منوعات

أميركية تطارد الحلم الأميركي في الخارج بعد أن افتقدته في بلادها

بقلم: ليز بروفيت ليمارشاند – ترجمة: مروة مقبول

نشأتُ في ضواحي الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أنتمي إلى الطبقة المتوسطة البيضاء.

سعيتُ إلى تحقيق حلمي بأن أعمل بجد لأجني المزيد من المال حتى أصل إلى السعادة المنشودة، كما تنص كلمات شعار “الحلم الأمريكي”.

لكني شعرتُ وكأن أمريكا تقوم بعمل غسيل مخ لمواطنيها، فقد نشأتُ معتقدةً أن الحصول على المال هو الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه الجميع، وأن الحياة هي عبارة عن سباق قاسي.

وهم الحلم الأمريكي

اجتهدتُ في دراستي، وحصلت على وظيفة جيدة، لأن ذلك هو المسار الذي كان من المُفترض أن يجلب لي السعادة، ورغم أنني اتبعت هذا الطريق، إلا أنني لم أكن سعيدة.

في سن الـ23، كنتُ أعمل في إحدى المؤسسات متعددة الجنسيات في واشنطن العاصمة لمدة 60 ساعة في الأسبوع.

وخلال السنتين اللتين قضيتهما هناك، شعرتُ بأنني صغيرة على أن أعيش مثل هذا النمط من الحياة، وأنني قد تحولت في واشنطن من خريجة علوم سياسية ساذجة لديها أحلامها بتغيير نظام سياسي فاشل، إلى سيدة عجوز متهاوية.

وجاءت نقطة التحول بينما كنت أجلس في أجازة نهاية الأسبوع، أفكر في كيفية وضع خطة جيدة تقنع رؤسائي في العمل أنه تم اختطافي، لكي أحصل على أجازة لبضعة أيام فقط.

وقتها أدركت أنني تعرضت للخيانة، فقد كنت أؤمن بكل كلمة في الحلم الأمريكي (العمل الجاد، كسب المال، السعادة)، لكن الأمر لم يكن كذلك، فقد أيقنت أن هناك شيء ما يجب أن يتغير.

كان لدي أصدقاء يعملون بجد ليتمكنوا من التقاعد في سن مبكر، ولكنني لم أرغب في الانتظار إلى هذا الوقت لكي أستمتع بحياتي.

وكان أحد البدائل التي نصحني بها البعض، وغالبيتهم من الرجال، هو العثور على زوج، فقد تكون هذه هي الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لمعظم الناس.

لكن شيئًا ما حدث بعد أن قرأت كتاب “دليل البالغين للهروب من الوطن”، للكاتبة روزان كنورThe Grown-Up Guide to Run Away From Home by Rosanne Knorr، فقد اقتنعت تمامًا بأن كل ما عليّ القيام به هو الابتعاد عن أميركا.

ولم تكن هذه المرة الأولى، فقد سافرت في أجازات عائلية طوال فترة طفولتي، وعدت مؤخرًا من رحلة عمل إلى هندوراس. وكان لتلك التجارب تأثيرها، حيث حلمت برؤية العالم، وتَعلّم لغة جديدة، وتطلعت إلى الانغماس في ثقافات مختلفة.

وأدركت أنني أحتاج إلى القيام بشيء جذري للعثور على السعادة التي لم أجدها عن طريق “الحلم الأمريكي”، وما الذي يمكن أن يحقق لي ذلك أكثر من ترك بلدي للعيش في بلد آخر؟

رحلتي لاكتشاف العالم

كانت لحظة محورية في حياتي. فقد كنت أعلم أنني إذا قمت بإخراج الفكرة من عقلي، وتظاهرت بأنها لم تكن موجودة، فسوف ينتهي بي الأمر للندم على ذلك، لذا قررت أن أفكر جديًا في الأمر.

تحدثتُ إلى أشخاص عديدين حول رغبتي في مغادرة البلاد، وأصبحتُ أعرف الكثير من خلال أناس يعرفون أشخاصًا فعلوا ما أردت فعله بالضبط. وساعدتني إحدى تلك القصص في اختيار وجهتي.

فقد انتقل صديق لأحد أصدقائي إلى فيرجن آيلاندز، وكان يجني مالاً من خلال اصطحاب السائحين في رحلات للغطس لساعات أكثر من ساعات عمله في مكتبه. ومنذ ذلك الحين أصبحت منطقة البحر الكاريبي رمزًا للسعادة لدي .

لم أتردد في تسليم خطاب استقالتي إلى رئيسي في العمل، وحتى أمتعتي التي كانت تمتلئ بها خزانتي من أرقى الأزياء، قمت بتقليلها إلى حقيبة ظهر فقط. واقتصرت ملابسي على زوجين من السراويل القصيرة، وثلاثة تي شيرت وزوج من الأحذية.

واخترت مدينة غوادلوب، وهي منطقة فرنسية تقع في جزر الهند الغربية، لأنني أردت العيش في بلد غير ناطقة بالإنجليزية، لكنني كنت أعرف أنه لن يكون هناك حاجز لغوي كامل أمامي، لأنني تعلمت اللغة الفرنسية منذ أن كنت في المدرسة الثانوية.

وبعد أشهر قليلة كنتُ على متن الطائرة، ومن النافذة شاهدتُ أشجار النخيل وحقول قصب السكر حيث سنهبط. لقد كانت التجربة الأكثر تحررًا في حياتي، لأنني في النهاية كنت أفعل شيئًا اخترته لنفسي.

ودعمني في قراري  أصدقائي وعائلتي، لأنهم جميعًا ظنوا أنني أحتاج فقط إلى أن أبتعد لمدة سنة على الأقل. ولكن امتدت السنة إلى 20 عامًا، ولم أعد أبدًا.

ومن غوادلوب، سافرت في أنحاء الكاريبي وأمريكا اللاتينية، قبل أن أستقر في أوروبا. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنني كنت دائمًا صاحبة القرار.

وخلال رحلتي في الخارج تغيرت الكثير من المُثُل- الخاصة بي وبالبلد –  وكان هذا سببًا في عدم عودتي في كل مرة كان الجميع يتساءلون فيها متى سأعود إلى الولايات المتحدة.

وساعدني العيش في الخارج على أن أرى الحياة بصورة مختلفة، وأنها ليست سباقًا أو منافسة. فقد التقيتُ بأشخاص في الخارج تعلمت منهم كيف أجد المتعة في وجبات الغداء والمحادثات الطويلة. في حين كنت أشعر دائمًا أن حياتي في الولايات كانت مثل سلم هرمي، وكان العمل في أعلى درجات هذا السلم.

حياتي خارج أميركا كانت وكأنها دائرة كل ما فيها يُكمّل بعضه، فقد كان العمل مهمًا في حياتي، لكن الأصدقاء والهوايات والسعادة الشخصية كانوا لا يقلون أهمية عنه. وأصبح أسلوب حياتي طبيعيًا أكثر، وركزت على الاستمتاع باللحظة الراهنة بدلاً من النضال المستمر لتحقيق “النجاح” في وقت غير محدد في المستقبل.

أميركا الماضي والحاضر

لقد نشأتُ معتقدةً أن الولايات المتحدة كانت أعظم دولة على وجه الأرض، أسسها الرواد لتكون ديمقراطية كبرى. وكما تعلمتُ خلال دراستي، فقد كنا أصحاب مبادرات التغيير، وحماة العدالة، وقادة العالم الحر.

ولم يخطر ببالي أبدًا أن فخرنا بأننا (رقم واحد) في العالم تعني أن الآخرين يأتون في مستوى أقل منا، أو أن هناك من يحتل المرتبة الثانية. وعندما اختبرت الحياة في الدول التي يُطلق عليها أنها في (المرتبة الثانية)، وجدتها أفضل بكثير مما عرفته عنها عندما كنت في الولايات المتحدة. وقتها انتابني شعور عميق بالخيانة.

فالولايات المتحدة اليوم ليست هي الدولة نفسها التي كانت عليها عندما غادرت قبل 20 عامًا. فلم أكن أعيش في أمريكا التي يخاف فيها الآباء من إرسال أبنائهم إلى المدرسة خشية تعرضهم للقتل من مراهق تمكن من الحصول على سلاح.

وعندما عُدت لأمريكا في ربيع عام 2017، شعرت بالرعب عندما علمت أن مدرستي الثانوية في شمال نيويورك قد أصبحت مجتمعًا مغلقًا ببوابات، ولا يُسمَح لأي زائرين غير مصرح لهم بالدخول إلى المبنى، ويحتاج الطلاب إلى المرور من خلال أجهزة الكشف عن المعادن للوصول إلى الداخل، ويقفون في صفوف وكأنهم على وشك الصعود على متن طائرة.

ومدرستي الابتدائية السابقة مليئة الآن بالكاميرات الأمنية، وإنه لأمر مُحزن للغاية أن يشعر أصدقائي من المدرسين بالقلق من أنهم قد يفكرون في جلب أسلحتهم إلى غرف الدراسة للدفاع عن أنفسهم وعن الأطفال.

الأمر يبدو وكأن الوضع قد خرج عن السيطرة، وأن أمريكا قد تحولت إلى مشهد من أفلام العالم الغربي.

حياة أوربية مميزة

لقد منحتني الحياة في أوروبا ميزة لم أكن أعتقد أنها ستكون مهمة، وهي التحكم في السلاح. فلا يوجد شيء أفضل من معرفة أن لا أحد أعرفه يملك بندقية أو سلاح.

ففي جنوب فرنسا، حيث أعيش، من المستحيل تمامًا الدخول إلى متجر، وشراء بندقية وذخيرة، ومغادرة المكان في نفس اليوم. علاوة على كل ذلك، فإن الأسلحة العسكرية، التي يمكنك شراؤها في أي مكان في الولايات المتحدة، يُعتبر شراؤها غير قانوني بالنسبة للمواطنين العاديين في أوروبا.

وبالطبع فإن السيطرة على السلاح ليست الميزة الوحيدة التي أستمتع بها في أوروبا، فبالتأكيد هناك أشياء أخرى مميزة، مثل التوازن بين العمل والحياة التي يوفرها أسبوع العمل الذي يبلغ 35 ساعة، كما احصل على خمسة أسابيع أجازة مدفوعة الأجر أستمتع بها كل عام، وفي حال فقدان وظيفتي أحصل على استحقاقات بطالة لمدة عامين، بالإضافة إلى الحصول على رعاية صحية مجانية، وأجازة أمومة مدفوعة، ورعاية الأطفال بأسعار معقولة، والتعليم المجاني من سن 3 إلى الجامعة، ومعاش للتقاعد توفره الدولة عندما أبلغ 65 سنة.

التغيير للأفضل

لا أقول إن العيش خارج الولايات المتحدة هو خيار لجميع الأمريكيين، وأنا بالتأكيد لا أقوم بتحريض الناس أن يهاجروا إلى أماكن أخرى. لكن  ينبغي أن يكون هناك سبب للتفكير في قيام الجميع بالبحث عن شيء أفضل لمستقبلهم بدلا من التمتع بالحاضر.

كما يجب البحث عن سبب لعدم رغبة الحكومة الأمريكية في حل المشاكل المتعلقة بالصحة العقلية، والسيطرة على الأسلحة والتعليم، وعدم البحث عن حلول للقضايا التي ستؤدي إلى تحسين حياة المواطنين، وإدراك أن الصحة هي أولوية وطنية، وأنه ليس هناك داع أن يدفع الكثيرين من حياتهم ليتم عمل شيء.

أنا أحب أميركا، ولكني أكره ما أصبحت عليه. أنا حزينة لأنني لا أستطيع مشاركة الحماية والمزايا التي أستمتع بها يوميًا مع أحبائي الأمريكيين الذين يستحقونهم مثلي. لذلك، في حين أنني اخترت أن أترك أميركا، فإنني أشجع من لم يرغب في الرحيل عنها على أن يناضلوا من أجل إحداث التغيير، لكي تعود أميركا كما كانت عليه في السابق.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

كاتبة المقال:

ليز بروفيت ليمارشاند، سيدة أميركية تبلغ من العمر 43 عامًا، عاشت خارج الولايات المتحدة طوال العشرين سنة الماضية. وهي رحَّالة تجوب العالم، وقارئة متعطشة، وومراقبة نشطة. حصلت على الجنسية المزدوجة في فرنسا عام 2015، وهي متزوجة من مواطن فرنسي، ولديها طفلان، 9 و4 سنوات.

وتعمل بدوام كامل كرئيسة للعمليات في شركة تسويق مقرها في باريس. كما أنها كاتبة مستقلة ومدونة، وتعمل حاليًا على كتابها الأول. لديها شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من كلية جيتيسبيرج، وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ميديتيرانييه، إيكس مارسيليا الثانية.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

المقال الأصلي:

https://www.huffingtonpost.com/entry/personal-proffitt-lemarchand-why-i-left-the-us-20-years-ago-and-why-i-wont-be-coming-back_us_5adf7407e4b07be4d4c57b26

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين