منوعاتهجرة

حكاية صورة.. عندما تكون جريمتك أنك إنسان!!

رغم مرور 30 عامًا على انهيار جدار برلين في التاسع من نوفمبر عام 1989 لا زالت ذاكرة العالم محتفظة بمشاهد وحكايات عن هذا الجدار الذي شطر العاصمة الألمانية إلى قسمين، شرقي وغربي، وكان سقوطه علامة على نهاية الشيوعية وإعادة توحيد ألمانيا.

ولا زال جدار برلين يبعث لنا برسائل حول سياسة الفصل والعزل وتداعياتها المدمرة على المجتمعات البشرية، ولا زالت أنقاضه شاهدة على الكثير من القصص الإنسانية التي مرت به.

ومن أبرز القصص تلك القصة التي تعرضها صورة جندي يساعد طفلاً على تجاوز الأسلاك الشائكة لجدار برلين، ليمكنه من اللحاق بعائلته، وهي الصورة التي يقول من نشروها إن الجندي لقي عقوبة الإعلام جراء هذا التصرف الإنساني، ولذلك يتم تداول الصورة تحت عنوان “عندما تكون جريمتك أنك إنسان”.

لكن قبل أن نتعرض لقصة هذه الصورة ومدى حقيقة المعلومات المتعلقة بها، وبتفاصيل الواقعة، دعونا نتذكر معًا بعض المعلومات حول جدار برلين.

بناء الجدار

في خضم الحرب الباردة، قررت سلطات ألمانيا الشرقية، بدعم من الاتحاد السوفيتي، الفصل بين الجزأين الشرقي والغربي من برلين عن طريق إنشاء ما عرف بجدار برلين.

وكان الهدف من إنشاء هذا الجدار هو وقف عمليات هجرة سكان الجزء الشرقي نحو القسم الغربي من برلين القابع تحت سلطة ألمانيا الغربية المدعومة أمريكيًا.

فما بين عامي 1949 و1961، فرّ ما لا يقل عن 3 ملايين نسمة من سكان ألمانيا الشرقية نحو جارتها الغربية عبر برلين المقسمة.

وفي 13 أغسطس/آب 1961، استيقظ الألمان ليجدوا حاجزًا مؤقتًا من الأسلاك الشائكة يقطع شوارع برلين. وتطور الجدار خلال العقود الثلاثة التالية ليصبح خرسانيًا بطول 45 كيلومترًا، كما تم تحصين الجدار، البالغ عرضه 3 أمتار ونصف، بأبراج مراقبة وأسوار كهربية وحراس مُسلحين وكلاب حراسة.

فرار عبر الجدار

وعلى الرغم من وجود الجدار، تواصلت محاولات فرار الألمان الشرقيين للفرار نحو الغرب، وسجلت الفترة ما بين عامي 1961 تاريخ بناء الجدار و1989، تاريخ انهيار الجدار، أكثر من 100 ألف محاولة فرار كللت منها 5 آلاف بالنجاح.

وخلال فترة وجود الجدار اعتمد الألمان الشرقيون العديد من الطرق المبتكرة والخطيرة لتجاوزه، والتي عرض لها تقرير لموقع “العربية نت”.

ففي البداية لجأ السكان للهروب عبر المنازل الحدودية القريبة من الحاجز والتي كانت أبوابها ببرلين الشرقية، بينما تطل نوافذها وشرفاتها على برلين الغربية.

ولاحقًا اعتمد البعض طرقًا أخرى للفرار من بينها الركض بسرعة نحو الأسلاك الشائكة لاجتيازها مستغلين انشغال الحراس، فيما عمد آخرون لحفر أنفاق مرت تحت الجدار وربطت بين جزأي برلين.

طرق مبتكرة للفرار

ولم يخل الأمر من لجوء البعض لطرق مبتكرة لتجاوز الجدار. ففي عام 1963، أقدم البهلوان هورست كلاين (Horst Klein) على استغلال مهاراته في المشي على الحبال، وعبر الجدار عن طريق كابل غير مستخدم يمر فوق الجدار، حيث سار فوقه بطريقة بهلوانية ونزل ببرلين الغربية.

وخلال شهر ديسمبر 1961، قاد المهندس هاري ديترلينغ (Harry Deterling) ما سمي بقطار الحرية الأخير، وعند اقترابه من حواجز الجدار استخدم السرعة القصوى لاختراقها الحاجز والتوقف ببرلين الغربية، حاملا معه 6 من أفراد عائلته إضافة لـ16 مسافرا آخر.

وفي عام 1961 أيضًا التقطت عدسات الكاميرا حادثة هرب الجندي كونراد شومان (Konrad Schumann) أثناء فترة الحراسة، حيث ركض بسرعة وقفز فوق الأسلاك الشائكة ليجد نفسه في برلين الغربية.

وفي شهر مايو 1963، سرق الجندي فولفغانغ إنغلز (Wolfgang Engels) دبابة، واقتحم بها الجدار ليعلق في الأسلاك الشائكة، واستهدفه الحراس بوابل من الرصاص لكنه نجح في الفرار لبرلين الغربية.

انهيار الجدار

وقتل ما يزيد عن 100 شخص قرب الجدار أثناء سعيهم وراء الحرية، بينما فارق البعض الحياة بسبب وقوعهم من أعلى المباني والأسلاك الشائكة، وأحبط جنود ألمانيا الشرقية العديد من محاولات اجتياز الجدار عن طريق استهداف الفارين بوابل من الرصاص.

ومع حلول 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، اقتحمت حشود مُبتهجة حاجز الحصار الخرساني، بعد دقائق فقط من إعلان جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية عن رفع قيود السفر على الألمان الشرقيين.. وتغيرت دعاية الشعبوية إلى شعارات الحرية والوحدة.

صورة بألف معنى

من بين كل القصص الإنسانية التي شهدتها فترة وجود جدار برلين، برزت تلك القصة لأحد الجنود وهو يفتح السلك الشائك في جدار برلين لأحد الأطفال ليلحق بأهله، في موقف إنساني لا ينسى.

وما زاد من تأثير هذا الموقف الإنساني هو تناقل معلومات حول أن الجندي تم اعتقاله وتعرض لعقوبة قاسية بسبب موقفه الإنساني مع الطفل، حتى ان البعض أشار إلى أنه واجه عقوبة الإعدام، لمجرد أن جريمته أنه تصرف كإنسان

وتم تصنيف الصورة ضمن الصور الأكثر تأثيرًا عبر تويتر ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن بعض المتابعين تساءلوا عن مصدر الصورة، ومدى مصداقية المعلومات الواردة فيها، خاصة فيما يتعلق بإعدام الجندي، وشكك البعض في ذلك، بينما شكك آخرون في مصداقية الصورة من الأساس.

أصل الصورة

لكن من نشروا الصورة أشاروا إلى أن مصدرها موقع Kindness Blog، وبالرجوع إلى المصدر وجدنا موضوعًا عنها تحت عنوان “جندي يرفع لأسلاك الشائكة لمساعدة طفل”

وفي نص الموضوع قال الموقع إنه تم التقاط الصورة في اليوم الذي تم فيه إنشاء الجدار الناشئ في أغسطس عام 1961، حيث وجد الصبي على الجانب الآخر من الجدار من عائلته.

وعلى الرغم من الأوامر التي أصدرتها حكومة ألمانيا الشرقية بعدم السماح لأحد بالمرور، فقد ساعد الجندي الصبي للمرور عبر الأسلاك الشائكة.

وقرب وقت التقاط هذه الصورة بالضبط، قيل إن الجندي شوهد من قبل ضابطه الأعلى الذي أصدر أمرًا على الفور بفصل الجندي عن وحدته.

وفيما يتعلق بمصير الجندي، قال الموقع إن معظم التعليقات التي تأتي مع الصورة تقول إنه “لا أحد يعرف ما الذي أصبح عليه”.

هل تفاصيل الواقعة حقيقية؟

وللرد على مدى صحة الصورة والتفاصيل التي قيلت حولها عرض موقع “فالصو”، الذي يهتم بالبحث عن حقيقة بعض الموضوعات والأخبار، لبعض الأسباب التي تشكك في بعض المعلومات حول الصورة ومنها:

1- بالبحث عبر تطبيق “جوجل ريفيرس إيمدج” وجد أن الصورة تدعى “soldat du mur de berlin” تترجم من الألمانية “جندي حائط برلين”، ولم تتناول الصورة أي وكالة تدقيق حقائق، حيث لم تنتشر أي شائعات بخصوصها والمعلومات المتداولة، وبخصوص تسريح وعقاب الجندي، فلم يثر موضوع الإعدام.

2- أي موقع يذكر الصورة وتاريخ حدوثها يرجعها لعام 1961 لجندي يهرب طفلا من خلال السلك الشائك الخاص بحائط برلين.

3- لم يذكر أي موقع تفاصيل مؤكدة بخصوص مصير الجندي الألماني، حيث اتسمت معسكرات الجيش الألماني في ذلك الوقت بالشدة فيما يتعلق بسرية المعلومات عن العقاب الذي يتم توقيعه على الجنود، فلا توجد مصادر تؤكد تفاصيل الواقعة.

4- لم يوضح أي موقع تأكيد أن مصير الجندي كان الإعدام، حيث اتفقت كل المواقع على كون الجندي عوقب من قبل رؤسائه بعد إقدامه على فعل تهريب الطفل، وتم تسريحه من الجيش ولكن لم تذكر أي تفاصيل عن نوع العقاب، وهل كان عقابًا شديدًا أم بسيطًا.

5- عنونت الصورة من قبل المواقع العالمية بـ”لا أحد يعرف ماذا كان مصيره” لوصف الجندي، ولكن بعض المواقع قالت إن مصيره كان الإعدام.

وبغض النظر عن ما يتم تداوله حول التفاصيل المتعلقة بالصورة، إلا أن كل من تداولوها اتفقوا على صحة واقعة مساعدة الجندي للطفل، وانتصاره لإنسانيته في مقابل الخوف من عقاب رؤسائه، والذي وصل في بعض الروايات للفصل من الخدمة والاعتقال والسجن، ووصل في البعض الآخر للإعدام لشخص كل جريمته أنه كان إنسانًا.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين