قصص نجاح

إعلاميات عربيات- فاطمة الجمالي.. موهبة من نوع خاص ونجاح بطعم التحدي

فاطمة: أمي أيقونتي ومثلي الأعلى وصاحبة الفضل في كل ما وصلت إليه

حصري- راديو صوت العرب من أمريكا

أجرى اللقاء: -

أعده للنشر: هارون محمد – مروة مقبول

 

تعرضت لموقف فاصل في طفولتي وحلم السفر راودني منذ البداية

ظروف نشأتي الصعبة ساهمت في تكوين شخصيتي القوية

بدايتي الصحفية في كانت صعبة ودبي فتحت أبواب الانطلاقة الحقيقية

كنت أسعى دائمًا إلى الشهرة وارتبطت بالميكروفون منذ طفولتي

تجربتي مع السرطان صعبة لكنني قاومته لأني “أستحق الحياة”  

إعلامية عربية متميزة ومتعددة المواهب، فهي صحفية ومُعدّة ومقدمة برامج وسيناريست أفلام وثائقية. قيل عنها أنها جريئة في عملها، لكنها معروفة بهدوئها وعفويتها وصدق مشاعرها، وخلف عفويتها وهدوءها توجد شخصية رائعة تتميز بعملها الدءوب وتهتم بالقضايا الاجتماعية وقضايا المرأة العربية.

إنها الإعلامية التونسية ، ضيفة الحلقة الأولى من برنامج “إعلاميات عربيات”، الذي تقدمه ، في الفترة الإذاعية “سوا على الهوا” على أثير راديو صوت العرب من أمريكا.

تخرجت فاطمة في معهد الصحافة وعلوم الأخبار في مدينة “منوبة” بتونس لتبدأ مسيرتها المهنية في عالم الصحافة والسلطة الرابعة التي كُلِلَت فيما بعد بالنجاح، ثم اختارت الاغتراب لضمان مستقبل أفضل، فتركت مسقط رأسها في تونس وسافرت إلى الخليج بحثًا عن فرصة أفضل، ووجدت الفرصة في التي فتحت لها أبواب الانطلاقة الحقيقية.

فاطمة تحدثت خلال اللقاء عن ذكريات الطفولة وأحلام الصبا. كما تحدثت عن تجربتها الثرية التي بدأت من ربوع تونس الخضراء ومرورًا بدبي، وانطباعاتها الأولى عن زيارتها إلى وكندا. وتطرقت إلى اهتمامها بقضايا المجتمع والمرأة، حيث سلطت الحلقة الضوء على الحركة النسائية في الإعلام، وكيف يتجه الإعلام العربي بشكل عام، والإعلام النسائي بشكل خاص. وإلى تفاصيل اللقاء…

ذكريات الطفولة

* أهلاً بكِ فاطمة في هذه الحلقة التي ستكون رائعة معكِ إن شاء الله، ودعينا نترف أولاً على ظروف نشأتك في تونس؟

** ولدت في منطقة “حمام الأنف” وهي منطقة صغيرة تقع في جنوبي شرقي العاصمة تونس بين جبل بو قرنين والبحر الأبيض المتوسط. وهي منطقة جميلة جدًا وأهلها طيبون شأنهم شأن أهل تونس جميعًا. و”حمام الأنف” ليست منطقة سياحية، ولكنها تتميز بخصائص رائعة أهمها جمال البحر في فصل الصيف، وجمال الجبل في فصل الشتاء. وهذا الجبل يوجد به عيون مياه طبيعية فيها مركز استشفاء بالمياه الكبريتية، وهو موجود منذ أيام الملك “حسين باي” الذي كان يملك قصرًا في منطقتنا ليقضي فيه فترة الشتاء لأن الطقس عندنا يكون دافئًا وأفضل منه في بقية الولايات التونسية.

* عندما تعودين للوراء قليلاً، ما الذي تتذكرينه عن مرحلة الطفولة والشباب والتعليم؟

** كنت مرتبطة بالميكروفون منذ طفولتي، ولم تكن ميولي وقتها أن أكون إعلامية، ولكنّي كنت أحب الغناء، كما درست الموسيقى لمدة 6 سنوات، وحصلت على دبلوم الموسيقى العربية. ورغم أن صوتي جميل وأغني بطريقة صحيحة، إلا أنني لم أشعر أن هذا هو المجال الذي أرغب في الاستمرار فيه.

وكنت أمسك أي شيء بيدي كالميكروفون وأتحدث فيه، وأقوم بالإلقاء وقراءة فقرات من الكتب والجرائد بصوت جهوري، حتى أن المعلمين بالمدرسة كانوا يجعلونني أقرأ النصوص دائمًا. كما كنت أتقمص أصوات الشخصيات وأقوم بتغيير نبرة صوتي وفقا للشخصية التي أتقمصها سواء كانت في حوار أو قصة أو نص في كتب الأطفال. فقد كنت أسعى دائمًا إلى الشهرة، وكان هذا يثير ضحك أصدقائي.

طموح الأبناء ورغبة الآباء

* في أي مرحلة عمرية بدأ لديك الطموح والتحدي؟

** بدأ الطموح لدي في عمر 12 أو 13 سنة تقريبًا، أي في المرحلة الإعدادية، ووقتها سمعت العديد من الآراء من أصدقائي الذين كان بعضهم يرون أنني سأصبح مطربة، والبعض الآخر يرى أنني سأصبح فنانة، لكنني استمعت إلى رأي صديقتي التي قالت لي إن العمل بالتليفزيون سيعطيني الشهرة التي أسعى إليها، فقد أدركت حينها أن مجال الإعلام هو المجال الذي أريده، لكنني اخترت أن أكون صحفية.

وظللت أضع هذا الهدف نصب عيني طوال دراستي في مرحلة الثانوية العامة التي اخترت فيها القسم الأدبي، وهو ما أثار دهشة صديقة لي حيث سألتني: “لماذا تختارين القسم الأدبي رغم أن من يلتحقون به يفشلون”، فقلت لها: “أنا أعرف ماذا أريد، وقد اخترت الطريق الذي سأسلكه”.

* تعرفين فاطمة أن معظمنا للأسف يتطلع إلى أن يصبح أبناؤه أطباء ومهندسين فقط، وأعترف أنني واحدة منهم، وأذكر أن ابنتي “أريج” كانت لديها رغبة في دراسة مجال الأدب، وكانت موهوبة في الإلقاء، ولكن بسبب متاعب المهنة التي أعاني منها عارضتُ ذلك لكي أوفر لها مستقبلاً أفضل. وهذا التدخل من قبل الأهل والمجتمع في حياة الأبناء يمثل مشكلة كبيرة، فنحن كآباء ننظر لمصلحة أبناءنا من خلال تجاربنا وليس من خلال تجاربهم هم، فكيف كان الأمر بالنسبة لكِ؟

** الحمد لله لم يكن لأمي أي اعتراض، ولم تكن تفرض عليّ تخصص الطب أو الهندسة أو غيرها. وعندما كنت أحاورها وأنا صغيرة وأقول لها: “أريد أن ألتحق بعمل يجعلني أسافر” كانت أمي تضحك وتقول لي: “عندما تجتهدين في دراستك وتحصلين على درجات جيدة ستتحققين كل ما تريدينه”.

أمي أيقونتي

* واضح أن والدتك كانت تدعم طموحك فاطمة، وأنا أتابعك وأتابع علاقتك وارتباطك الكبير بوالدتك، وقد قلتي في إحدى لقاءاتك الصحفية “أمي أيقونتي”، فلماذا تعتبرين أن أمك هي أيقونتك في كل مراحل حياتك؟

** والدي توفى وعمري 5 سنوات، وكنت لم ألتحق بالمدرسة بعد، وكان الوضع صعبًا، فأمي ربت 8 أطفال وهي بعيدة عن أهلها، لأن أمي أصلها من الساحل، وبعد زواجها انتقلت إلى العاصمة، وكان الأمر صعبًا جدًا على سيدة بعيدة عن أهلها، وبعيدة عن أي نوع من الدعم سواء نفسي أو مادي.

وقتها كان أخي الكبير عمره 20 عامًا، وكان يعمل لكي نتعلم نحن ونكبر ونعيش، أما منزلنا فقد كان يتكون من طابقين، وكنا نعيش في الطابق الأول بينما الطابق الثاني لا يزال في طور الإنشاء، وعندما توفى والدي لم يكن لدينا أي دخل مادي، فاضطررنا للعيش في الطابق العلوي (الثاني) وقامت بتأجير الطابق الأول، لكي نستطيع العيش، وأتذكر أن نوافذ منزلنا كانت لفترة طويلة جدًا تُغلق بالكرتون ليحمينا برد الشتاء. لقد كانت بالفعل فترة صعبة على امرأة تُربي 8 أطفال بدون أي دخل مادي، ولذلك فأنا أعتبر أمي هي أيقونتي بالفعل، فقد كانت رغم كل هذه الظروف تدعمنا، ولا تبخل علينا بأي شيء، فلم نكن نطلب شيئًا إلا ونحصل عليه، فقد كانت تضغط على نفسها لتجعل أولادها في أحسن حال.

* هذه هي الأم العربية الأصيلة، التي تتعرض للكثير من الظروف القاسية وتتحمل من أجل أطفالها وعائلتها.. فوالدتك كانت هي الداعم الرئيسي في حياتك، وربما رأيتِ فيها نموذج الأم التي يمكن أن تكون مثلاً أعلى لكِ، فهل هذا صحيح؟

** صحيح، فبالنسبة لي أمي هي المثل الأعلى، لأنني فتحت عيناي على الدنيا لأجدها تتولى كل شيء بنفسها وتوفر لنا كل شيء، ورغم أن أمي غير متعلمة إلا أنها كانت تشجعنا دائما على القراءة، وكانت تشتري لي الكتب والقصص لأقرأها وأخبرها بما فيها، لذلك كانت هي فهي جمهوري الأول الذي يسمع لي، فكنت أقرأ لها الكتب الصغيرة التي كانت تُسمى قديمًا مجموعة المكتبة الخضراء، والتي كانت تتضمن قصص سندريلا وباقي القصص، وعندما بدأت أكبر وتطورت قراءتي، كنت أشرح لها ملخص القصة، وإذا قرأت قصة بالفرنسية أحكي لها مضمونها بالعربي.

يوم فاصل

*ما هي أهم المواقف التي أثرت عليك في مرحلة الطفولة ولا زلتِ تتذكرينها؟

** هناك يوم فاصل في طفولتي لا أنساه، فعندما كنت صغيرة كنت أحب اللعب مع الأطفال في الشارع، وفي هذا الوقت كان أبي قد توفي منذ وقت قريب، ففوجئت بإحدى الأطفال تقول لي “لا تلعبي معنا.. أنتِ أبوكِ ميت”، كنت وقتها صغيرة ولا أدرك معنى كلمة “ميت”، وكنت أظن أنها تنعتني بشيء سيء، كأن تقول لي مثلاً أن أبي في السجن، وما إن سمعت هذه العبارة منها حتى أحسست بالخوف وبكيت، وعدت مسرعة للمنزل ولم أخبر أي أحد بالموضوع، وبعد هذا الموقف امتنعت عن اللعب بالشارع.

وأعتقد أن هذا اليوم كان فاصلاً ويمثل نقلة في حياتي بالفعل، لأنني قمت بتعويض اللعب في الشارع بالقراءة، ومن ذاك اليوم بدأت أقرأ رغم صغر سني وعدم التحاقي بالمدرسة، فقد كان أخوتي يعلمونني القراءة، وكنت أقرأ كتبهم بالإضافة إلى كتب أخرى.

فقد قرأت وأنا في مرحلة التعليم الابتدائي لإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وطه حسين وأسماء أخرى كبيرة. وسافرت بخيالي إلى ، ورأيتها في عقلي، وكنت قادرة على أن أغمض عيناي وأرى تفاصيل خان الخليلي وأسمع أصوات النقش على النحاس، وأشم رائحة البهارات. وفي كل كتاب أقرأه كنت أسافر إلى مكان جديد، فقد كان حلم السفر يراودني دائمًا.

* إذن فقد نشأ الطموح والتحدي معكِ منذ البداية؟

** أي شخص قد يمتلك غريزة الطموح والتحدي قوة الشخصية، لكنها لا تظهر إلا عندما تغلق الأبواب أمامه ولا يكون لديه أي مخرج، وأعتقد أنه في ذاك اليوم الذي قالت لي البنت فيه “لا تلعبي معنا أنتِ أبوك ميت” كانت هذه النقطة الفاصلة التي أظهرت جانب القوة لديّ، ودفعتني لأن أرفض أن أكون الإنسانة الضعيفة التي يأكلوا حقها.

وعندما كنت أقول لأصدقائي أنني أريد أن أكون مشهورة لم يكن الأمر لمجرد طلب الشهرة ولكن كنت أتمنى دائمًا أن يعرف الناس أن أمي نجحت في تربيتنا وجعلتنا ناجحين، وكانت الطريقة الوحيدة لكي أصل بهذه الرسالة لأكبر عدد من الناس هي أن أكون مشهورة. ولا شك أن كل شخص لديه جانب إبداعي، وأنا منذ طفولتي كنت أكتب القصص وأشياء أخرى كالشعر، وكنت أحب الغناء لكني وحدت أنني متميزة في الكتابة أكثر من الغناء أو أي موهبة أخرى.

وكنت أدعم قوة شخصيتي باستمرار، فقد كنت دائما أحس أنني يجب أن أعتمد على نفسي، ورغم أنني كنت أصغر إخوتي والطفلة المدللة بالبيت إلا أنني كنت أشعر بالمسؤولية، فكنت أرغب في الحصول على أشياء ثم أتراجع عنها أو أبحث عن بديل لها أقل تكلفة حتى لا أرهق والدتي بطلباتي.

وأشعر أن الظروف التي مررت بها في طفولتي ساهمت في تكوين شخصيتي القوية، وجعلتني لا أتأثر بالكثير من الأحداث والمواقف التي تعرضت لها، حتى لو تعمد أحد أن يجرحني بكلمة أو تصرف ما أو يحاول أن يقلل من قيمتي أجدني أرد عليه بهدوء وبرود لدرجة أنه يندم على أنه حاول أن يفعل ذلك معي.

البداية في تونس

* بالنسبة لتجربتك المهنية نعلم أن البداية كانت في تونس، لكن تجربتك هناك كانت قصيرة نوعًا ما.. حدثينا عنها؟

** كانت تجربتي في تونس قصيرة بالفعل، واستمرت حوالي سنة تقريبًا بعد تخرجي، فقد كانت لديّ تجربة في إذاعة “موزييك إف إم” يمكن القول إنها كانت بمثابة فترة تدريب ولم تكن فرصة عمل حقيقية، وبعدها عملت في قناة “نسمة” كمحررة لبرنامج “ستار أكاديمي” في نسخته بالمغرب العربي.

وعملت أيضًا فترة قصيرة في جريدة “البيان” التونسية، لكني لم أكن أتقاضى أجرًا عن عملي رغم صعوبته، حيث كان جزء من عملي كمتدربة أن أقوم بإجراء تحقيقات تتطلب التنقل بين أماكن ومصادر كثيرة في فصل الصيف، بينما كان الصحفيون الأكثر مني خبرة ينجزون عملهم وهم في الغرف المكيفة. ورغم قصر جميع هذه التجارب إلا أنها فتحت لي باب التدريب، وأعطتني خبرة في مجال العمل.

* أنتِ خريجة إعلام وصحافة، وهذا انعكس بالتأكيد على حرصك على أن يكون هناك شفافية ومصداقية في المعلومة التي تقدمينها من خلال عملك.. أليس كذلك؟

** صحيح، فهذا ما تعلمته في دراستي، وحرصت على ألا أقدم عكس ذلك بعد تخرجي، وعلى ذكر المصداقية أذكر أنه كانت لي تجربة مع صحفي كان يأخذ الموضوعات التي أكتبها وينشرها باسمه، وعندما سألته عن السبب، قال لي إنني ما زلت صحفية صغيرة، وأنني مع الوقت سأتعلم كيف يسير العمل. وبالنسبة لي لم أكن أريد أن أتعلم مثل هذه الأساليب، وكانت لدي قناعة بأنه إذا لم أستطع أن أنجح في عملي سأستقيل على الفور.

واقع مؤلم

* تخرجني فاطمة عام 2006، وعملتي لمدة سنة في تونس، ثم جاءت الفرصة وانتقلتِ إلى دبي التي فتحت لكِ باب الاغتراب الذي حلمتي به طويلا، حدثينا عن هذه المرحلة؟

** أنا لم أحلم بالاغتراب، كنت فقط أحلم بالسفر، ولم يكن الاغتراب يدور في ذهني، فالموطن بالنسبة لي كان دائما هو تونس، وحلمت أن أكون كالطائر الذي يطير ويلف مرارًا ليعود إلى موطنه في الربيع، فلا أحد يحب أن يترك بلده وأهله، ودائما أقول إن أمي وأهلي هم الوطن بالنسبة لي، ولا شيء يربطني بأي بلد غير أهلي.

ولكن ما حدث أنني اضطررت للاغتراب، وسبب اضطراري هو أن الأبواب كلها كانت مغلقة أمامي، فكل الفرص التي كانت أمامي عبارة عن تدريب وليس تعيين، وكان من الصعب أن أبدأ بداية صحيحة والجميع يطلب تعيين من لديه خبرة فقط، فكيف لي أن أحصل على الخبرة وأنا لم أحصل على فرصة عمل بعد. وبالفعل وجدت الفرصة في الإمارات التي فتحت لي الأبواب، وكانت انطلاقة حقيقية بالنسبة لي.

* فيما يتعلق بالخبرة والتدريب، هناك نقطة هامة أود أن أتوقف معكِ عندها، فأثناء تدريبي لمجموعة من الشباب العربي من مختلف الأقطار، اكتشفت حقيقة مؤلمة، فقد علمت منهم أن بعض الشباب قد يبقى متدربًا لمدة خمس سنوات بدون أجر قبل أن يحصل على فرصة عمل حقيقية. ومن المؤلم جدًا أن يتم استغلال الشباب بهذه الطريقة من أجل منحهم الفرصة. فكيف ترين هذا الأمر من خلال تجربتك؟

** من البداية لم يكن لدي مشكلة من ناحية عدم تقاضي أجر، فقد كنت أعلم أنني حديثة التخرج، لكن كنت أظن أن التدريب وعدم الحصول على الأجر ربما يستمر عدة أشهر وليس سنوات، ولو أخبروني من البداية أن العمل سيستمر سنوات بدون أجر لكان من المستحيل أن أبقى معهم.

وأعرف بالفعل حالات كثيرة لأشخاص تم استغلالهم في العمل بدون أجر أو بأجر ضعيف على أمل أن يحققوا طموحهم ويتم تثبيتهم كصحفيين رسميين، وعندما يطالبون بحقوقهم في التعيين أو زيادة الأجر يتم إخبارهم بأن هناك خريجين جدد لديهم استعداد تام أن يحلوا محلهم ويقبلوا بهذا الوضع. وهناك من يرضى بهذا الوضع بسبب حاجته للحصول على أي مصدر للدخل.

فرصة دبي

* وماذا عن تجربتك في العمل الإعلامي بدبي؟

** بدأت العمل هناك كصحفية في عدة مجلات مثل “إنفينيتي” و”سيدتي”، وكانت تجربة جميلة بالنسبة لي. ثم عملت في مؤسسة “أبو ظبي للإعلام”، وحاليًا أعمل في وكالة “الصايغ ميديا” بوظيفة “كوبي رايتر” على السوشال ميديا، كما عملت كمحررة اقتصادية في “تومسون رويترز”. وكان أكثر شيء أكتب عنه هو المجتمع والثقافة، وبعدها بدأ مشواري الإذاعي.

* بدأتِ مشوارًا ناجحًا في الراديو، ونشرف بأنك أحد فريق راديو صوت العرب من ، فأنتي أحد الأصوات المميزة، ولكي تجارب متميزة في الإعداد والتقديم في عدة برامج مثل “إبداعات نسائية”، و”مراسلون” و”الاقتصاد اليوم”، وأنتي رئيسة فرع الراديو في الإمارات.

ونحن نعرف أن عشقكِ للإذاعة وللكتابة، ولكن هواكِ الأول للتليفزيون، فهل تشعرين أنكِ حققت ما تطمحين إليه في مجال الصحافة والإعلام؟

** بصراحة لا، لأن مشواري مع التليفزيون تأخر، ولا أستطيع أن أقول أن طموحاتي تحققت، لأن ذلك يعني نهاية المشوار، فمن الضروري أن يتجدد الطموح لدينا ويكبر معنا حتى نواصل مشوار النجاح، وبالتالي يتسع فكرنا وتتسع دائرة معارفنا.

سيناريست

* قلتِ أنكِ تكتبين سيناريو لأفلام وثائقية فاطمة، فهل هذا صحيح؟

** كنت على وشك العمل بالتليفزيون، لكن أتيحت لي فرصة لكتابة السيناريو، وعندما خضت التجربة وجدتها جميلة جدًا، وأحببتها وتفرغت لها، وأصبح لي ثلاثة أفلام ناجحة حاليًا، وبهذه المناسبة أود أن أشكر الدكتور صائب غازي مخرج الفيلم الوثائقي “الأرخبيل”، وفيلم “قرارات حمقاء”.

* تابعت أفلامك، واستوقفني فيلم “قرارات حمقاء”، حدثينا عنه؟

** فيلم “قرارات حمقاء”، يتناول القرارات الحمقاء التي يمكن أن يأخذها أي شخص في السلطة وتتسبب في جرائم وكوارث تزهق أرواح الملايين من الأبرياء. والفيلم تاريخي يرصد مجموعة كبيرة من الحروب التي حدثت في العالم من قديم الزمان حتى وقتنا الحالي بسبب قرارات حمقاء.

* هل يتحدث الفيلم عن الحاكم العربي تحديدًا؟

** لا، فالفيلم يتحدث عن الحاكم بوجه عام، فالحرب العالمية الأولى أو الثانية، وحروب المغول، والحروب التي حدثت في أفريقيا، كلها حدثت في مناطق بعيدة عن العالم العربي. ومنذ قديم الزمان كل من يريد الوصول للسلطة يلجأ للحرب للجلوس على كرسي الحكم أو للحفاظ عليه، وفي هذه الحرب يموت الأبرياء الذين ليس لهم ذنب غير أنهم يعيشون في هذه الأرض الذي يريد هو أن يحكمها.

الثورة التونسية

* إذا كيف تنظرين إلى شرارة الربيع العربي والشاب التونسي “بو عزيزي” الذي أشعل هذه الشرارة التي انتقلت إلى العالم العربي، هل تدعمين الثورة التونسية وما نتج عنها؟

** ما حدث في تونس كان من الضروري أن يحدث، ونحن لدينا مسار صحيح للديمقراطية، ولازلنا في الخطوات الأولى، ورغم كل شيء فقد ربحنا الكثير من الحرية، بغض النظر عن سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والظواهر السلبية الكثيرة التي حدثت في تونس، وأنا أتحدث عن تونس التي رأيتها وأعيش فيها، بغض النظر عن ما حدث في بقية البلدان.

* أنتِ صحفية تتميز بالشفافية والتوازن والجرأة في الطرح، فكيف تقيمين سلبيات وإيجابيات المرحلة التي مرت بها تونس قبل الثورة وبعدها؟

** قبل الثورة كان هناك تعتيم إعلامي شديد، فلم نكن نستطيع الوصول إلى المعلومة أو توصيلها، وكانت أشياء كثيرة تحدث في مناطق داخلية بتونس ولا نعلم عنها شيئًا، ولكن مع الثورة ومع التطور الذي حدث في مواقع التواصل الاجتماعي أصبح لدينا إمكانية الوصول إلى جميع الأماكن، ولولا ذلك ما سمعنا عن “بو عزيزي” والمظاهرات التي حدثت في وسط البلد، فقد كان هناك من يُصوّر ومن يرسل ومن يرفع على الإنترنت، وكان هناك من يستخدم الفيس بوك، وأنا شخصيًا سمعت عن ما يحدث في تونس من الإنترنت، لأني كنت وقتها خارج البلاد، وأهلي قرروا ألا يخبروني بما يحدث لأنهم يعلمون أنني إذا علمت به سأعود إلى تونس.

* إذن فأنت ترين أن أسباب الثورة كانت موجود بالفعل في تونس، وأنها كانت ثورة على الفساد وكبت الحريات، وأيضًا كان هناك ظلم مجتمعي في تونس قبل الثورة، فهل أنا مُحِقة؟

** صحيح، فقد كانت ثورة ضرورية لكي يحدث التغيير، بغض النظر عن أن الوضع بعدها أصبح غير مستقر، فربما سنتعثر قليلاً لكن في النهاية سنسير في المسار الصحيح، وكما تعلمين كانت هناك انتخابات بلدية في 6 مايو، وكانت أول انتخابات بلدية ديمقراطية، وإلى آخر لحظة لم يكن معروفًا من سيفوز بالانتخابات، أما قبل الثورة فكنا نعرف من سيفوز وبنسبة 99 بالمائة.

المرأة التونسية

* أنتِ تقفين مع الثورة التونسية وتدعمينها، ولكن كيف ترين دور المرأة بعد الثورة، وهل تراجع هذا الدور أم تقدم، وأين تقف المرأة التونسية اليوم في المجتمع؟

** المرأة في تونس، ومن أيام بو رقيبة، تتمتع بحقوق كبيرة جدًا، فقوانين الأحوال الشخصية تحمي المرأة والأسرة التونسية، ومشهود لها في العالم أجمع، فحقوق المرأة التونسية مصونة قانونيًا، سواء في الزواج أو الطلاق أو في حضانة الأطفال، وفي المساواة بينها وبين الرجل في العمل.

كما أن المرأة التونسية متواجدة في كل مجالات العمل، في مجال العسكرية وقيادة الطائرة والطب، ولدينا سيدات في تونس عاملات بناء وبائعات وأخريات يعملن في النجارة، ولا أقلل من شأن أي مهنة، فنحن نحترم كل من يعمل عملاً شريفًا ودخله حلال.

جدل العروبة والدين

* لديكِ وجهة نظر حول النظرة العربية للمجتمع التونسي.. هل يمكن أن توضيحيها لنا؟

** للأسف الكثير من الناس يعتقدون أننا في تونس “عرب من درجة ثانية”، لأننا أقرب لأوروبا، ويعتقدون أننا نتحدث الفرنسية لا العربية، لكنني كنت دائمًا أرد عليهم بأننا نتكلم العربية ولغتنا المحلية، وأوضح لهم أنه حتى كلمة “برشا” لها أصول عربية فصحى، فالسكان الأصليين للبلد هم أمازيغ، وتزاوجوا وامتزجوا مع العرب لدرجة أنك لا تميز العربي عن الأمازيغي. وفي النهاية نحن تونسيون بغض النظر عن خلفيتنا، ولكن بعض العرب يعتقد أننا فرنسيين أو “متفرنسين”، أو أي تسمية يحبون أن يسمونا بها، ولكن نحن لا نقل عروبة عن أحد.

كما أننا في تونس لدينا مشروعات قوانين خاصة بالمرأة تثير الجدل لدى البعض، خاصة تلك التي لها بعد ديني، مثل منع تعدد الزوجات والمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وفي هذه الأمور بعض العرب يرون أننا بهذه القوانين نخرج عن الدين، وأنا أقول لهم أننا دولة مدنية مسلمة، والقوانين ليس لها علاقة بالدين، فلدينا في تونس أقلية يهودية.

* هل تقصدين فصل الدين عن الدولة؟

** صحيح، فالدين لك أنتِ، أما الدولة فهي لنا كلنا، والدين علاقة بينكِ وبين الله قد تمارسينها بشكل صحيح أو خاطئ، فالله هو الذي سيحاسبكِ على ذلك، أما البلد فهي للجميع.

* تقصدين أنه لا بد من تعددية يعيش في ظلها المسلم والمسيحي واليهودي، وأن يكون القانون المدني هو الذي يحكم لا الدين؟.

** نعم، فالبلد بلدنا كلنا، ومن حقنا أن نعيش فيها بسلام، وبالطريقة التي يحبها كل شخص، ولكن حريتكِ تقف عندما تبدأ حرية غيركِ. وهنا أحب أن أوجه رسالة إلى كل التونسيين، فمن واجبنا أننا نحافظ على بلدنا، وأنتم ترون أن وضعنا أحسن بكثير من أوضاع دول أخرى مثل سوريا واليمن، لماذا؟ لأن تونس غير مُحاطة بأي مطامع، فليس لدينا بترول أو سياحة أو غاز.

* ربما أختلف معك هنا، فبخلاف مسألة المطامع، فقد استقر الوضع لأن الرئيس بن علي غادر البلاد والجيش ابتعد عن السياسة. فهل للرئيس بن على فضل في ذلك؟

** لا، فقد ترك البلاد خوفًا من الحساب وليس خوفًا عل البلد، ولم تكن لديه الجرأة الكافية لكي يبقى ويقول أنه كان مخدوعًا، وأنه فهم مطالب الشعب وسيحققها، لكنه كان يعلم ما ينتظره من حساب ففضل ترك البلاد، ففي عهده كانت هناك طبقة فاسدة تسرق بالبلاد، وعندما رحل كان كل هناك كثيرون يسرقون البلاد، ولا نعلم من كان يسرق.

تحدي المرض

* هناك محور هام جدًا في حياة فاطمة الجمالي، وتحدي كبير عاشته مع المرض، فكيف تجاوزتِ هذه التجربة المريرة ؟

** في نوفمبر من عام 2016 اكتشفت إصابتي بسرطان الغدد الليمفاوية، ومكثت 6 أشهر في مستشفى خليفة أبو ظبي للعلاج، حيث أجريت عملية، وبدأت بعدها العلاج الكيماوي، وبالفعل كانت تجربة صعبة وموجعة جدًا، لكنها انتهت بحمد الله، ولذا لا أحب أن أتحدث عن سلبياتها.

* لا فاطمة، فهذا جزء من التحدي، وكلنا نمر بتحديات مختلفة في حياتنا، ونحتاج لتجارب نجحت في خوض هذه التحديات، حتى نعطي أمل لمستمعينا الأعزاء بأننا قادرون على تجاوز الألم، وقادرون على أن نكون أقوى منه، وهذه هي النقطة التي أركز عليها؟

** رسالتي لكل المستمعين، ولكل من يعاني من مرض، أو لديه شخص مريض في العائلة، أو يعاني من أي تجربة صعبة، ردد مع نفسك هذه الجملة: “أنا أستحق الحياة”. فلو جاءك 100 شخص كل يوم وطلبوا منك أن تصبر، وقالوا لك أن الله معك وسيُعينُك على محنتك وغير ذلك، فلن تستفيد من هذا إلا إذا كنت واثقًا من داخلك أنك تستحق الحياة.

وبالنسبة لي كانت الأشهر الثمانية الأولى من المرض هي الأصعب، لأنني لم أستطع إخبار أمي بسبب خوفي عليها، وقررت تحمل الوجع وحدي، وبالتالي مكثت في المستشفى 8 أشهر وحدي، وعندما تساقط شعري اضطررت أن أقول لها أنني أزلت شعري نهائيًا بسبب مشكلة في فروة الرأس، واستعنت بشعر مستعار لكي أخفف عنها الوجع لأنها لن تتحمل معرفة حقيقة مرضي.

وما أحب أن أقوله لأي أحد أن الخطوة الأولى لتخطى المرض هي الاعتراف به وذكر اسمه، فهناك من يقول “ذاك المرض” أو “اللي ما يتسمى”، أما أنا فأقول “أنا مصابة بالسرطان”، فعندما تتقبل أنك مصاب بهذا المرض ستبدأ الخطوة التالية وهي العلاج، فستتعامل معه كأنك مصاب بالسكري أو الضغط أو القلب، وبذلك ستبدأ العلاج موقنًا أن كل شيء بيد الله، وأنا عن نفسي قلت بإذن الله لن تكون هذه هي النهاية، ومهما كانت النتيجة بالموت أو بالحياة فالنجاح الحقيقي والتحدي الحقيقي هو أنك تتقبل نفسك سواء كنت مريضًا أم لا، فالشخص المريض لا يختلف عن الآخرين في شيء، فهو يعيش حياته ويعمل ويضحك ويأكل ويذهب إلى السينما ويقوم بالتسوق، ولدي كتاب في هذا الشأن سيصدر قريبًا عنوانه “كان قويًا وكنت أقوى”.

* فاطمة تستحقين الحب والحياة وكل شيء جميل، وتستحقين المزيد والمزيد من النجاح في حياتك العملية وفي حياتك الشخصية، جزيل الشكر لكِ على هذا اللقاء الجميل في إعلاميات عربيات، ونعد مستمعينا أن نستكمل حوارنا معكِ في حلقة قادمة بإذن الله.

لمتابعة اللقاء :

 

 

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين