد الحب دون أن نعرج على ساحة حقوق الانسان، فهناك من اختار هذا المكان إما ليختلي بنفسه، أو ليجالس نفسه في كنف الاحترام، فالحب والعشق مسألة إنسانية.

قد يكون شباب تونس وغيره من شباب العالم قد أعطى هذا المكان المنزلة التي يستحقها، ففي “حديقة حقوق الانسان يطلق العنان للمشاعر، وعند غروب كل شمس ينصرف الصبية والصبايا على أمل اللقاء عند فجر جديد”، على حد قول علي محمد، أحد زوار الحديقة، عندما سألناه عن المحبة وتخصيص يوم عيد الحب للاحتفال بمثل هذه المشاعر.

وأضاف محمد “الفالنتاين هو ليس من عاداتنا، ولكنه شيء جميل أن نخصّص يومًا للاحتفال بالمحبة، فأجمل ما في الدنيا المحبة الصادقة، لأن على هذه المشاعر تنبني الآمال”.

Photo courtesy of pexels by Gustavo Fring

 عادة دخيلة

على عكس علي، يرى وليد عبد الله، وهو أستاذ تعليم ثانوي باحدى المعاهد التونسية، أنه لا ضرورة بأن نختزل المحبة في يوم واحد، فالمحبة مبنية على كامل أيام السنة، أي على امتداد 365 يوم، وبالتالي على امتداد العمر كله، متسائلا: “لماذا نحصر حبّنا للأشخاص الذين يعزّون علينا في هذا اليوم فقط؟”.

وتابع وليد قائلًا: “إن الاحتفال بهذا اليوم يعتبر ظاهرة سلبية، بل مهزلة، وشبابنا بحاجة للتوعية من قبل وسائل الاعلام من خلال بث برامج توعوية، فهم يعيشون مرحلة تقليد الغرب.. وفي النهاية هذا العيد ليس عيدنا، ونحن المسلمون لسنا بحاجة إلى مثل هذا اليوم لنحتفل بالحب، فكل أيامنا هي في الحقيقة أعياد حب”.

الإعلامية تركيا ماجولي، تشاطر وليد الرأي حيث تقول: “إن الاحتفال بعيد العشاق بدعة مستحدثة، لا يجوز لأهل الإسلام الاحتفال بها، ولا الإقرار بها، ولا إظهار الفرح بها، لاسيما وأن أصل هذا العيد هو مرتبط بأساطير وخرافات لا يقبلها العقل العربي”.

من جانبها، تعتبر الصحفية جيهان غدير أن “الفالنتاين عادة ما يرتبط مفهومه بالرومان، والورود الحمراء والقلوب والهدايا والمفاجآت السارة للعشاق، في حين أن الحب بمفهومه الشامل له أشكال كثيرة، وهو شعور إنساني راقٍ يجمع بين الأشخاص”.

وأضافت غدير: “الحب يسمو عن أي رغبات أو مصالح، يوجد في كل منعطف وزاوية من حياتنا، بل يتجلى بأشكال كثيرة غير حب الحبيب للمحبوب.. كحب الأصدقاء، الوالدين، الأبناء، الوطن..”

وتابعت: “الحب لا يرتبط بيوم أو بساعة محددة، فالقلب ينبض مادام هنالك احساس صادق بمشاعر الحب. و عيد الحب هو فرصة للتعبير لمن نحب، سواء كان حبيباً أو صديقاً أو عزيزاً أو أحد الأشخاص الذين أحدثوا فرقاً في حياتنا وجعلها أفضل، حيث نعبر عن تقديرنا ومحبتنا لهم”.

يوم خاص للاسترزاق

قد تكون هناك شريحة تقبل بأن تخصص يوما للاحتفال بعيد الحب، وأخرى مازالت ترفضه، في حين أن هناك من وجد فيه يوما خاصا للاسترزاق، حيث تمتلئ المحلات في شوارع المدينة، لاسيما شارع الحبيب بورقيبة، بالزينة ذات اللون الأحمر، وترتفع الأضواء في معظم المناطق.

 وأنت تعبر هذا الشارع ترى الحركة والإقبال المكثف على باعة الورود، وما يلفت انتباهك المشهد الجميل للواجهة التي تصدرتها باقات الورود، والتي تمّ تنسيقها في شكل قلوب، في انتظار أول زائر للمتجر، هذا إلى جانب الشرائط الملونة.

بسام الصلعاني، هو صاحب هذا المتجر، قابلنا والبسمة تملأ وجهه، وما إن بادرناه بالسؤال قال: “إن الوردة ذات اللون الأحمر أهم ما يبتاعه الناس في هذه المناسبة”، كما يعتبر الصلعاني عيد الحب يوما خاصا لبائعي الورود، لأنه زمن الذروة لتجارتهم.

عصام الحنشي وصالح منور هما أيضا بائعان يؤيدان نفس الفكرة، فلعيد الحب نكهته الخاصة بالنسبة للتجار، صحيح أنهم لا يؤيدون ظاهرة الاحتفال به، إلا أنهما يقولان إن “الاحتفال بالمحبة لا يرتبط بزمن ومكان معين، لكن هذا لا يمنع من أن مثل هذه المناسبات تظل زمن الذروة والنشاط  للاسترزاق، ففي عيد الحب يكثر إقبال الشباب على شراء الورود بمختلف أنواعها”.

Photo courtesy of pexels by Pavel Danilyuk

 حب استثنائي .. في زمن الكورونا

صحيح أن الحب والوفاء والود والإخاء حقيقة وجدانية، لكن من الخطأ أن نعبّر عن هذا الحب في يوم واحد، فالمحبة لا تختزل في يوم واحد، ولكن ماذا إذا تزامن عيد الحب مع زمن الكورونا.

فيوم 14 فبراير يأتي في ظل ظروف استثنائية يعيشها العالم، حيث فرضت الجائحة إغلاقا قاسيا باعد بين الأحبة، ورغم أن بعض طقوس “عيد العشاق” ظلت على حالها، إلا أن الجائحة فرضت علينا إحلال طقوس جديدة.

ووسط هذه الظروف حاول أصحاب محلات الهدايا، ابتكار أفكار جديدة تمكنوا خلالها من لفت انتباه المارة والزبائن الوافدين إليهم لشراء هدايا عيد الحب، ووضع كمامات على منتجاتهم المعروضة للبيع، فضلا عن صنع كمامات مزينة بالقلوب خاصة بعيد الحب.

photo courtesy of bixabay by monika1607

في النهاية قد تتعدد الاحتفالات بعيد الفالنتاين، ولكل شخص وجهة نظر تجاه هذه المناسبة، إلا أنها تبقى في النهاية مناسبة مهمة تهدف وغاية واحدة، وهي التأكيد على قوة الحب الذي يتم التعبير عنه بتخصيص  يوم على الأقل خلال السنة لتبادل تلك المشاعر النبيلة، لكن المؤكد هو أن العاطفة والإحساس يكونان كل يوم وكل دقيقة وكل ثانية.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين