أخبار العالم العربيتقاريرمنوعات

بعد الإساءة للشعراوي ونجيب محفوظ.. لماذا تزايدت ظاهرة التطاول على الرموز؟

أحمـد الغــر

أسبوع ساخن على السوشيال ميديا عربيًا، من خلال أزمتين منفصلتين، يجمعهما قاسم مشترك واحد، وهو أن أحد الطرفين في الأزمتين، من الرموز والقامات الشهيرة في مجاله، وقد فارق كلُ منهما الحياة منذ أعوام طويلة.

ذلك ما حدث في واقعتي التطاول على إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وأديب نوبل العالمي نجيب محفوظ، وما صاحبهما من جدل انتشر على نطاق واسع بمواقع السوشيال ميديا، انتقل فيما بعد إلى وسائل الإعلام والصحف.

كثيرون اعتبروا ما حدث من تطاول على الرموز الشهيرة هو من باب البحث عن الشهرة عبر افتعال الأزمات، فيما خفف البعض من وطأة الأمر معتبرين أنه يندرج تحت باب حرية الرأي والتعبير، بينما يرى آخرون أن الجهل بقيمة الرموز وأعمالهم ونتاجهم هو السبب.

التطاول على الشعراوي

بدأت الأزمة حينما طلبت الإعلامية “أسما شريف منير”، ابنة الفنان المصري “شريف منير”، من متابعيها على موقع فيسبوك، ترشيح عدد من أسماء الشيوخ الذين يثقوا بفتواهم وأرائهم في أمور الدنيا والدين، لفقدان أغلب الدعاة الذين تعرفهم لثقتها، على حد وصفها، مرجعة السبب وراء ذلك لكونهم أصحاب خلفية متشددة، فضلًا عن كون ما يقدمونه من فتوى ومعلومات تكون في معظمها مغلوطة.

وقد اقترح عدد من متابعيها اسم الشيخ “محمد متولي الشعراوي”، باعتباره إمام الدعاة ورمز الاعتدال، غير أن “أسما” رفضت الفكرة لاعتبارها أن فتاوي الشعراوي تحمل الكثير من الآراء المتطرفة على حد تعبيرها.

غضب السوشيال ميديا

وصف إمام الدعاة بـ”المتطرف”، لم يمر مرور الكرام، فقد أغضب هذا الوصف مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الذين لم يرتضوا الإساءة للشيخ الراحل، وهو الأمر الذي جعلهم يطلقون على “أسما شريف منير” سيلًا من الهجوم والانتقادات، ولم تستطع الصمود أمامه سوى بالاعتذار عن ما بدر منها.

حيث قالت إنها لم تحسن التعبير واختيار الكلمات الصحيحة، بل وخرج والدها أيضا واعتذر عن خطأ ابنته، لكن واصل الغاضبون هجومهم عليهما، لتقرر “أسما” بعدها بدقائق غلق حسابها على موقع فيسبوك، بعدما أصبحت أزمتها هي الموضوع الأكثر رواجًا في مصر خلال الساعات الأخيرة.

آخرون على خط الأزمة

دخل على الخط في حالة الجدل الواسعة تلك، أشخاص آخرون، مدافعين عن موقف الإعلامية ومهاجمين الشيخ الراحل، كان في مقدمتهم؛ الأستاذة الجامعية المثيرة للجدل “منى البرنس”، والتي حاولت مجددًا السخرية من الشيخ الشعراوي.

حيث كتبت “برنس” منشورًا على صفحتها بموقع فيسبوك، تحدثت فيه عن قصة لقاءها مع الشيخ الشعراوي، ونشرت صورة لها تظهر شبه عارية فيها، وعلقت عليها قائلة: “طب ألحق أقول ذكرياتي مع الشعراوي بقي قبل ما التريند يخلص”.

وأضافت أنها عندما كانت طفلة صغيرة وكانت تتناول وجبة الغداء مع أسرتها في مطعم في شارع قصر العيني، كان الشيخ الشعراوي موجود بصحبة آخرين في صالة خاصة، وعندما رأته ذهبت لتسلم عليه مع والدها، وكان الشيخ حينها ملء السمع والبصر، حيث كانت تّذاع حلقات خواطره حول آيات القرآن الكريم كل جمعة على شاشة التلفزيون.

وتكمل “برنس” أن الشيخ الراحل عندما رآها، وضع يده على رأسها وضحك ودعا لها “أنبتك الله نباتًا حسنًا”، وتابعت ساخرة: “وعنها.. وأهو زي ما إنتوا شايفين، أنبتني أحسن نبات والله، مفيش بعد كده بقى، وده شكل النبات بعد 40 سنة من حطة إيد الشعراوي”.

قصة “منى برنس” التي كتبتها أثارت استفزاز الجمهور، فوجهوا لها سهام النقد، كونها دائمًا تتعمد إثارة الجدل، واللهث خلف الشهرة حتى ولو بحكاية تسئ توظيفها للنيل من فضيلة الإمام “محمد متولي الشعراوي” الذي يشهد له كثيرون بخلقه وعلمه وصلاح دينه.

حماقة وسوء أدب

على الجانب الآخر؛ كانت حملة الدفاع عن الإمام الراحل واسعة، سواء عبر المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى في وسائل الإعلام والصحف التي أعادت التذكير بعلم الشيخ ومآثر ما تركه.

ومن بين أبرز المدافعين؛ الداعية الإسلامي “الحبيب على الجفري”، الذي عقّبَ بدوره على الأزمة المثارة، حيث كتب على حسابه الرسمي في موقع فيسبوك: “إن تكرار انتقاد الإمام محمد متولي الشعراوي والإمام البخاري، وتجاوز الأمر إلى التطاول والتجريح، يعتبر حماقة من الأشخاص المتطاولين، وسوء أدب منهم، أو عقد نفسية تحركهم”.

وأضاف الجفري: “عندما يتزامن الطعن في الإمام الشعراوي والإمام البخاري، (…) وأمثالها من الضرب في الثوابت، ونفي مفهوم المرجعية الدينية ووصفها بالكهنوت، وانتهاك حُرمة التخصص الشرعي في الفتوى ووصمة بتسلّط رجال الدين؛ فالأمر حينئذ يدخل حيّز معاداة الإسلام ومحاربته ضمن نسق مدروس ومتدرج”.

واختتم منشوره قائلًا: “إنها حرب خاسرة والضالع فيها بضاعته كاسدة، ووقفته بين يدي الله تعالى صعبة، وإن نالت حظًا من الرواج في السنوات الأخيرة”.

من هو الشعراوي؟

سواء على المستوى الجماهيري أو على مستوى النخب الدينية والثقافية، فهناك إجماع على أن الشعراوى من أعظم من تناولوا القرآن الكريم في العصر الحديث بذكر الخواطر حول آياته، والخواطر هي هبات صفائية تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات.

كانت طريقته هي طريقة السهل الممتنع، والمزج بين العمق والبساطة، مستخدمًا لغة ومفردات تجمع ما بين عبقرية اللغة، وفتوحات الإلهام والحب المخلص للرسالة المحمدية الخالدة، وتقديم المتعة الروحية.

فكانت تتهافت الجماهير حول أجهزة التلفزيون لسماع خواطره الإيمانية وأفكاره الوسطية المعبرة، وهو ما شكل عمقًا كبيرًا لحضوره في الوجدان المصري والعربي.

لقد تحولت سيرة الشيخ الشعراوي إلى جزء أصيل من النسيج الثقافي المصري والعربي، ولا تزال دروسه في معاني القرآن تعاد وتستعاد في كثير من الفضائيات العربية، بل وتحظى بأعلى نسب المشاهدات.

بينما يؤكد من عرفوه عن قرب مثل الشاعر القدير “فاروق جويدة” أن “جلسات الشيخ الشعراوي كانت تشع بالفكر والشعر والإبداع”.

أديب نوبل.. لا يناسب العصر!

زوبعة أخرى شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي في نفس الإطار؛ كان بطلها هذه المرة هو الروائي المصري الشاب “أحمد مراد” الذي تعرض لموجة من الانتقادات، بسبب ما نُسِبَ إليه من وصفه لروايات الأديب المصري، والعربي الوحيد الحائز على جائزة نوبل للآداب “نجيب محفوظ”، بأنها “لا تناسب العصر”.

تصريحات مراد جاءت أثناء مشاركته في فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث قال إن “روايات للكاتب العالمي نجيب محفوظ بها إيقاع بطئ، وهذا لا يتناسب مع الإيقاع الحديث الآن”، مؤكدًا أن المؤلف عليه مراعاة التطور العصري أثناء كتابته للرواية.

لكن هذه التصريحات أثارت غضب مُعجبي ومحبي أدب “نجيب محفوظ”، فوجهوا انتقادات وتعليقات لاذعة ضد مراد، معتبرين أن ما قاله مراد يعد جهلًا وليس رأيًا.

كما قام مثقفون وشخصيات عامة باستنكار كلام “مراد” غير الموفق، من وجهة نظرهم، وفيه تطاول على أدب عميق قدّمه الروائي الكبير الراحل “نجيب محفوظ”، ولا تزال كتاباته تحظى بنسب قراءة عالية، إلى جانب ما سبق من ترجمة واقتباس في السينما والدراما.

اعتذار وتوضيح

مع تزايد وتيرة الانتقادات والهجوم عليه، خرج “أحمد مراد” في تصريحات جديدة قال فيها إن ما نُشر غير صحيح، وتم اجتزائه، مُضيفًا أن الصحف تسعى لوضع عناوين ساخنة لجذب القراء.

وقال مراد: “لو كنت تعرضت للأستاذ نجيب محفوظ بأي شكل، لكان جمهور الندوة أو الفنانين الحاضرين قد تصدوا لي، وهو ما لم يحدث، لكن بالعكس، انتهت الندوة بهدوء وبنجاح”.

وتابع: “قد تكون هذه مناسبة لأردد فيها، في وجود المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وجوب عدم تصديق أي وسيلة إعلامية لا همّ لها سوى إثارة الجدل للحصول على متابعات عالية لتتكسب من الترويج”.

كما أوضح، في مداخلة مع إحدى الفضائيات، أنه خلال فعاليات معرض الشارقة ضرب مثالًا برواية “السراب” لمحفوظ، وقال وقتها “إذا تم نقلها إلى السينما فإن جيل عام 2020 لن يتقبل أحداثها الدائرة في الأربعينيات”، وأنه يجب معالجتها لتواكب التطور العصري.

حرية النقد

في ظل الهجوم الذي تعرض له مراد، كانت هناك موجة أخرى مؤيدة، أو على الأقل كانت على الحياد، وترى ورأى أصحابها أن ما حدث حرية رأي وتعبير، بل طالب بعضهم مراد بأن يثبت على وجهة نظره وموقفه، فهذا رأيه ويتحمل نتيجته.

من أبرز هؤلاء؛ كان وزير الثقافة السابق “جابر عصفور”، الذي قال: “لا أعرف أحمد مراد بشكل شخصي، ولكني أعرف نجيب محفوظ جيدًا وكان صديقي، ومع ذلك من حق مراد أن ينتقد محفوظ كما يشاء، وليس من حق المثقفين أن يحجروا على أرائه، كما أن من حق أي شخص أن ينتقد أعمال أحمد مراد أو أي مبدع آخر”.

وتابع عصفور: “علينا أن نتمسك بحرية الرأي والتعبير باعتبارها القيمة الكبرى، التي يجب أن ندافع عنها، فلا يمكن للإبداع أن يحيا بدونها، أما أن يصادر البعض حرية الرأي بحجة الدفاع عن الرموز الأدبية، فهذا الأمر مرفوض وغير صحي”.

إهانة من أجل الشهرة

ومن المثير للتأمل أنه رغم اختلاف المسارات في رحلة الحياة بين اثنين من الرموز المصرية، وهما الشيخ “محمد متولي الشعراوى” والروائي “نجيب محفوظ”، إلا أنهما اتفقا في خفة الظل وسرعة البديهة وحب الفكاهة البريئة والمسامرات الأدبية، حتى أن الذاكرة الثقافية المصرية لن تنسى أن نجيب محفوظ تفوق في منازلات مع أساطين القافية في مقاهي القاهرة.

كما تفوق الشيخ الشعراوى في منازلات أدبية ذات طابع فكاها مع مشاهير الظرفاء في الأدب المصري مثل الشاعر عبد الحميد الديب.

ومن الغريب أنه بعد رحيلهما.. بات الأحفاد يسخرون منهما ومن إرثهما الذي تركاه، وأصبح كل باحث عن الشهرة ما عليه سوى أن يخرج وينتقص منهما، متسلحًا بحرية التعبير أو بجهل المعرفة، أو في معظم الأحيان بكليهما.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين