قصص نجاحهجرة

رؤى الكيال.. حوار حصري مع صاحبة أكبر وأهم جروب للمهاجرين في كندا

قصة مهاجرة لم تسع للهجرة.. ورحلة تمرد وكفاح تكللت بالنجاح

حاورها: حسام عبد القادر

أؤمن أن الإنسان دائمًا له من اسمه نصيب، وهذا ينطبق بقوة على “رؤى”، فهي شخصية لها رؤية وفلسفة في كل الحياة وتجاربها.

وهي امرأة متمردة، تمردت على عادات وتقاليد وموروثات مجتمعها، تحب التجربة، وتؤمن بالحرية كاملة، لديها أحلام وطموحات لا تنتهي.

تعطي طاقة إيجابية هائلة لكل من يتعامل ويتواصل معها، ترى أننا يجب أن نعيش الحياة وأن نفرح ونسعد من حولنا، والأهم أن لديها قدرة على العطاء لا تنتهي.

هذه هي “” الكيميائية العاشقة للأدب، الكندية من أصل سوري، وصاحبة أهم وأكبر جروب خاص بالمهاجرين “أهلا بكم في ”.

عندما جلست مع رؤى لأجرى الحوار، لم أجد اختلافًا كبيرًا عن رؤى التي تعرفت عليها عبر الفيس بوك والواتس آب، فهي شخصية واحدة لا تتصنع، واضحة ولا تخشى رأيًا ذكرته مهما كان، ولديها القدرة على تحمل تبعات آرائها.

قصة ملهمة

قصة رؤى في الهجرة، وفي الحياة تستحق أن تكون رواية أو فيلمًا سينمائيًا، فهي مليئة بالأحداث التراجيدي منها والكوميدي، وأيضًا بحياتها كثير من الصدف التي دائمًا ما نسخر منها في الأفلام، ولكنها تحدث في الواقع أكثر منه في السينما.

استطاعت أن تحفر في الصخر إلى أن وصلت لما تريد، وما زال لديها طموحات أخرى في الطريق لتحقيقها، ويمكن ببساطة أن نقول عن رؤى الجملة الشهيرة “امرأة بمئة رجل” عندما نتحدث بإعجاب عن امرأة.

وتعجبت عندما عرفت أن عمل رؤى بكندا داخل معمل تجارب، حيث يقومون بتجربة الأدوية الجديدة على الفئران والقرود، فهي تتعامل وتعيش مع الفئران والقرود في المعمل أثناء العمل، ومع البشر والحياة الاجتماعية الواسعة واقعيًا وافتراضيًا من خلال الجروب على الفيس بوك.

بداية القصة

ولكن لنبدأ القصة من البداية، كما تحكيها رؤى، والبداية من مدينة حمص بسوريا، حيث نشأت في عائلة “محافظة”، ونستخدم دائمًا كلمة “محافظة” عندما نشير إلى التمسك بالعادات والتقاليد والدين.

و”حمص” تعتبر من المدن المتمسكة بالتقاليد والعادات بشكل عام، وتشبه صعيد مصر في كثير من الصفات، حتى في إطلاق النكات على أهل حمص مثلما يحدث مع الصعايدة بمصر، ومدن جنوبية كثيرة في كل أنحاء العالم.

تقول رؤى: “خرجت من حمص وعمري 10 سنوات، عشت بالإمارات لظروف الأسرة، وهناك المجتمع مختلف كثيرًا خاصة أنه مليء بالجنسيات من كل أنحاء العالم، ومجتمع منفتح بشكل كبير. ولكني عدت إلى مدينتي بسوريا لأدخل الجامعة، حيث التحقت بكلية العلوم جامعة البعث، وهنا كانت النقلة الكبيرة”.

فوجئت بأن كثيرًا من الطبائع مختلفة، عشت صراعًا كبيرًا بسبب طبيعة البيئة المحيطة بي، مجتمع كامل لم أشعر بالراحة فيه، فساد دائم بين الطلبة، وبين الأساتذة، كل شيء يباع ويشترى، وأنا كنت “أفلاطونية” أشعر أن مدينتي هي كل شيء بالعالم ولا يوجد مثلها، ولكن الفساد أفسد كل شيء.

رحلة تمرد

وتضيف: “لم يكن لدي توجهات سياسية، ولكني كنت ثائرة على الفساد، وأرفضه بشدة، إلى أن وقعت في الحب، وتمت خطبتي لمن أحببت، وشعرت بالسعادة كثيرًا، واستمرت العلاقة بيننا أربع سنوات”.

ورغم حبي لخطيبي إلا أنه كعادة معظم الرجال الشرقيين كان يريد التحكم في وامتلاكي، وشعرت أن استمرار العلاقة هو دفن لروحي ولحياتي، وكنت قد تخرجت، فقررت الهرب، وبمساعدة والدي سافرت إلى شقيقتي بالإمارات، وكانت بداية رحلة تمرد على كل حياتي.

قررت العيش بمفردي، وليس بمنزل أختي وزوجها، خارج قيود العائلة والمجتمع وأي قيد ولا تحت أي سلطة، وكان لابد أن أعمل لكي أحقق دخلا أعيش منه دون الاعتماد على أحد، وسكنت في حجرة ضمن شقة للفتيات، وهناك تعرفت على كثير من القصص والخبرات التي كانت خارج تصوراتي.

كانت فترة تحدٍ كبيرة لي، لأني مررت بأعمال كثيرة جدًا، حتى بدأت أدرس في دروس وبعض المدارس الخاصة، وحققت اسما وشهرة جيدة، وأصبح لي دخلا جيدا بعد عناء كبير، وكان أجمل شعور بالحرية.

انطلاقة وحرية

كنت منطلقة بكامل طاقتي، وكنت محبة للناس أتحدث معهم وأعرف قصصهم وحكاياتهم، سواء من أعرفهم أو لا أعرفهم، إلى أن تعرفت على زوجي، وهو شاب تونسي كان يعمل في العين بالإمارات.

والمصادفة أننا تراسلنا من قبل وأنا في على الشات بهدف معرفة بعض المعلومات السياحية بسوريا، وعندما جدد التواصل معي فوجئ أنني بالإمارات فتقابلنا وحدث الإعجاب وتزوجنا، وأنجبنا أبننا أحمد.

وتستعيد رؤى بذاكرتها هذه الأيام مبتسمة، وتقول “زوجي شخصية منفتحة جدًا، وداعم للنساء، ووقف معي نفسيًا، ولم يقيد حريتي في أي شيء، بل بالعكس ساعدني على انطلاقي وعلى نمو شخصيتي بما أحببت، وكنا أصدقاء أحكي له كل ما يحدث وعن كل الشخصيات التي أقابلها”.

عشت في تجارب كثير من الفتيات والسيدات من خلال السكن، تعاطفت معهن، وزادت ثورتي على المجتمع بسبب قصصهن، وكانت لدي رسالة إنسانية تعليمية، لأني أدرس لفتيات أيضا، وأعلمهن، فكنت معلمة وصديقة.

الهجرة إلى كندا

* ولكن ما سر ترك كل هذه القصص وهذه الحياة المليئة بالأحداث، والهجرة إلى كندا؟

** لم تكن كندا حلمي أبدًا، بل كانت حلم زوجي، ولم أكن أهتم بالعالم الغربي على الإطلاق، ولم أتخيل أبدًا أن أعيش في أي دولة من دول العالم الغربي، ولكن كان هذا هو حلم حياة زوجي، ولم أرفض، وأخذنا الموافقة على الهجرة في 2005، ولكن أوراقنا اكتملت بعد خمس سنوات، وكان لابد أن نسافر حتى لا تسقط الإقامة، فسافرنا في 2010 لمدة 25 يومًا فقط، وجئنا إلى مونتريال، ولم أخرج إلا مرة واحدة فقط، ولم أحبها إطلاقًا، ورفضت العيش بها تمامًا.

فوجئت بالمطر والغيوم، والعواصف وهي مشاهد كئيبة جدًا بالنسبة لي، وكنت أنتظر بفارغ الصبر حتى أعود إلى أبوظبي، وعدنا بالفعل، ولكن كان لابد أن نرجع في 2011 بسبب الإقامة.

وفي هذه المرة شعرت ببعض الجمال وبدأت أنظر للبلد بشكل مختلف، نظرت إليها بعين أحمد ابني، وقلت في نفسي لابد أن يعيش أحمد هنا، ولكن رجعت مرة أخرى للإمارات.

وفي 2013 كان لابد من قرار حاسم، إما أن نذهب إلى كندا ونستقر، أو نظل بالإمارات وننسى موضوع الهجرة، وكان لدي مشروع طموح بإنشاء مدرسة نموذجية بسوريا، وأكمل بقية حياتي بها، ولكن كانت الثورة بدأت بسوريا والحياة تغيرت.

وجئت إلى كندا بمفردي، لارتباط زوجي بأعمال في الإمارات، وظللت وحدي أواجه كل الصعاب، حتى تمكن زوجي من اللحاق بي، ولكن بعد 6 سنوات.

مرحلة جديدة

* كانت كندا بداية مرحلة جديدة بالنسبة لك، ولكنك بالتأكيد واجهت كثيرًا من الصعوبات والتحديات، فكيف تعاملت معها وأنت امرأة وبمفردك؟

** بداية هنا لا يوجد فرق بين امرأة ورجل، وهي من الأمور المهمة جدًا، وعانيت كثيرًا لأني وحدي بطبيعة الحال، وليس لدي أي خبرات بالمجتمع الكندي، وطبيعة الحياة بكندا مختلفة تمامًا عن حياتنا بأي دولة عربية.

عملت في أعمال كثيرة جدًا، وكانت اللغة أول تحدٍ، فبدأت بتعلم الفرنسية، ثم تعرفت على أنطونيو وهو شخص كفيف علمني وساعدني كثيرًا، ودرست العلاج الطبيعي بناءً على نصيحته، وبدأت العمل في هذا المجال، ثم حدث لي حادث، حيث وقعت رافعة على يدي، وظللت عامين أعالج يدي، فتوقفت عن العمل بهذا المجال.

في هذه الفترة حصلت على شهادة في اللغة الإنجليزية من جامعة “ماجيل”، وأنوي أن أحصل على شهادة أخرى في اللغة الفرنسية، ثم جاءت لي فرصة عمل بمختبر لأبحاث علمية على الفئران والقرود، وبالتحديد اختبار سُمّية الأدوية على الحيوانات والتجارب التي لها علاقة بأمراض الجهاز التنفسي.

* طبيعة العمل في هذا المجال لها صعوبتها مثل صعوبة تأقلمك على الحياة في كندا بالضبط، فكيف تأقلمت على هذا العمل؟

** عندما بدأت هذا العمل كان لابد أن أقتل الإحساس عندي، فهذه الكائنات لابد أن نضحي بحياتها حتى نعيش نحن، كما أن دورة حياتهم بالأساس قصيرة (عامين في المتوسط)، ولكني اكتشفت أنني أيضًا أخلق السعادة، لأن هذا العمل في سبيل الإنسان والإنسانية، وقد يكون الدواء الذي سيخرج هو المُنقذ للإنسان، وهي تجربة جديدة في العمل والعلاقات والصداقات، أصبحت هي مصدر رزقي منذ ثلاث سنوات.

* والآن بعد سبع سنوات ماذا تمثل كندا لك، وهل كان قرارك صحيحا؟

** الآن كندا هي الوطن، هي الأمان، والاستقرار، كندا هي الحرية، لا يوجد تقييم اجتماعي للإنسان هنا، ألوان البشر تشبه الألوان الطبيعية، والتنوع الثقافي الرائع الذي أعيش فيه، أسمع لغات مختلفة، أدخل أي مكان أرغب فيه، أسمع قصصًا للشجر، ولكل شارع قصة وحكاية، الآن أعشق كندا، وأغضب من أي إنسان يقول كلمة سيئة عنها، فهي بلدي.

حكاية الجروب

*وما هي حكاية الجروب الذي أسستيه وأصبح أهم جروب للمهاجرين؟

**كنت أعاني من المعلومات المغلوطة التي تنشر على الإنترنت والسوشيال ميديا، وأوهام يبثها البعض للشباب، مثل أن كندا تعطيك شقة ومرتب أول ما تصل إلى المطار، وأشياء كثيرة جدًا في هذا الشأن، وحدث أن شاركت بفيديو لايف على جروب “سيدات أبو ظبي”، وهو جروب كبير به أكثر من 20 ألف سيدة، وقلت الحقيقة وكذّبت هذه المعلومات.

هذا الفيديو أحدث ردود فعل كبيرة جدًا، وانقسم الناس بين مؤيد لي ومعارض، ومنهم من اتهمني بالكذب، لأني قلت الحقيقة، ثم اقترحت عليّ صديقة عراقية اسمها “عطاء أم أصيل” أن أنشئ جروب خاص بي، وأنشر عليه المعلومات الصحيحة عن كل ما يتعلق بالهجرة ليستفيد الناس من خبرتي.

وبالفعل أنشأت الجروب في 2016 وسميته في البداية “To Be Or Not To Be” وكان للنساء فقط، ولكن لأن الاسم في البحث لا يدل على المضمون، غيرت اسمه إلى أهلا بكم في كندا Welcome to Canada وأضفت له اسمي “رؤى الكيال” لكي أميزه عن أي جروب آخر يتشابه في الاسم، وأيضا لحقي في الملكية الفكرية لإنشاء الجروب، وجعلته مفتوحا للرجال والنساء.

وخلال فترة قليلة وصل إلى 76 ألف شخص، وأقوم كل فترة بعمل بث مباشر عن معلومات تهم كل مهاجر أو قادم إلى كندا من خلال تجاربي الشخصية، ثم أنشأت موقعًا إلكترونيًا في 2017 بنفس الاسم، وقناة على اليوتيوب.

وأصبح الجروب هو ملجأ كل شخص يبحث عن معلومة أو لديه استفسار متعلق بالهجرة أو بالحياة داخل كندا، وما يميز الجروب كثرة التفاعل، لأن هناك كثيرون يتولون الرد على السائل بكل حب ويقدمون له خبراتهم، وبذلك تتحقق الفائدة.

وهو ما أجد فيه متعة كبيرة، وأسعى دائمًا للتعرف على تجارب وشخصيات جديدة، والانخراط في المجتمع بكل فئاته، كما بدأت كتابة قصص أنشرها على الموقع والجروب، بعنوان “قصص مونتريالية” نسبة إلى مدينة مونتريال التي أعيش فيها، وأحكي فيها عن تجارب عشتها وحدثت لي في كندا.

نصائح للمهاجرين

* وبماذا تنصحين أي قادم جديد إلى كندا؟

** أن يحيط نفسه بالإيجابيين، ويبعد عن المحبطين، أن يخرج نفسه من المحيط العربي تمامًا، وأن ينفتح على الآخرين ويتقبل العالم والاختلاف مهما كان، فلابد من تقبل الآخر مهما كان مختلفًا عنا، وعدم الانزواء، لابد أن يخرج العربي كل ما لديه من إيجابيات ومزايا ليطلع عليها الأجانب ويتعرفوا على مزايانا، دون التركيز على عيوبنا.

ولابد من حس الانتماء لكندا، لأنه وطن أعطانا ويقدم لنا الكثير، وأصبح وطننا الذي لابد أن ندافع عنه، وهذا ما أفعله مع ابني والذي قررت من أول لحظة أن أعلمه كيف يصطاد السمك وليس كيف يأكله، وهو ما أنصح به كل الآباء، وطبيعة المجتمع هنا تساعد على ذلك.

* في النهاية ما هي الروشتة التي تقدميها للناس من خلال الجروب؟

** أقول دائمًا الله خلقنا لنفرح ونسعد من حولنا، فأنا أخذت من السعادة والفرح خطًا للحياة، مع أني مررت بكثير من المشاكل بحياتي، فمثلما كنت أحلم وأخطط تعثرت وأخطأت، ولكني ضد مبدأ الندب والندم، فمن الأخطاء نتعلم ومن العثرات نكبر، وآخر همي الناس، وآخر همي المجتمع وماذا يقول وماذا يحكي، على مبدأ “لا يؤلم الجرح إلا من به ألم”.

ويكفي أن مع أول شهر لي بكندا بعد الاستقرار جاء لي خبر خطف والدي في سوريا، ووالدي كان لديه سيارة، واختفى هو والسيارة ولا نعرف ماذا حدث، ومررت بظروف نفسية سيئة جدًا، وجاءني إحساس بالشؤم من كندا، وظللت أبحث وسط 2500 صورة من المعتقلين لعلي أجد صورة أبي، ولكني لم أجده، ولا نعرف هل هو حي أم لا؟

تعليق

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين