أحداث عالميةتقاريرمنوعات

بعد فشلنا في إنقاذ الأرض.. هل تنجح خطط الحفاظ على نظافة الفضاء؟

أحمد الغـر

خلال السنوات القليلة الماضية، كَثُرَ الحديث عن حالة غير المسبوقة التي تشهدها ، والتي تُعَرِض حياة مئات الكائنات الحية للخطر، والأعداد المهددة بسبب هذا في تزايد مستمر.

لكن مؤخرًا طفت إلى السطح كارثة أخرى جديدة، تتمحور حول تصاعد كميات الحطام والمخلفات الفضائية بشكل حاد في الخارجي لكوكب الأرض.

ففي عام 2007 عندما دمرت الصين عمدًا محطتها الفضائية الخاصة بالطقس “فينغيون-1 سي” في إطار اختبار جهاز يعطل المحطات. وبعدها بعامين، ارتطمت محطة الاتصالات الأمريكية “إيريديوم 33” مع روسية كانت في مهمة وقتها، وتحمل اسم “″، وكان لهاتين الحادثتين عواقب وخيمة، وستستمر العواقب إلى وقتٍ طويل قادم.

هذه الكوارث تدفعنا للتساؤل عن الحالة التي وصل إليها الفضاء حتى قبل أن يسكنه ويعمّره البشر، وعن المخاطر التي ستحدثها هذه المخلفات ومدى تأثيرها على كوكبنا، وعن الضوابط التي اتخذتها الدول والمنظمات الدولية للسيطرة على ازدحام الفضاء وتكدسه.

على شفا الكارثة
قبل أشهر؛ اضطرت وكالة الفضاء الأوروبية “إيسا” إلى تغيير مسار قمر صناعي مخصص لمراقبة الرياح والغلاف الجوي، يتبع مشروع “ستارلينك” المملوك لمجموعة “سبيس إكس”، ومؤسسها “إلون ماسك”، خشية اصطدامه المحتمل مع قمر تابع لخدمة الإنترنت، للمجموعة نفسها.

فمشروع ستارلينك وحده يضم حاليا 62 قمرًا صناعيًا تدور في مدار حول الأرض، فيما تسعى “سبيس إكس” لإطلاق 12 ألف قمر صناعي لتوفير خدمة الإنترنت السريع للعالم أجمع.

ووفقا لمكتب لشؤون الفضاء الخارجي UNOOSA، فإنه منذ بداية عصر الفضاء وإطلاق السابق القمر الصناعي “سبوتنيك 1” حول الأرض، وحتى الآن، تم إطلاق ما مجموعه 8378 قطعة في الفضاء، غير أن حوالي نصفها انتهى أجله وتحطم، وهذا رقم ضخم في حد ذاته، خاصةً مع احتمالية اختراق هذه القطع للغلاف الجوي للأرض.

قمامة في الفضاء
كميات الحطام والأجسام والبقايا التي خلفها الإنسان في الفضاء منذ بداية غزو الفضاء حتى الآن تنذر بالخطر، وقد تختلف الأرقام المتعلقة بمخلفات وبقايا وحطام المركبات الفضائية والأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء المحيط بالأرض.

فوفقًا لمؤشر الأجسام المطلقة في الفضاء الخارجي، الذي يحتفظ به مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، فإن الأقمار الصناعية المختلفة تدور في مدارات، إما منخفضة أو متوسطة أو مرتفعة حول الأرض، أي أنها توجد على ارتفاعات تتراوح بين 1000 و36000 كيلومتر.

ويُعتقد أنه يوجد نحو 23000 قطعة من مخلفات الأقمار الصناعية في المدار الفضائي حول كوكب الأرض، يبلغ قطرها 10 سنتيمتر أو أكثر، وهذه الأرقام تشير إلى أن هناك الكثير من القمامة في الفضاء، وفي المستقبل القريب ستتحول الأقمار الصناعية إلى حطام يشكل خطرًا متزايدًا على الفضاء والأرض على حد السواء.

في هذا الشأن، تقول رئيسة برنامج الفضاء النظيف التابع لوكالة الفضاء الأوروبية “لويزا إينوسنتي” إن “الوضع حرج في الفضاء، وأنه إذا واصلنا إلقاء القمامة في الفضاء الخارجي، فقد تصبح المدارات بأكملها غير صالحة للاستخدام للأقمار الصناعية، وهذا القمامة الفضائية قد تهدد مستقبل السفر إلى الفضاء”.

فيما يقول كبير العلماء المختصين في دراسة الحطام المداري في وكالة ناسا “جير تشيو ليو”: “إن بقايا بحجم مليمترات قليلة تسبب أكبر خطر، بسبب التأثير الهائل لسرعتها على أغلب المركبات التي تعمل في مدار الأرض الأدنى، هذه الجزيئات الصغيرة تفوق في تأثيرها مجموعة رصاصات في الهواء ذات سرعة تبلغ 30 ألف ميل في الساعة”.

الأقمار الصناعية في تزايد مستمر
تختلف أسباب وجود الآلاف من الأقمار الصناعية حول الأرض، والأغراض منها تتنوع بين العسكري والتجاري والحكومي وغيرها، فمنذ بداية غزو الفضاء بإطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الصناعي العسكري “سبوتنيك 1″، صعدت الولايات المتحدة من نشر الأقمار العسكرية التي تخصصت بأعمال عسكرية مختلفة، أبرزها التجسس.

ففي ديسمبر 2018، بلغ عدد الأقمار الصناعية العسكرية أو ذات الاستخدام المزدوج حوالي 320 قمرًا، تمتلك الولايات المتحدة وحدها نصف هذا العدد تقريبا، وتليها روسيا، ثم الصين، والهند.

ووفقًا للمعلومات المتاحة، فإنه يوجد 777 قمرًا مخصصًا للاتصالات، و710 أقمار لمراقبة الأرض، و223 قمرًا للتطوير التكنولوجيا، أما عدد أقمار الملاحة وتحديد المواقع فيبلغ 137 قمرًا، مقابل 85 قمرًا لمراقبة الفضاء، وفقط 25 قمرًا لعلوم الأرض.

متلازمة
هناك خطر محدق يسمى بـ “متلازمة كيسلير” أو “تأثير كيسلير”، وهو أن تنكسر قطعة واحدة من ذلك الحطام وتضرب أخرى، فتشكل سيلًا قد يؤثر على محطات الاتصالات والبثّ الفضائي وغيرها.

وبحسب “لويزا إينوسانتي”، رئيسة قسم تنظيف الفضاء في وكالة الفضاء الأوروبية، فإن “النقطة الهامة هي السرعة التي يسبح فيها أي جسم صغير في الفضاء، فهذه السرعة ستتسبب بانفجار الجسم الآخر أو القمر الصناعي الذي يصطدم به، ما سيؤدي لتشكيل سحابة من الحطام، لذا فأي جزء صغير من الحطام له أهمية كبيرة”.

ففي عام 2017، تسبب إطلاق 86 مهمة حول العالم ببقاء أكثر من 400 مركبة فضائية في مدار الأرض، والكمية الإجمالية للأجسام المتبقية في مدار الأرض تبلغ أكثر من 7,600 طن، إضافةً إلى ذلك هناك عشرات الملايين من قطع المخلفات الصغيرة جداً.

وقبل عام؛ خاضت ناسا 21 مناورة لمنع حدوث ارتطام فضائي مع مركبات فضاء دون طاقم، أربعة منها كانت لإبعاد بقايا محطة “فينغيون-1 سي”، واثنتان لمنع الارتطام ببقايا محطة “إيريديوم 33”.

اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي
الجيش الأمريكي يتتبع بنشاط مستمر، مخلفات الأقمار الصناعية في المدار الفضائي حول كوكب الأرض، والتي يبلغ قطرها 10 سنتيمترات أو أكثر، فإذا كانت هذه القطع ستصطدم مع قمر صناعي، فإنه تتوافر لديه القدرة على تدميرها.

أما البقايا والحطام التي يتراوح طولها بين 1 و10 سنتمترات، فيصعب رصدها وتتبعها، والتقديرات تشير إلى وجود حوالي خمسمائة ألف قطعة أو جسيم أو أشياء من هذا القبيل من مخلفات الأقمار الصناعية تسبح في الفضاء المحيط بالأرض، ومن المؤسف أنه لا توجد حتى الآن طريقة موثوقة لتتبعها وقد يصل عددها إلى ملايين.

وبعد نجاح تغيير مسار القمر الصناعي الخاص بمشروع “ستارلينك”، قالت وكالة “إيسا” في تغريدة لها “مع ازدياد عدد الأقمار الصناعية في المدار، سيصبح من الضروري تكليف الذكاء الصناعي مهمة تجنب حوادث الاصطدام في الفضاء”.

صحيح أن حوادث تصادم الأقمار الصناعية نادرة حتى الآن، لأن كل قمر صناعي يوضع في مدار مصمم لتجنب الأقمار الصناعية الأخرى، إلا أن الحديث عن احتمالية التصادم مع القطع الصغيرة يعدّ تحذيرًا بالغ الخطورة، خاصة مما يوجد في الفضاء المحيط بالأرض من أقمار صناعية ومخلفاتها وبقاياها وحطامها.

لذا فإن العلماء والباحثين يعكفون الآن على التوصل إلى أدوات جديدة مبتكرة تعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي لتتبع مسار القطع والأقمار الموجودة في الفضاء لمنع اصطدامها مع بعضها البعض، أو محاولة تدميرها قبل دخولها إلى الغلاف الجوي.

تنظيف الفضاء
هناك 200 خبير أوروبي، متخصصون في مجال الحطام المداري، يجتمعون سنويًا في المركز التكنولوجي لوكالة الفضاء الأوروبية في هولندا، من أجل مناقشة كيفية تنظيف الفضاء، إنهم يمثلون الشركات المصنّعة للأقمار الصناعية والصواريخ ووكالات الفضاء، وذلك في محاولة لإيجاد حل لهذه المشكلة.

في محاولتهم لالتقاط الحطام والتخلص منه، بدأ المهندسون الأوروبيون في وضع برنامج يعرف بـ”E-Deorbit”، هدفه التثبت من إمكانية التقاط حطام قمر صناعي ووضعه في مكان آمن.

كما تُجرَي اختبارات على روبوت مع نموذج من قمر صناعي لمعرفة كيفية الاقتراب من قطعة كبيرة من الحطام الفضائي وتجميعه، فالروبوت سيتحرك كجسم واحد مع القمر المحطم كما لو أنهما يرقصان دون أن يلامسان بعضهما، يمكن للروبوت أن يحرك يده فيلتقط حلقة حول القاذفة الموجودة على القمر المحطم.

ثم يطلق الروبوت عملية أخرى لالتقاط الحلقة الثانية، وهكذا يسهل على الروبوت جلب الحطام إلى الأرض لتدميره، أو قذفه في جنوب المحيط الهادئ، وهناك طريقة أخرى يُجري دراستها ضمن نفس المشروع، تقوم على فكرة استخدام شباك لالتقاط النفايات المدارية.

العقبة الوحيدة التي تواجه هذا البرنامج الآن، أنه لا يملك التمويل الكافي لإطلاقه.

أقمار تتفكك وتتحلل ذاتيًا
في محاولة لإبعاد النفايات الفضائية، خاصة في ظل تزايد إطلاق الأقمار الصناعية الجديدة، يعكف الباحثون على تصنيع أقمار صناعية يمكنها وضع حد لنهاية حياتها بنفسها، فبمجرد دخول هذه الأقمار إلى المجال الجوي تتحلل وحدها، حيث ستبدأ ألواحها الشمسية في الاحتراق.

لكن تبقى المواد الثقيلة، مثل التيتانيوم، لا تتفتت وتصطدم بالأرض، وهذه هي التي يدرس الباحثون كيفية تفتتها ومنع وصولها إلى الأرض، وذلك للوصول إلى قمر آمن عند نهاية عمله، وبالتالي عودة أقل قدر ممكن من الحطام في الفضاء أو إلى الأرض.

عسكرة الفضاء
في فبراير الماضي، اتخذ الرئيس “دونالد ” خطوة جديدة نحو عسكرة الفضاء، تتمثل بإنشاء قوة فضاء أمريكية، كفرع جديد من فروع القوات المسلحة الأمريكية، وهو مخصص للتعامل مع التهديدات في الفضاء، واعتبر أن هذه القوة تمثل أولوية للأمن القومي.

وقد وقع ترامب على ما يسمى بـ”الأمر الرابع لسياسة الفضاء”، والذي يضع الأساس لمبادرة تشريعية يمكن أن تؤدي إلى إنشاء قوة فضاء كفرع جديد للقوات المسلحة مماثلة لقوات المارينز.

وبموجب هذه المبادرة فإن وزارة الدفاع ستتوجه إلى حشد مواردها الفضائية للردع والتصدي للتهديدات في الفضاء، من خلال إنشاء القوة التي ستكون جزءا من القوات الجوية، كما أعادت واشنطن إلى تأسيس القيادة الفضائية الأمريكية لتكون الذراع العملية للجيش الأمريكي في الفضاء.

وتعتبر هذه الخطوة امتدادًا للمبادرة العسكرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي “رونالد ريجان”، يوم 23 مارس 1983م، بهدف استخدام الأرض والنظم الفضائية لحماية الولايات المتحدة من هجوم بالصواريخ الباليستية النووية الإستراتيجية، وذلك إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي أطلق عليها اسم “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، والتي صارت تعرف لاحقا باسم “حرب النجوم”.

Advertisements

 

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: