فن وثقافةقصص نجاح

من رعاية الغنم إلى تصميم بوسترات هوليود.. حكاية شاب جزائري وصل بفنّه للعالمية

شمس الدين بلعربي: أسعى لنشر الثقافة العربية عالميًا عن طريق الرسم

حسام عبد القادر

إن كان هذا الشاب الجزائري الموهوب قد تخصص في تصميم أفيشات الأفلام العالمية بالرسم، فإن قصته في حد ذاتها تستحق أن تكون فيلمًا عالميًا، فهي قصة كفاح جديرة بالاهتمام، ونموذج للإصرار الذي أحسست به أثناء حواري مع “”، أبن بلدة عين تادلس في مستغانم بغرب .

والأقدار دائمًا تلعب دورها، فأنا لم أسافر الجزائر من قبل، وإن كنت أتمنى، ولم يسبق لي معرفة هذا الشاب الرائع، ولكنه تعرف عليَّ من خلال قراءته بعض مقالاتي المنشورة على الفيس بوك، فتواصل معي وعرّفني بنفسه، ومن هنا بدأت الحكاية، وبدأت أتعرف على قصة كفاحه.

“كنت أرعى الغنم مع خالي رحمه الله، وبينما كنت أمارس مهنة رعي الغنم في سن الخامسة كانت تمر بجانبي صفحات الجرائد، وكانت تجذبني الصور البراقة لنجوم السينما فالتقط هذه الصفحات من علي الأرض، وأتمعن فيها، وأرسمها بالعود في الرمال.

وعندما بلغت سن السادسة انتقلت إلى المدينة لكي أدخل المدرسة، وفي المدرسة بدأ المعلمون يكتشفون موهبتي، وبدأت أعطى الأهمية لمادة أكثر من باقي المواد”.

هكذا بدأت حكاية شمس الدين بلعربي كما يرويها، وكانت بداية اكتشاف موهبته، إلا “أن الرياح لا تأت بما تشتهيه السفن” كما نقول دائمًا.

فالأحداث مع شمس الدين لم تسر كما كان يريد، لأنه اضطر للتوقف عن الدراسة بسبب فقر عائلته، وخرج منها للعمل في سن مبكرة، ولم يكن يعرف ماذا يمتهن؟ فعمل في مهنة متعلقة بالرسم أيضًا، فكان يقوم بتزيين المحلات التجارية وديكوراتها.

واستمر سوء الحظ معه، حيث تعرض للاستغلال من أصحاب العمل، فكانوا كثيرًا لا يعطونه مقابل ما يعمل، وعندما يعترض كان يتعرض للتهديد.

وكان يبكي، فهو يعمل طويلا ويبذل مجهودا جبارا، وتحت أشعة الشمس الحارقة حتى كانت يداه الصغيرتان تحترقان من السلم المعدني الذي يحمله أثناء عمله، فتترك علامات الاحتراق على يديه وجسده الضعيف، وكانوا يهددونه بالعقاب إن قام بإخبار الشرطة.

إلا أن موهبة بلعربي كانت تتوهج مع كل احتراق يمسه من السلم الذي يحمله في ذهابه وإيابه، وكان يمر بجانب قاعات للسينما، فيقف يتأمل أفيشات الأفلام وصور نجوم السينما الضخمة، ويحفظها في ذاكرته ثم يعود إلى البيت ليقوم برسم كل ما شاهده، متناسيًا كم التعب الذي يشعر به من يوم عمل شاق.

وفي موسم الشتاء، كانت الأمطار تفسد الكثير من رسوماته، حيث كانت تسقط عليها من سقف البيت التالف والمكسور، وكان يرسم في نفس المكان الذي تطبخ فيه والدته، وهو أيضا نفس مكان النوم، فكل شيء جنبا إلى جنب في البيت الضيق على الأسرة.

خطرت لشمس فكرة رآها كل من حوله أنها فكرة مجنونة، وهي أن يرسل أعماله الفنية إلى شركات الإنتاج السينمائية العالمية عن طريق البريد، ولم يمل أبدًا من فعل ذلك، رغم مرور سنوات لم يتلق فيها أي رد، لكنه واصل وصبر، وكان لديه أمل أن يشاهد رسوماته صناع .

استمر شمس الدين في العمل بالشارع، ولكن جسمه الضعيف لم يتحمل، وحدثت له مشاكل صحية فدخل المستشفى وظل بها ثلاثة شهور، وكانت من أصعب المراحل التي مرت عليه في حياته.

خرج من المستشفي بعد أن تعافى، وبدأ يسترد عافيته، ويستعد للعمل من جديد لإيجاد قوت يومه، إلا أنه فوجئ برسالة من منتج أرجنتيني يعمل بالشراكة مع ، سمع عنه وعن لوحاته، وطلب منه رسم أفيش لفيلم من أفلامه، وكانت هذه هي نقطة الانطلاق لشمس الدين لتتغير بعدها حياته بالكامل.

بدأ شمس الدين يتلقى الطلبات من المخرجين والمنتجين، وصمم الكثير من ملصقات الأفلام العالمية، منها:  ملصق فيلم Honor من بطولة Kevin D Benton، وملصق  The News و Garra Mortal، والفيلم الوثائقي الكبير Chinese Hercules The BOLO YEUNG Story من بطولة الأسطورة bolo YEUNG وإخراج Nyziak Pavel.

وعرضت أعماله الفنية في السينمائي الدولي، ومهرجانات الأوسكار وسيزار، وشاهد أعماله الممثل الهوليودي JIMMY GOURAD فاتصل به، وزاره شخصيًا في الجزائر وكرمه.

وبعدها تمت دعوته للمهرجان العالمي للسينما في المغرب، حيث دعاه الممثل المغربي الشهير محمد قيسي الذي اشتهر في هوليود باسم TONG POO، والذي يعتبر من أساطير هوليود، وله أفلام شهيرة رفقة روجر مور وجون كلود وفان دام وآخرين، واتفقا علي مشروعات مستقبلية للعمل.

وبعدها جاء وفد من خبراء سينمائيين إلى الجزائر، وكان رئيس الوفد الممثل العالمي  RAMDAN GOURAD، وتم تكريم شمس الدين في حفل كبير باعتباره آخر فنان عربي وأفريقي ما زال يصمم ملصقات الأفلام العالمية بالطريقة التقليدية، أي عن طريق الرسم والفن التشكيلي.

يقول شمس الدين بلعربي: “صممت أكثر من ثلاثة عشر ملصق للسينما العالمية، واجتهدت أن أنشر الثقافية العربية في الأوساط العالمية عن طريق الرسم، وتم تسجيل اسمي في القاموس العالمي للسينما العالمية IMDB، كما صدر كتاب بعنوان BUKS OF AMERICA تناول قصة مسيرتي الفنية في صفحة كاملة، وهو كتاب تذكاري يوزع مجانًا في المهرجانات السينمائية في ”.

ويضيف: “حاليا أنا متفرغ للفن ولتصميم أفيشات الأفلام، وأعمل يوميًا في مخبر للتصوير الفوتوغرافي، ورغم أني تلقيت الكثير من الدعوات للذهاب إلى هوليود، لكني لم أذهب بسبب ظروف عائلية، كما تلقيت دعوة للذهاب كضيف شرف في مهرجان ستوكهولم السينمائي الدولي في السويد”.

يتمنى شمس الدين أن يفتح مدرسة لتعليم تصميم الملصقات، ويخطط أن يقوم بتنظيم معرض لكل أعماله الفنية في مجال الأفيش .

وأخيرًا، تمت دعوته من قبل المخرجة المصرية نيفين شلبي لتصميم فيلمها الأخير، والذي سيقوم ببطولته الفنان باسم سمرة، وهو ما أسعده بشدة لأنه سيكون بوابته نحو السينما المصرية.

وما زال لدى شمس الدين بلعربي الكثير من الطموحات والأحلام، فقد استطاع بعد صبر وجهد أن يصل إلى الطريق الصحيح، ولكن ما زال في جعبته الكثير لعالم السينما، وسوف ينطلق في القريب العاجل انطلاقات قوية إلى العالمية.

وسأظل في انتظار فيلم عالمي يروي قصة شمس الدين بلعربي.

تعليق

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين