برامجناقصص نجاح

” الفنان جهاد عبدو.. والحقوقية فاديا عفاش ” في الجزء الثاني من حوارهما مع الاعلامية ليلى الحسيني يوثقان لمرحلة دقيقة من تاريخ سوريا

تذكر صفحات التاريخ الكثير من الشخصيات البارزة التي أثرت بشكل كبير في حياة الناس و لازالوا ينتفعون بما قدموه من اختراعات ، مباديء ، علم ، أسس للحياة البشرية و فنون راقية أيضا. شخصية الفنان العالمي ،  والفنانة التشكيلية فاديا عفاش أغنت برنامجنا في الحلقة السابقة ، اليوم نتابع حوارنا الشيق في جزئه الثاني.

*** فلنتابع حديثنا من حيث انتهينا و خيار الهجرة إلي أحد البلدان الغربية قرار فرض نفسه علي المواطن السوري ، فأنتم من الفنانين السوريين الذين أجبروا علي خوض هذه التجربة. هل فقدان الأمل هو من وثق خروجكما من سوريا ؟

أنا كنت من الرافضين للخروج من بلدي لأسباب عديدة منها أن حياتي و مهنتي و نجاحي و البعد عن العائلة و المكان الذي عشت فيه و أرتاح فيه.  فكنت أشعر بالغربة إذا ذهبت إلى أي مدينة أخري داخل سوريا و كنت أشتاق للعودة إلى منزلي ، في عام 2010 أصبح الوضع سيئا ً في سوريا للفنانين حيث تعرض العديد من أصدقائنا للاعتقال دون أي إعتبار لسن او مكانة ، فكانوا يتعرضون في أوقات كثيرة للتعذيب ، أصابني الخوف عندما تم اعتقال أحد أصدقائي ، وقاموا بتكسير أصابعه و هو بسن السبعين. زوجتي في هذا الوقت كانت تدرس في الأمريكية و كانت تضغط عليّ كي أترك البلد و أسافر، وفي نفس الوقت كانوا يضغطون عليّ لأظهر علي شاشة التليفزيون أمدح الرئيس فكنت أتهرب لأني كنت بالطبع أخاف ان أرفض ، فالرفض كان مرفوضا ً في سوريا

*** دعني أوثق معك هذه الفترة الهامة في حياة السوريين و ليس فقط في حياة الفنان جهاد عبدو ، حيث تغيب هذه الصورة تماما عن كل العرب في الخارج و ربما في الداخل أيضا و هي أن السوري مضطهد في الداخل كما هو الحال بالنسبة للحرية الفكرية ، فالكثير من السوريين لم يحملوا سلاحا ليتم اعتقالهم فهذه نقطة حيوية بها خلط للأوراق و أنت شاهد علي الحدث؟

نحن في سوريا لم نكن نستطيع أن نعبر عن مكنونات فكرنا بحرية أو صراحة قبل الثورة كنا نعرف الفنانين من منهم لديه علاقات بالأمن و القصر، ومن يطلق عليه درويش أو مسكين لأنه لا يعرف من أين تؤكل الكتف. و أنا كنت من الفنانين الذين كان عليهم “عيون حمراء ” حيث كنت دائم البحث عن الحقيقة. أحد الحوادث التي أذكرها عندما ذهب والد أحد أصدقائي في السبعينات ، و كان صحفي من شمال سوريا ، إلى أحد المؤتمرات الصحفية التي حضرها الرئيس ، و كان وقتها حافظ الأسد ، حيث طلب من الصحفيين الحاضرين أن يتحدثوا معه بكل صدق. فما كان منه الا أن سأل الرئيس ” لماذا القرارات الكبيرة في هذا البلد تؤخذ من شخص واحد؟ ” فكانت الاجابة علي سؤاله هو أن قضي 14 سنة بالاعتقال. بعد ان خرج من السجن ذهبت لزيارته لأني كنت أريد أن أعرف الحقيقة. كنت عندما أدخل البيوت لأصور فيها كنت ألمس مستوي الفقر و الحرمان و أيضا الخوف والرعب الذي كان يمكن أن يشكله شرطي صغير أو عنصر أمن بمؤسسة الأمن السياسي علي قرية بأكملها. فكانوا يطلبون مني أن أتحدث الي المسؤولين لكي لا يقطعوا الكهرباء عنهم او يقوموا بتوصيل الماء اليهم ، طلباتهم جميعها كانت أقل من الحقوق الانسانية ، يسألني الناس لماذا تركت وطنك و أنت فنان مشهور و بالطبع تعيش حياة سعيدة ، فكنت أرد عليهم ” أنا كنت مبسوط و مرتاح فقط في نظركم كيف أشعر بالسعادة و غيري يعاني” .

 *** موضوع الحرية مفهوم غير واضح المعالم بالنسبة للعديد من العرب ، فطالما أنت تعيش في بلد توفر لك رغيف الخبز فما الداعي للقيام بثورات لا أساس لها !! كيف تري الفنانة و الحقوقية فاديا عفاش الوضع في سوريا

أنا كنت واحدة من السوريين الذي كان حلمهم أن يتركوا الوطن و يعيشوا في بلد آخر لأن حقوقي كانت مسلوبة كمواطنة. فلقد تربينا كما هو الحال في أغلب البلدان العربية علي “ثقافة الديكتاتور” الذي يربي الشعب كاملا ، إنه لا يعرف حقوقه حتي يقبل بفتات الخبز التي يلقيها له و يقول ” الحمد لله” . أما أنا فكان لدي دائما التساؤل عن سبب سحق رؤسائنا لشعوبهم و لماذا تتمتع شعوب أخري بالديموقراطية بل لديهم القدرة علي محاسبة المسؤولين. كانت لدي الرغبة القوية لأطور من نفسي و أن أدرس بالخارج . درست بالمعهد الوطني للادارة العامة و من أجمل الدروس التي درستها هي ” الوظيفة العامة” و هي المفروض أن تكون ” وظيفة مقدسة” و هي أن كل إنسان موظف بالدولة هو خادم للمجتمع ، عندما تولي بشار الاسد السلطة تجدد لدي الأمل في التغيير. و لكن للأسف لم يكن هناك تغيير جذري في سوريا ، سافرت لأدرس في في وقت حساس و هو بعد بداية ثورة الأطفال و هو الأمر الذي كان حلما ً بالنسبة لي ، ففي ثقافتنا هناك دائما حدود للتغيير . و كنت أعرف من خلال نقاشاتي مع أساتذتي الأجندة الروسية و الايرانية وأيضا التوازنات الدولية ، لذلك عندما سافرت كنت أخشي أن أعود الي بلدي لأني كنت أعرف جيدا أنني لن أتمكن من تغيير الوضع هناك.

***كيف لقلم صحفية في النيويورك تايمز أن يقلب حياة جهاد عبدو رأسا علي عقب ؟

هي لم تقلب حياتي فقط و لكنها كسرت جدار الخوف بداخلي. فأنا عشت عهد نظامين ديكتاتورين ، الأسد في بلدي و الديكتاتور الروماني نيكولاي …. عندما ذهبت إلى رومانيا لأدرس لمدة ست سنوات، فاختبرت خوف المواطن السوري والمواطن الروماني وعرفت ماذا تفعل الأنظمة الدكتاتورية بشعوبها. و في ذات يوم جاءني ايميل من صحفية تعمل بصحيفة لوس انجلوس تايمز أنها تريد ان تعمل معي مقابلة عن هامش الحرية في الدراما السورية ، و كانت الصحافة الغربية ممنوعة من التغطية في سوريا فالتقينا في و تحدثنا عن هذا الأمر،  وكيف أن الدراما لا تعكس بأي شكل واقع الحرية الفكرية  حيث يسمح أمام شاشة التليفزيون أن تقول ما تشاء و لكن في الواقع هناك تقييد كبير للحرية. عندما سألتني عن الوضع في سوريا ، لم أتحدث إلا بعد ان أغلقت المسجل فقلت إن الجيش و المخابرات و القصر الجمهوري و رئيس الجمهورية هم المخططين لكل أعمال العنف ضد المتظاهرين و عائلاتهم. كما أخبرتها بأسماء اصدقائنا المعتقلين غير السنة سواء كانوا علويين ، الاسماعيليين، و المسيحيين و الدروز ، وهذا كان الشيء الذي كان يتستر عليه النظام بهذه الفترة انه لا يوجد معارضة الا من المسلمين السنة و هذا شيء كان يؤلمني جدا لأن فيه طمس للحقيقة. فمهمة الفنان هي الرقي بالمجتمع و ليس طمس الحقيقة و نشر الزيف أو مجموعة حقائق بديلة. في نهاية اللقاء وعدتني ألا تنشر تلك الحقيقة علي لساني و لكن ما حدث أن كل الحوار الذي دار بيني و بينها تم نشره في اليوم التالي مصحوبا باسمي كاملا فأصابني الذعر حيث تخيلت حالي معتقلا ً و يتم تعذيبي. هذه الحالة أيضا عاشتها زوجتي فاديا عندما كانت في أميركا تدرس و قرأت المقابلة علي الانترنت. وقتها بدأت اتلقي مكالمات تليفونية أنني ينبغي ان اظهر في القنوات التليفزيونية لاعتذر الي الشعب السوري و أمجد الرئيس. لكن أنا اعتبر ان هذه المقابلة هي التي كسرت حاجز الخوف ، فمن تم اعتقالهم في السجون و تعذبوا ليسوا أحسن مني فأنا ابدا لن أكذب كذبة و يموت الناس بسببها.

**** لماذا تعتقد أننا ننظر إلى الحاكم و كأنه إله؟

عندما أتيت إلى أميركا سألني زميلي في العمل عن السبب الذي نريد أن نغير الرئيس السوري من أجله ، فهو يراه انسانا ً لطيفا ً فكان ردي عليه ” اذا أنت بتقبل أن يحكمك باراك أوباما أو أي رئيس أميركي لمدة 50 سنة و بعدها يورث الحكم للأبناء ثم الأحفاد وقتها فقط نستطيع أن نتناقش في هذه النقطة” .

*** لماذا دائما أ. فاديا تدعم الشعوب العربية حكامها و ترسم حولهم هالة من الألوهية ؟

انحياز الناس لبعض الأفكار ليس وليد يوم و ليلة و انما هو برمجة دماغية للشعوب تبدأ من التعليم إلى الإعلام المأجور و ما إلى ذلك ، فالناس التي لا تعرف المباديء الأولية للتفكير و المنطق ولاتعرف استخدام هذه المباديء لحل المسائل الانسانية أو الاقتصادية او السياسية، تكون النتيجة هي أن تنحاز هذه الشعوب إلى أشياء غير منطقية ولا يوجد لديه سوي هذه التبريرات التي “يسقيها له النظام بالملعقة” .و دائما ما ترتبط هذه التبريرات بالخوف عند البشر و بالتالي يقتنعوا أنهم يسلكون طريق ” الخلاص” . مهمتنا الأساسية هي أن نوعي الناس بألا يتخلوا عن ميزان العدالة و الانسانية.

*** أين هو التعاطف العربي مما يجري في بسوريا ؟

دائما في العلوم السياسية و الاجتماعية هناك تكتيك معروف لتفكيك أي حركة مدنية تواجه نظام حكم في العالم يكون من خلال تشويهها أولا ، ممارسة العنف ضدهم و تسهيل مرور السلاح، و زراعة الجواسيس بين أعضائها ينادوا بالعنف و التسليح ، وهذا الشيء تجهله المعارضة السورية و بالتالي تم استخدامه لقتل الثورة السورية.

( للاستماع الى اللقاء كاملا )

 

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين