قصص نجاح

قصة نجاح- رشيدة كلاي.. ابنة أسطورة الملاكمة التي برعت في حَلَبَة العمل الإنساني

خاص- راديو صوت العرب من أمريكا

ترجمة مروة مقبول- تحرير: علي البلهاسي

أقل ما يمكن أن توصف به أنها “بطلة حقيقية”، فقد ساندت والدها، أسطورة محمد على كلاي، الذي أصيب بمرض “باركنسون” عندما كان عمره 45 عامًا. وتأثرت “رشيدة” بشدة نتيجة المرض الذي أصاب والدها وأعاق قدرته على الحركة والكلام، لكنها قالت في أكثر من مناسبة إن والدها كان يتمتع دائماً بالشجاعة التي يواجه بها كل شيء، ولا يستسلم للهزيمة أبدًا، مشيرة إلى أنه تعامل مع المرض بنفس الطريقة.

وبعد سماعها لأحد اختصاصي أمراض الأعصاب في مؤتمر في عام 2002م تحولت رشيدة إلى ناشطة لمساعدة المصابين بمرض “باركنسون”. وقضت سنوات في البحث والدراسة حول هذا المرض، وقامت بتأليف كتاب لإرشاد الآخرين عن كيفية التعامل مع المصاب بهذا المرض.

‏وحول هذا الكتاب تقول: “عندما كتبت كتابي عن مرض “باركنسون”، وكيف أن ‏إصابة أبي به أثرت على العائلة بأكلمتها، لم يساعد هذا أطفالي فقط في تعاملهم مع أبي، ولكن جعلهم أيضًا أبناء بارّين في ‏شبابهم. فقد قمنا أنا و زوجي وأطفالي الاثنين بحملات لجمع التبرعات في لاس فيجاس وشيكاغو لمساعدة الأطفال والمشردين”. ‏

لم تكتف “رشيدة” بذلك، بل سافرت في جولات حول العالم لتنشر الوعي حول مرض “باركنسون” الذي أصاب والدها ولا يعرف الكثيرون عنه شيئًا، وحرصت خلال جولاتها على جمع التبرعات من أجل الحملة التي قادتها لمكافحة هذا المرض.

روح الإنسانية

 “رشيدة” ‏هي امتداد للحب والتفاني في العمل الإنساني الذي زرعه بداخلها والدها الأسطورة .. وكما حرصت على أن تكون حياتها امتداد لكفاحه في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق ‏الإنسان، نجحت أيضًا في جعل ابنيها امتداد لرحلة جدهما في مجال الرياضة، حتى ‏تشعر أن حلم والدها سيظل يعيش من خلالها هي وأولادها.

‏كان لتشجيع محمد علي المستمر لابنته أثره الكبير عليها، فرغم حزنها الشديد على مرض والدها إلا أنها لم تستسلم، وكانت شجاعته في مواجهة المرض ملهمة بالنسبة لها، فلم تيأس ولم تفقد الأمل  في شفائه من المرض، وإنما كان لديها إيمان بأنه في يوم من ‏الأيام سيتم التوصل إلى علاج لهذا المرض. ورغم وفاة والدها فيما بعد إلا أن استمرت في مسيرتها لمساعدة المصابين بهذا المرض الذي أفقدها أعز واقرب الناس إلى قلبها.

معا ضد ‏الكراهية

كانت “رشيدة” مؤخرًا في في نهاية جولة “اليوم القومي لمكافحة الحشيش”، وكانت هي آخر محطة ‏في تلك الجولة، حيث كانت تقوم هناك بالترويج لمبادرة “‏Ali in all of us‏ ” التي أطلقها مركز محمد علي كلاي، الذي افتتحه ‏والدها عام 2005 لتحقيق حلمه في مساعدة الآخرين.

وكان المركز قد أطلق مؤخرًا تطبيق “معا ضد ‏الكراهية”، وهو تطبيق مجاني يمكن من خلاله التعرف على ثقافات الآخرين المختلفة، من خلال توجيه ‏الأسئلة لهم عبر هذا التطبيق، أو جعل الآخرين يعرفون المزيد عن ثقافتك من خلال الإجابة على أسئلتهم.

وتقول “رشيدة” إن السبب الرئيسي ‏لإطلاق مثل هذا التطبيق هو التأكيد على نقطة هامة جدًا، وهي أننا لسنا مختلفين عن بعضنا كما يبدوا لنا. فعندما نتنافس و نتشارك في فعل بعض الأشياء عبر الانترنت سينعكس هذا على الاحترام الذي نشعر به تجاه بعضنا البعض. فهو يزيد من ‏فهمنا واحترامنا للآخرين كما كان يفعل والدي، فقد كان يحترم الأخر دون النظر لنوعه وجنسه أو خلفيته”.‏

أب استثنائي

تحكي رشيدة عن والدها قائلة: “كان أبًا استثنائيًا..علمني أبي أننا جميعا لدينا القدرة على أن نكون عظماء، وأن نقدم للعالم أعمالا عظيمة.. وأنه لا يوجد ‏مستحيل عندما نؤمن بأنفسنا.. لقد كان محمد علي كلاي كان بالنسبة للعالم هو هذا الملاكم الشهير الذي يشارك في ‏المسابقات ويفوز بالبطولات، ويعود إلى منزله حاملاً الميداليات، لكنه كان بالنسبة لي هذا الأب المحب الذي يعمل دائما ‏في خدمة المجتمع، ويحاول أن يجعل العالم مكانًا أفضل”.

وتضيف: ‏”عندما كان والدي على قيد الحياة، كان ينظر إلى الناس، ويتمنى لو يقدموا أفضل ما لديهم كبشر. لذا فعندما أقوم بالأعمال ‏الخيرية، أشعر بروح أبي، وبينما يلهمنا التحدث عن إرث والدي، أود أن أعبر عن مدى ‏شعوري بالفخر بكل هذا الحب الذي لازال يحمله الكثيرون لأبي في كل أنحاء العالم وليس في ‏فحسب”. ‏

‏المبادئ الستة

‏تفخر “رشيدة” بأن والدها كان هو معلمها الروحي، وعن ذلك تقول: “لقد كان أبي مؤمنًا بأن الملاكمة كانت هي النعمة التي أنعم الله عليه بها، وأنه يُحسن استخدامها، وأعتقد أن هذا كان شيئًا فريدًا.. ‏فقد أثر في حياة الكثيرين وساعدهم من خلال مهنته.. وأنا أشعر بالفخر أنه كان مرشدي ومعلمي الروحي”. ‏

وتضيف: “علمني أبي الكثير من الأشياء التي كان لها تأثير كبير في حياتي، فقد كان حريصًا  على المبادئ الستة التي يؤمن بها (الثقة – اليقين – ‏العطاء – التفاني – الاحترام – التعلق بالقيم الروحانية)، وكل من يذهب إلى محمد علي كلاي سيلمس تلك المبادئ في المتحف الخاص ‏برحلة محمد علي، بداية من الطفولة وحتى شبابه، وحتى تلك الصعاب التي عانى منها، وكيف تعامل معها. فقد كان يؤمن أن ‏الحياة عبارة عن اختبار من الخالق، وأن كل ما نفعله في الحياة يجب أن يرتبط بهدف أنساني”. ‏

‏وتتابع: “أعتقد أن أكبر انجاز فعله أبي في الحياة هو أنه كان مصدر الإلهام لأجيال في جميع أنحاء العالم. فقد كافح ليكون له شأن، وكان دائمًا يسعى لأن يكون الأفضل في كل عمل يقوم به ، كما أن تأثيره على الآخرين يعود إلى أنه كان يبادلهم الحب بنفس ‏القدر الذي كانوا يحبونه به. كما أنه كان متواضعًا ويحب أن يشعر كل من يلتقي به أنه إنسان له أهمية وشأن”. ‏

 

بطل الناس

‏تؤكد “رشيدة” أن ما يجعل شخصية والدها فريدة، ليس تلك النجاحات التي حققها في حلبة الملاكمة أو وسامته أو الطريقة التي كان يبدو ‏عليها، أو حتى دفاعه المستمر عن الحقوق المدنية والمساواة بين كل أفراد المجتمع الأمريكي، وإنما طريقته المتميزة في ‏التواصل مع أي شخص كان يلتقيه .. وتواصله مع أفراد مجتمعه، وأيضا مع كل إنسان في أي مكان بالعالم. فقد كان لديه موهبة في التواصل الروحي  مع أي شخص. وكان يجعل من يلتقي به يشعر بأنهم أصدقاء منذ وقت طويل.‏

‏تقول: “كان والدي يمثل صوت المقهورين، وينبذ كل المفاهيم التي تعمل على التفرقة بين أفرد المجتمع. وكان ينادي بأن يتحد ‏الجميع معًا من أجل قضية واحدة، وهي إحلال الأمان والسلام للجميع.. كأمة واحدة.. وفي هذا الصدد كتب أبي قصيدة قصيرة ‏أسماها ” ‏me ..we‏ “، ولذلك أطلق عليه الصحفيون لقب “بطل الناس” لأنه لم يكن يفكر في نفسه أبدًا بل كان يدافع عن الآخرين”.

مواقف إنسانية

‏تسترجع “رشيدة” ذكريات المواقف الإنسانية لوالدها فتقول: “في عام 1981، حاول رجال شرطة لوس أنجلس إنقاذ رجل ‏كان يحاول الانتحار من أعلى مبني مكون من 9 طوابق، وكان صديق أبي يسكن في هذا المبني. فأخبر هذا الصديق رجال الشرطة أن هناك شخص يعيش على بعد ميل واحد فقط من المبنى، يدعى محمد علي، يمكنه أن يساعد هذا الرجل. فرفض رجال ‏الشرطة اللجوء لأحد وأكدوا أنهم يسيطرون على الموقف”.

 

وتضيف: “لم يهتم صديق أبي بكلام الشرطة، واتصل بوالدي وشرح له الموقف. ‏فقفز أبي إلى داخل سيارته ووصل إلى المبنى، ووجد هناك رجال الشرطة ومعهم طبيب نفسي يحاولون أن يمنعوا الرجل من الانتحار. وعندما ظهر أبي في المشهد ورآه الرجل الذي يحاول الانتحار، لم يصدق أن من يراه هو محمد علي.. فذهب إليه أبي و أخبره أننا جميعنا أخوة وقال له “أنا أحبك .. أريدك أن تأتي إلى المنزل معي وأن تلتقي بأصدقائي”، ووعده بأن يساعده في إيجاد ‏وظيفة مناسبة له. وبعد نصف ساعة من وصول والدي، خرج أبي من المبنى برفقة الرجل الذي كان يحاول الانتحار بعد أن أنقذ ‏حياته”. ‏‏

وتحكي “رشيدة موقفًا إنسانيًا آخر لوالدها قائلة: “كنت أنا وإخوتي نذهب لزيارته في الصيف، وكان يريدنا جميعًا، نحن الأخوة غير الأشقاء، أن نجتمع ل‏نعرف بعضنا البعض ونظل متصلين. و في يوم من الأيام التقط عائلة مشردة، واستقبلهم في منزلنا. كنا نشعر بالخوف ‏منهم فقد كنا أطفال صغيرة وقتها، لكن والدنا طمأننا بأن كل شيء سيكون على ما يرام. وقدم الطعام لتلك الأسرة وأعطاهم مالاً وساعة يد ربما ليبيعوها بعد ذلك للحصول على مزيد من المال. فهذا هو نموذج الرجل الذي كنا نراه دائمًا، وهذا هو ما كان ‏يعلمنا إياه. ففي هذه السن الصغيرة أراد أن يعلمنا معنى العطاء. فتعلمنا جميعنا حب الأعمال الخيرية والانشغال بخدمة المجتمع واكتشاف قدراتنا الإنسانية”. ‏

‏هناك مواقف إنسانية أخرى لا تستطيع “رشيدة” أن تنساها، مشيرة إلى أن والدها كان يراعي المشاعر الإنسانية حتى في أبسط المواقف، فحتى أثناء التقاط الصور مع محبيه ومعجبيه، كان يهتم بمن لا يستطيع الوصول ‏إليه، سواء كان هذا الشخص أحد المعاقين على كرسي متحرك، أو طفل صغير لا يستطيع أن يراه. فقد كان يريد أن يجعل الجميع يشعرون أنهم ‏‏”متميزون” وكان لا يتجاهل أحد أبدًا. ‏

‏وتقول: “عندما افتتح أبي المركز الخاص به، اصطحبه الحارس الخاص إلى الباب الخلفي، حيث كانت تنتظر سيارته، فاتجهت إليه حشود من ‏الناس ممن يرغبون في التقاط بعض الصور معه، أو أن يوقع لهم على أوتوجراف خاص بهم أو يوقع لهم على صورة له. وبينما ‏كان السائق يحاول أن يشق طريقه بالسيارة بين هذه الحشود، طلب منه أبي أن يتوقف، وقام بفتح نافذته، فقد كان هناك رجل يف بين الحشود ومعه ‏قفاز ملاكمة يريد أن يحصل على توقيع أبي عليه. لكن الحارس الشخصي الذي كان يرافق والدي في السيارة نصحه ألا يفعل ذلك، لأن الرجل ‏ربما يذهب بعد ذلك ليبيع هذا القفاز على أحد المواقع على الانترنت بسعر عالي. ولكن أبي لم يهتم لكلام الحارس ووقع على القفاز ‏للرجل. فقد كان يهتم فقط برسم الابتسامة على وجوه الناس، دون الاهتمام بأي أمور أخرى. وكان يرسم نموذجًا لما يجب أن تكون عليه أي شخصية مشهورة”. ‏

عالم واحد

تؤكد “رشيدة” أننا في هذا المجتمع نحتاج لأن نعرف المزيد عن الآخرين، بدلا من أن نخاف منهم، فالمعرفة هي سبيلنا للإنسانية. وترى أننا نستطيع أن ‏نتغلب على كل تلك الانقسامات الموجودة داخل المجتمع، وأننا نحتاج فقط لأن نُعلّم أولادنا كيف يصبحون جزءًا من هذا العالم، وأن ‏يعرفوا الناس من حولهم، خصوصًا من يعانون منهم، وأن يتواصلوا مع الآخرين من خلال الأفعال الخيرة ‏البسيطة.

وتقول: ” لقد كان أبي مصدر إلهام لنا لنكون الأفضل إنسانيًاـ وكان مؤمنا أننا سنكون أقوياء إذا ساندنا بعضنا البعض، وكانت لدينا ‏القوة لتغيير المجتمع. فشخص واحد يمكنه أن يفعل كل شيء، ولكن عندما يتحد الجميع فبالتأكيد يمكن أن يتم تحقيق إنجازات ‏أكبر، وأن نتمكن من مساعدة كل الذين يعانون في بلدنا أو في الخارج”. ‏

‏وتختتم “رشيدة” حديثها قائلة: “سيظل أبي دائمًا في قلبي، ودائما أتطلع إليه لينصحني ويرشدني. وتعبر عن اعتزازها بوالدها قائلة: “أشعر بالفخر لانتمائي إلى هذا الأب العظيم، الذي تحول إلى أكثر من مجرد ملاكم، فقد أصبح سياسيًا ونصيرًا ‏للقضايا الإنسانية، لقد كان ابنًا وأبًا وجدًا ومدافعًا عن حقوق مرضى ‏‏”باركنسون”، وناشطًا في مجال الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، وسفيرًا للسلام. وقد يكون بأعماله من أكثر الناس نفوذًا على وجه الأرض.. لقد كان ملهمًا للكثير من الناس”.‏

 

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين