قصص نجاحمنوعات

إنسانية بلا حدود.. طبيب عراقي يجري عمليات جراحية مقابل خبز وحلوى

علي البلهاسي

للإنسانية قصص ومعاني بلا حدود، أبطالها أناس أكرمهم الله بأن سخّرهم لخدمة غيرهم والتخفيف عنهم بلا مقابل، لا ينتظرون لذلك جزاءً إلا من الله عز وجل.

بطل قصتنا هذه المرة هو عراقي شاب من أهالي ، يدعى الدكتور غيث آل شبع، اشتهر بعلاقة خاصة مع مرضاه، علاقة أساسها المحبة والرحمة، فرحمته بمرضاه وإحساسه بأوجاعهم وبظروفهم المادية تركت له ميراثًا كبيرًا من الحب في قلوبهم.

فكم من مريض جاءه وهو فاقد للأمل في إيجاد حل طبي لمشكلته ووجد الحل عنده، وكم منهم من جاء ومعه نصف تكاليف العملية أو جزء منها فلم يردّه دون أن يُجري له الجراحة التي يحتاجها، وكم من مرة تنازل عن أجره لمرضاه في المستشفى التي يعمل بها.

حالة إنسانية

أحد أكثر الحالات التي واجهها د. غيث كانت مع سيدة من أهالي جاءته وهي تصطحب معها بنتيها، أحدهن عمرها 20 عامًا، والأخرى 22 عامًا.

تشتكي الأم للطبيب من حالة الفتاتين ومشكلتهن مع ضعف البصر الذي أصبحت لا تجدي معه النظارات الطبية نفعًا، فضلاً عن أن النظارات تشوه شكلهن، وتسببت مع ضعف نظرهن في بقائهن بدون زواج حتى الآن.

إلى الآن والمشكلة طبية ولها حل، فقد أخبر الطبيب الأم أن الحل سيكون من خلال إجراء عمليتين ليزك لبنتيها.

لكن كانت هناك مشكلة أخرى أكبر، فالسيدة لا تملك تكاليف العمليتين، ولا حتى جزء منه، وكل ما تملكه كيس كانت تحمله في يدها منذ أن دخلت على الطبيب.

مدت السيدة يدها داخل الكيس، وهى تنظر إلى الطبيب باستعطاف، توقّع الطبيب أن تخرج منه المال لدفع تكاليف العمليتين، أو ربما بعضه فيقبله منها ويسامحها في الجزء الباقي كعادته.

لكن كانت المفاجأة أن يد السيدة خرجت من الكيس وهي تحمل 10 أرغفة من الخبز، وبعض قطع الحلوى التي صنعتها بيدها مع الخبز في منزلها.

تبسم الطبيب عندما أخبرته السيدة أنها لا تملك من حطام الدنيا شيء تقدمه له إلا هذا الخبز وهذه الحلوى.

نهض الدكتور غيث من مكانه وقَبّل رأس السيدة، وتناول من يدها الخبز والحلوي، والسعادة تملا قلبه بان دفع الله بهذه السيدة في طريقه لتكون سببًا في منحه الفرصة لفعل الخير، ووافق على إجراء العمليتين مقابل الخبز والحلوى.

حوار إنساني

ويروي الطبيب غيث آل شبع تفاصيل الحكاية على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك قائلًا إن سيدة من أهالي السماوة جاءته مع بناتها، وهي تحمل كيسًا من الخبز وقالت له:

“دكتور عفت أبوهن بالبيت متصوب بالمعركة مال داعش ومقعد بالبيت، وقسما بالله أي راتب ماعدنه، يعني إني اخبز للناس وعايشين على كد حالنه، بناتي نظرهن كلش ضعيف، ونظاراتهن مشوهات شكلهن، وحده عمرها 20 سنة والثانية 22 سنة.. ما متزوجات ، واني أم …”

يعلّق الطبيب الإنسان على المشهد قائلًا: “لا أنسى عندما دخلت عليّ هذه السيدة إلى غرفة الانتظار بمستشفى الأمير الأهلي في النجف، وكانت تحمل معها كيسًا متوسط الحجم، بينما كانت تروي لي معاناتها مع الحياة ومشاكلها، كانت كالضائع في متاهات هذه الحياة، ولا تعرف سبيلًا للخروج منها”.

وأضاف: “كانت كمن يتوسل إلي بنظراتها وهي تقول: “أرجوك يا دكتور غيث لا ترفض طلبي ومد يد العون لبناتي”.

ويتابع: “الدموع في العين تروي قصتها، وبداخلها مليون جرح وجرح، حياتها مثل قصص الألم والعذاب، وبينما تتحدث، أخرجت من الكيس أفضل ما تجيد فعله وهو (الخبز، وبعض الحلوى منزلية الصنع)، وقالت: دكتور هذا كعدنه من الصبح اني وبناتي، اني خبزتلك، وبناتي سون الحلاوة، واجيناك من السماوة ..”

وافق الدكتور غيث على إجراء العملية، وأخذ الخبز والحلوى لأطفاله، وقال إن العملية تمت لكلا الفتاتين بنجاح عالي بحمد الله، وتوجهت الفتاتان له بالشكر قائلتين: “دكتور العمر كله مننساك، انت ويانه دائمًا”.

لكن الحقيقة أن سعادة الطبيب بنجاح العمليتين كانت أكبر من سعادة الفتاتين وأمهما، وقد علّق على ذلك بقوله: “والله إني جدًا فرحان لأنه إحساسي إني استطعت أقدم شيء، وأن أغير شيء”.

وتابع: “إخوان إني أذكر هذه القصص لا لشيء، والله أعلم منكم بما يدور في نفسي، أنا أرويها فقط لأنه أعتقد أنها مؤثرة، فيها نوع من التي نستطيع أن نمنحه جميعًا لغيرنا، وكل حسب موقعه، وهذا الذي نقوم به للعوائل المتعففة والفقيرة، وهذه أمانة، فلا تزاحموا الفقراء أرجوكم.

الطبيب المنشد

جدير بالذكر أن الدكتور غيث مشهور بين مرضاه والعاملين معه بأنه يردد الأذكار والأدعية والقرآن بصوته الجميل أثناء إجرائه العمليات الجراحية الصعبة في عيون مرضاه.

يقول الدكتور غيث تعليقًا على مقطع فيديو له وهو يردد الأذكار والأدعية: “من داخل صالة العمليات (بذكر الله يطمئن قلبي)، غالباً ما أقرأ بعض الأدعية أو آيات من القرآن قبل البدء بالعملية وخلالها، إنها تبعد الخوف عن مرضاي، وتشعرني بالقوة والطمأنينة، وبهدوء واستقرار نفسي، وثبات وتركيز أكبر حين العمل”.

وأضاف: “ربما تكون طريقة جديدة يومًا لتهدئة بعض المرضى أثناء العمليات الجراحية الدقيقة في العين، خاصة تلك التي تتطلب أن يكون فيها المريض مستيقظًا، حيث أن الذعر والخوف والبدء في التحرك قد يشكلان خطرًا كبيرًا على سلامة العين”.

وتابع “لاحظت أنه عندما أبدأ بقراءة بعض الأدعية أو بعض الآيات من القرآن، أن هذا يشكل فرقًا كبيرًا عند المرضى في إزالة القلق والخوف، يتبعه شعور بالهدوء والاسترخاء الكبيرين وهذا ما يساعدني كثيرًا في عملي”.

تحية حب وتقدير للدكتور ، ولكل إنسان جعله الله في عون أخيه الإنسان، فغلبت رحمته على نفسه، وانتصر لإنسانيته قبل أن ينتصر لمصالحه الشخصية.

افعلوا الخير تجدوه، فهذا هو النجاح الحقيقي، فليس كل ما يجنيه المرء مال، ومحبة الناس ورضاء الخالق كنز لا تعادله كنوز الدنيا كلها.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: