اقتصادتقارير

هل تنجو هواوي من أزمة الصراع التجاري بين أمريكا والصين؟

علي البلهاسي

مَرّ أكثر من عام على تفجر الأزمة بين الولايات المتحدة وشركة هواوي Huawei الصينية، أكبر صانع في العالم لمعدات شبكات الاتصالات وثالث أكبر مورد للهواتف الذكية. وحتى الآن لا تلوح في الأفق بوادر أي حل لهذه الأزمة التي تتجه إلى التصعيد من وقت لآخر من جانب الطرفين.

ولأن الأمر ليس ببعيد عن خلفيات الصراع السياسي والتجاري بين أمريكا والصين فقد دخلت الحكومة الصينية رسميًا على خط الأزمة وتعهدت بالدفاع عن شركتها ضد ما أسمته “ضغوط سياسية متعمدة”. ولم تستبعد الصين احتمال أن تصبح أزمة هواوي في مرحلة ما جزءًا من المفاوضات التجارية الجارية بين البلدين.

وهو الأمر الذي ألمح إليه أيضًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما كشف عن مفاوضات تتم حول إسقاط التهم الجنائية ضد “هواوي” بعد موافقة الجانبين الأمريكي والصيني.

بداية الأزمة واتهامات التجسس

كانت الحكومة الأمريكية قد اتهمت نظيرتها الصينية في شهر يناير 2018، بالتنصت عليها من خلال شركة هواوي، الأمر الذي ترتب عليه قيام الولايات المتحدة الأمريكية بمنع الشركة من نشر شبكة الجيل الخامس الخاصة بها داخل أراضيها، بحجة الحفاظ على أمنها القومي.

ونصحت الحكومة الأمريكية مواطنيها بتجنب شراء الهواتف الذكية من الشركة الصينية، مشيرة إلى أنه يمكن استخدام مثل هذه الأجهزة في التجسس على المستخدمين.

وفي فبراير 2018 طالب دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، الأمريكيين بالامتناع عن شراء أجهزة شركتي هواوي Huawei وزد تي إي ZTE الصينيتين، لأنها تمثل تهديدًا أمنيًا، لتأتى الاستجابة في شهر أبريل، بحظر أمريكا بيع مكونات أو برامج الكمبيوتر إلى “زد تي إي” لمدة 7 سنوات.

حرب السوق

وتصاعدت حدة لهجة الولايات المتحدة الأمريكية ضد شركة هواوي الصينية، بعد هجوم عدد من قادة وكالات الأمن والاستخبارات الأمريكية على الشركة التي تحتل المركز الثاني عالميا في سوق الهواتف المحمولة.

وتحاول هواوي منذ فترة دخول السوق الأمريكية من خلال تعاونها مع الشركات الأمريكية الموفرة لخدمات المحمول، لكن الحكومة الأمريكية ضغطت على شركتي AT&T و Verizon لإفشال الصفقة.

ويبدو أن التركيز كان منصبًا على هواوي، التي نمت بشكل سريع خلال العامين الماضيين، حيث أشار قادة الاستخبارات الأمريكية إلى أنها تحاول اختراق السوق الأمريكية، في حين صرح مدير وكالة الأمن القومي مايكل روجرز، أنه ينبغي ضبط النفس عندما يتعلق الأمر بالشركات الصينية وتوخي الحذر ومراقبة مثل هذه الشركات.

ورد الرئيس التنفيذي لشركة هواوي، ريتشارد يو، إن الشركة موثوق بها من قبل حكومات 170 بلدًا حول العالم، ولا تشكل خطرًا أكبر على أمن المعلومات الإلكتروني بالمقارنة مع أي شركة تكنولوجيا معلومات واتصالات أخرى، وأنها على علم بمجموعة من أنشطة الحكومة الأمريكية التي تهدف على ما يبدو إلى إعاقة أعمال هواوي.

حظر لدى الحلفاء

وفي نوفمبر 2018 وجهت واشنطن دعوات لشركات الاتصالات الكبرى في البلدان الحليفة لها للتخلي عن استخدام التقنيات التي تطلقها شركة “هواوي”. وذكرت وول ستريت جورنال في تقرير لها أن الحكومة الأمريكية حاولت إقناع مقدمي الخدمات اللاسلكية والإنترنت في الدول الحليفة لها بتجنب أجهزة الاتصال التي تنتجها شركة هواوي الصينية.

وأشار التقرير إلى أن واشنطن تدرس زيادة المساعدات المالية لتطوير قطاع الاتصالات في الدول التي تتجنب الأجهزة الصينية الصنع.

وأضاف تقرير وول ستريت جورنال أن مسئولين أمريكيين تواصلوا مع نظرائهم في الحكومات ومع مديرين تنفيذيين في مجال الاتصالات بدول صديقة يشيع بالفعل استخدام أجهزة هواوي بها حول ما يرونه مخاطر على الأمن الإلكتروني.

ووفقا للصحيفة فإن “واشنطن تخشى من تهديد أمني تزعم أن أجهزة Huawei قد تتسبب به، ويعتقد الخبراء في الولايات المتحدة أن الصين قد تستغل تقنيات هذه الشركة للقيام بهجمات إلكترونية أو أنشطة تجسسية في أمريكا”.

وأشارت وول ستريت جورنال إلى “أن أمريكا قلقة أيضًا من استخدام أجهزة Huawei في البلدان التي تضم قواعد عسكرية لها، ومن تسريب بيانات تتعلق بهذه القواعد من تلك البلدان”.

لكن بعض المحللين يرون أن سبب الحظر هو خوف الولايات المتحدة من المنافسة القوية التي تشكلها منتجات الشركات الصينية على منتجات شركاتها.

ويشير محللون آخرون إلى أن أحد أسباب مخاوف امريكا والدول الغربية من هواوي تتعلق بقانون الاستخبارات الوطني الصيني لعام 2017. حيث ينص القانون على أن المنظمات الصينية ملزمة “بدعم، والتعاون، والمساعدة في العمل الاستخباراتي الوطني”. وقد أثار هذا المخاوف من أن المعدات الصينية الصنع يمكن أن تشكل خطرا أمنيا خاصة إذا استخدمت في بناء شبكات جيل خامس جديدة.

وقالت بريسيلا موريوشي، خبيرة سابقة في شؤون شرق آسيا في وكالة الأمن القومي”إن كلا من زد تي إي ZTE وهواوي على علاقة بالقيادة العسكرية والسياسية الصينية.

في وقت سابق كادت الولايات المتحدة أن تتسبب في إفلاس شركة ZTE Corp، أكبر منافس صيني لهواوي، من خلال إجبارها على توقيف مبيعات معداتها لكوريا الشمالية وإيران والذي أدرجته في إطار الانتهاك للعقوبات الأمريكية.

تطور الصراع

الأمر الذي زاد الطين بلة كان إلقاء السلطات الكندية القبض على “منج وان تشو”، المديرة المالية للمجموعة، وابنة مؤسس هواوى، في ديسمبر الماضي، وذلك بناء على طلب من أمريكا التي طلبت من كندا تسليمها لها.

وأقامت الحكومة الأمريكية دعوى قضائية ضد “هواوي” وفقًا للائحة اتهام صدرت في 28 يناير الماضي. وتم تحديد موعد بداية المحاكمة في الثاني من مارس 2020.

وتنتظر هواوى 20 تهمة في الولايات المتحدة، لانتهاكها العقوبات الاقتصادية وإخفاء تعاملاتها التجارية مع إيران، وسرقة الملكية الفكرية من الشركات الأمريكية على رأسها آبل، والرد الوحيد سيكون بالطعن أمام محكمة تكساس للتعديل على قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تمت المصادقة عليها في العام الماضي.

وكانت وزارة العدل الأميركية قد كشفت عن 13 اتهامًا ضد “هواوي” ومديرتها المالية مينغ وان تشو، وضد شركتين تابعتين للمجموعة العملاقة، على خلفية انتهاك العقوبات الأميركية على إيران.

والتهم الأوسع ضد مينغ، والتي تم رفعها إلى محكمة فدرالية في نيويورك، تقول إنه بين 2007 و2017 سعت مينغ وهواوي والشركات التابعة لها للتستر على أنشطتهم مع إيران في انتهاك للعقوبات الأميركية والدولية عليها.

وتضيف التهم إن مينغ بشكل خاص “كذبت مرارًا وتكرارًا” على مسئولي المصارف بشأن العلاقات بين الشركات وخصوصًا شركة “سكايكوم”، وهي شركة متفرعة عن هواوي في إيران.

وقالت وزارة العدل الأميركية إن ذلك ينتهك القوانين الأميركية لأن التعامل مع إيران يتضمن تعاملات بالدولار الأميركي تجريها مصارف عن طريق الولايات المتحدة.

وأضافت الوزارة أن هواوي والشركات التابعة لها كذبت على السلطات الأميركية وعرقلت التحقيق.

كما وجهت وزارة العدل الأميركية 10 اتهامات فدرالية لشركتين تابعتين لهواوي بسرقة تكنولوجيا مرتبطة بصناعة الروبوتات من شركة “تي- موبايل”.

وتقول لائحة الاتهام إن هواوي قامت بمجهود منسق لسرقة تكنولوجيا مرتبطة بروبوت لاختبار الهواتف يطلق عليه “تابي” من مختبرات “تي- موبيال” الأميركية في ولاية واشنطن.

وقال المدعي العام الأميركي بالوكالة “ماثيو ويتكر” إن مهندسي هواوي التي كانت تقوم بتزويد تي- موبايل بالهواتف، التقطوا صورًا وأخذوا قياسات لأجزاء من الروبوت “بل حتى سرقوا قطعة منه”.

وقالت وزارة العدل إن الشركة الصينية قدمت في تموز/يوليو 2013 مكافآت لموظفين “على أساس قيمة المعلومات التي سرقوها من شركات أخرى حول العالم، وقدموها لهواوي عبر عنوان إلكتروني مشفر”.

نزاع قضائي أم تجاري؟

وقال كريستوفر راي، مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، إنّ “مجموعتي الاتهامات تفضحان تصرفات هواوي السافرة والمستمرة لاستغلال الشركات الأميركية والمؤسسات المالية وتهديد سوق العمل العالمي الحر والعادل”.

فيما قال المدعي العام الأميركي بالوكالة “ماثيو ويتكر” إنّ لائحة الاتهامات لا تتضمن أي دور مفترض للحكومة الصينية في القضيتين، غير أنه جدد المطالبة للصين بأن تحاسب مواطنيها والشركات الصينية في ما يخص الامتثال للقانون.

وتم الإعلان عن الاتهامات بالتوازي مع وصول كبير المفاوضين الصينيين في الملف التجاري إلى واشنطن لإجراء محادثات في غاية الأهمية مع مسئولين أميركيين، مما أثار تكهنات بتعقد تلك المحادثات، مع اقتراب نهاية هدنة في الحرب التجارية بين البلدين أعلنت حتى آذار/مارس الجاري سعيا للتوصل إلى تسوية.

وأكد وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس إن التهم “منفصلة تمامًا عن مفاوضاتنا التجارية مع الصين”. غير أنه أضاف أن وزارة “التجارة ستواصل العمل مع شركائنا داخل الوكالات لحماية مصالح الأمن القومي الأميركي”.

وردت الصين بغضب ودانت “التلاعب السياسي” في الملف ضد هواوي. اتهمت وزارة الخارجية الصينية واشنطن باستخدام “سلطة الدولة لتشويه وقمع شركات صينية محددة في محاولة للتضييق على العمليات الشرعية والقانونية للشركات”.

وقال المتحدث باسم الوزارة غينغ شوانغ في بيان إنّ “هناك دوافع سياسية قوية وتلاعبًا سياسيًا خلف هذه الإجراءات”، وحض واشنطن “على وقف القمع غير المنطقي للشركات الصينية ومنها هواوي”.

هواوي تنفي وتقاضي أمريكا

من جانبها نفت شركة “هواوي” جميع الاتهامات المنسوبة إليها في الدعوى القضائية التي رفعتها الحكومة الأمريكية، وزعمت فيها أنها سرقت أسرارًا تجارية من شركة “تي موبايل يو إس إيه” الأمريكية. ودفعت الشركة بأنها غير مذنبة في جميع الاتهامات الجنائية الموجهة لها، وقالت إنها تتقيد “بجميع القوانين والقواعد التنظيمية السارية في الدول التي تعمل فيها.

ونفت هواوي في بيان لها أن تكون “الشركة أو أي من فروعها أو الشركات التابعة لها ارتكبت أيا من الانتهاكات للقانون الأميركي المذكورة في لائحتي الاتهام”. كما أكّدت أنه “لا علم للشركة بأي مخالفة من جانب السيدة مينغ، معبرة عن ثقتها بأنّ المحاكم الأميركية ستصل في النهاية لنفس الاستنتاجات”.

وصعدت “هواوي” من رد فعلها بعد أن أقامت دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب قرارها بمنع شراء منتجاتها وخدماتها، بحجة أنها تتجسس على أمريكا لحساب الصين،

وقال غوو بينغ، أحد الرؤساء الدوريين للمجموعة، خلال مؤتمر صحفي إنّ “الكونغرس الأميركي فشل مرة تلو الأخرى في تقديم أدنى دليل يبرّر القيود التي فرضها على منتجات هواوي. نحن مضطرّون لاتخاذ هذا الإجراء القانوني كملاذ مناسب وأخير”.

كما وجهت “هواوي” الاتهام للحكومة الأمريكية بقرصنة خوادمها وسرقة رسائل إلكترونية ورموز خاصة بها. وقال غوو بينغ، إنّ الحكومة الأميركية “قرصنت خوادمنا وسرقت رسائلنا الإلكترونية والرمز الخاص بنا”، من دون أن يقدّم أيّ دليل على هذه الاتّهامات.

الصين تدعم شركتها

أما الصين فقد رفضت أن تقف موقف المتفرج من أزمة شركة “هواوي”، وألقت بثقلها وراء الإجراءات القانونية التي اتخذتها الشركة ضد الولايات المتحدة، وقال وانغ يي، وزير الخارجية الصيني: “نحن ندعم الشركة في سعيها للحصول على الإنصاف القانوني لحماية مصالحها، ورفض أن تقع الشركة ضحية مثل “الحملان الصامتة”.

وأعربت السلطات الصينية عن غضبها بسبب اعتقال المديرة المالية للشركة، حيث قال وانغ إن الولايات المتحدة تتخذ “خطوة سياسية” متعمدة للإحاطة بالشركة الصينية، مؤكدا أن الصين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق مواطنيها ومؤسساتها.

وقال ليو وي دونغ، المحلل الصيني الأمريكي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إن موقف وانغ بشأن الطعن القانوني لشركة هواوي لم يكن على خلاف مع وجهة نظر بكين.

وأضاف أن تشجيع الشركات على حماية حقوقها لا يعني أن الصين تتحدى الولايات المتحدة، لذا فإن وجهة نظر وانغ ليست متناقضة ذاتيًا.

وأثارت قضية مينغ وانتشو أزمة كبرى بين بكين وكندا التي تم اتهامها بتنفيذ رغبات واشنطن. ومارست الصين ضغوطًا كبيرة على كندا لمنع تسليم مينغ للولايات المتحدة، وقدمت إخطارًا رسميًا شديد اللهجة للسلطات الكندية بهذا الصدد.

واستدعت الصين السفير الكندي لديها، جون ماكالوم، بشكل طارئ للتعبير عن الاستياء الدبلوماسي والاحتجاج القوي بشأن اعتقال منغ. كما استدعت الصين السفير الأمريكي لديها، للاحتجاج على احتجاز كندا للمديرة المالية لشركة “هواوي”، بناءً على طلب من واشنطن.

ووصفت سفارة الصين في العاصمة الكندية، أوتاوا، إجراءات وزارة العدل الكندية بشأن قضية المديرة التنفيذية لشركة هواوي، بـ”الاضطهاد السياسي” ضد شركة صينية تعمل في مجال التكنولوجيا الفائقة. وفي هذا الإطار قامت السلطات الصينية بدورها بتوقيف كنديين اثنين بتهمة تقويض الأمن القومي الصيني، وذلك كرد على توقيف مينغ.

جزء من صراع أكبر

وتمثل أزمة شركة “هواوي” أحدث مواجهة بين الصين والولايات المتحدة اللتين تبادلتا في معظم فترات 2018 فرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات على سلع كل منهما.

وتصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة والصين على الجبهتين الاقتصادية والأمنية خلال إدارة ترامب، وتدهورت العلاقات منذ طلبت الولايات المتحدة من الصين معالجة الاختلالات التجارية، وسرقة الملكية الفكرية، وعمليات نقل التكنولوجيا القسرية.

وحتى قبل أن يبدأ ترمب الحرب التجارية مع الصين بفترة طويلة، كانت أنشطة «هواوي» موضع تدقيق من قبل السلطات الأميركية، وذلك وفقاً لمقابلات مع 10 أفراد مطلعين على التحقيقات بشأن «هواوي»، ووثائق مرتبطة بالتحقيقات اطلعت عليها «رويترز».

ويرى محللون أن تصعيد أزمة “هواوي” واعتقال المديرة المالية للشركة يتعدى بشكل أكبر قضية الرسوم الجمركية أو الوصول إلى الأسواق، حيث تخوض واشنطن وبكين أكبر مواجهة حادة من أجل الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العالم خلال العقود المقبلة.

وقالت أماندا ديبوسك، رئيسة الممارسات التجارية الدولية في شركة ديتشيرت إل إل بي “إنها قضية أوسع بكثير من مجرد نزاع تجاري، لأن الأمر يتعلق بتحديد هوية من سيكون قائد العالم بشكل أساسي”.

ويقول بعض المحللين إن الصين باشرت إجراءات “شرسة” في مساعيها لتجاوز الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا والاقتصاد العالمي، مثل إجبار الشركات الأمريكية وغيرها من الشركات الأجنبية على الكشف عن الأسرار التجارية في مقابل الوصول إلى السوق الصينية.

فيما تعتبر واشنطن خطة التنمية الطموحة طويلة الأجل لبكين “صنع في الصين عام 2025” كمخطط للسيطرة على مجالات مثل الروبوتات والمركبات الكهربائية من خلال دعم الشركات الصينية بشكل غير عادل والتمييز ضد المنافسين الأجانب.

وقامت إدارة ترامب بتشديد التشريعات الخاصة بالصادرات ذات التقنية العالية إلى الصين، وجعلت من الصعب على الشركات الصينية الاستثمار في الشركات الأمريكية، أو شراء التكنولوجيا الأمريكية في القطاعات المتطورة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي.

أزمة معقدة

وتواجه الإجراءات الأمريكية ضد شركات التكنولوجية الصينية مشاكل كبيرة، خاصة وأن الصناعات التكنولوجية الأمريكية والصينية تعتمد على نفس المكونات بشكل كبير، حيث يصعب الفصل في ذلك بين الشركات الأمريكية والصينية، وفي حال فرض عقوبات على الشركات الصينية فإنه من الصعب أن يتم استثناء الشركات الأمريكية.

كما أن الابتكار من طرف الشركات الأمريكية يعتمد في كثير من الأحيان بشكل كامل على تطوير المنتجات واختبارها من قبل الشركاء الصينيين وموردي المكونات.

ولعل هذا ما جعل كثير من المحللين يرون أن تفجير أمريكا لأزمة “هواوي” والمزاعم حول تهديدها للأمن القومي ما هو إلا وسيلة للحصول على مزايا تجارية في نزاعها مع الصين.

ويرى المحللون أن القرار الأميركي بشأن شركة هواوي يولد الكثير من الشكوك ويطرح العديد من الأسئلة من بينها: هل قضية هواوي هي نزاع قانوني وتجاري شرعي، أم أن واشنطن تحاول استخدامها كنوع من الضغط في حربها التجارية مع الصين؟، وهل من المحتمل أن تكون هذه الخطوة محاولة لإفشال شركة تهدد هيمنة شركات التكنولوجيا الأميركية في مجال حيوي مثل شبكات اتصالات الجيل الخامس؟

ووفقا لرأي المحللين فإن حلفاء الولايات المتحدة إذا استنتجوا أنها مستعدة للتنازل عن أهدافها الأمنية للحصول على مزايا تجارية، فلن يوافقوا على تقديم دعم دولي لواشنطن في هذه المعركة.

هواوي تتحدى

وفي تحدي واضح للإجراءات الأمريكية ضدها قال رئيس مجلس إدارة شركة “هواوي” جو بينج إن الولايات المتحدة تخسر سباق تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، رغم محاولاتها لحظر “هواوي” في جميع أنحاء العالم.

وأضاف بينج، أنه يتفق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أن الولايات المتحدة تتخلف سريعا في سباق الحصول على أحدث تكنولوجيا لشبكات الهاتف.

ونقلت صحيفة “تليجراف” البريطانية عن بينج قوله إن “الولايات المتحدة متأخرة”، مضيفا أن رسالة ترامب “واضحة وصحيحة”.

وكان ترامب قد قال عبر حسابه على “تويتر” إن “الشركات الأمريكية يجب أن ترفع جهودها أو ستتخلف عن الركب، لا يوجد سبب يجعلنا نتخلف” في تكنولوجيا شبكات 5G.

وأكد بينج، أن “هواوي” يمكنها تحمل تجاهل السوق الأمريكي، مضيفا أن “واشنطن يبدو أنها تستخدم قوتها لمهاجمة شركة ذات تكنولوجيا متطورة”.

من جانبه قال رن تشنغ ، مؤسس شركة “هواوي” في مقابلة مع بي بي سي إنه “لا يمكن للولايات المتحدة سحق الشركة”. ورفض رن تشنغ الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على شركته قائلاً: “لا يمكن للولايات المتحدة سحقنا”، مضيفاً “لا يمكن للعالم تركنا لأننا أكثر تطوراً”.

واستطرد قائلا: “حتى لو اقنعوا المزيد من الدول بالتوقف عن التعامل معنا، يمكننا دائمًا تخفيض الأسعار نوعا ما”. ومع ذلك، أقر رن تشنغ في أن هذه الخسارة قد يكون لها تأثير كبير على الشركة. وقال: “لو أقنعوا المزيد من الدول بعدم التعامل معنا بصورة مؤقتة، يمكننا دائماً تقليص حجم الشركة”.

وقال تشنغ: “نفضّل إيقاف عمل شركة هواوي على أن نضرّ بمصالح عملائنا”. وأضاف: “على الرغم من دعمي للحزب الشيوعي الصيني، لكنني لن أفعل أي شيء قد يضر بأي دولة أخرى”.

وأردف قائلاً: “يعتقد البعض في الدول الغربية أن منتجات هواوي لديها طابع أيديولوجي معين، وهذا أمر سخيف، فنحن نزود شركات الاتصالات بالمعدات، والمعدات لا تملك أيديولوجية”

مؤسس هواوي

عندما بدأ رئيس شركة هواوي ومؤسسها، رن تشنغ، عام 1987 بتأسيس شركة صغيرة بقيمة 6600 دولار، لم يكن يعلم أنها ستنمو وتصبح عملاقة الاتصالات حول العالم، وأنه سيصبح من أغنى أغنياء العالم. إذ تُقدر ثروته الشخصية بنحو 1.7 مليار دولار، ويعمل في شركته 180 ألف موظف موزعين في جميع أنحاء العالم.

درس رن تشنغ (مواليد 1944) الهندسة في جامعة تشونغ كينغ في الصين، ثم التحق بمعهد أبحاث جيش التحرير الشعبي الصيني في ذروة الاضطرابات التي سببتها الثورة الثقافية في البلاد في ستينيات القرن الماضي. و”كانت هناك فوضى في كل مكان تقريبا بما في ذلك قطاعي الزراعة والصناعة.”

وفي تلك الفترة، كان يُخصص لكل شخص ثلث متر فقط من القماش، وبالكاد كانت كافية للترقيع، ولذلك لم أكن أرتدي ملابس خالية من الرقع عندما كنت يافعاً”.

وعندما أصبح مهندسًا، أرسل للمساعدة في بناء مصنع للملابس الجاهزة في لياويانغ، شمال شرقي الصين.

وقال تشنغ: “كانت ظروفا قاسية”، كان بيتنا متهالكاً، لذا كنا نشعر بالبرد باستمرار، وكانت درجات الحرارة تهبط إلى 28 درجة دون الصفر، ولم تكن الخضروات متوفرة على الإطلاق، وكذلك كانت اللحوم وزيت الطهي محدوداً للغاية”.

ويتابع: ” ومع ذلك كنت سعيداً، كانت قراءة الكثير من الكتب تعرض صاحبها للانتقاد في الكثير من اجزاء البلاد، وكان المصنع واحداً من الأماكن القليلة التي كان يمكن القراءة فيه، كان ينبغي علينا القراءة لنتمكن من فهم كيفية عمل المعدات”.

ولادة هواوي

في عام 1978، بعد عامين من وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، انضم تشنغ إلى الحزب الشيوعي بعد أن كان قد اخترع أداة أساسية للاستخدام في اختبار المعدات المتقدمة في مصنع الملابس، الأمر الذي لم يكن مسموحاً له من قبل بسبب ارتباط والده بالجانب القومي الخاسر في الحرب الأهلية الصينية على حد تعبيره.

وقد سُجن والده في ستينات القرن الماضي بسبب “انسياقه للرأسمالية”، وهو مصطلح تحقيري كان يستخدم للإشارة إلى أولئك الذين كانوا يحاولون استعادة الرأسمالية.

وكان تشنغ يأمل بأن يصل إلى ما يعادل رتبة مقدم في الجيش، ولكن حدث العكس وسُرِّح من الجيش عام 1983 عندما قلّصت الصين من أعداد الضباط المهندسين.

وبعد انتقاله إلى شنزن، جنوب الصين والعمل في القطاع الالكتروني الوليد، تمكن أخيراً من جمع ما يكفي من المال لتأسيس شركة هواوي.

وبدأت الشركة في تصنيع أجهزة متعلقة بشبكات الهواتف المحمولة، وحققت نموا سريعا في هذا المجال لتتفوق على نظيرتيها نوكيا وإريكسون ما جعلها إحدى الشركات الرائدة عالميا.

ومؤخرا، دخلت هواوي مجال صناعة الهواتف الذكية، واستحوذت على 15 في المئة من السوق العالمية، لتحتل المرتبة الثانية بعد سامسونج وتتفوق على أبل.

نمو هواوي

رغم أن سوق الهواتف الذكية العالمي يواجه تحديات كبيرة، مما أثر علي مبيعات السوق بعام 2018 لتنخفض بشكل ملحوظ خلال الربع الأخير، إلا أن شركة هواوي استطاعت تحقيق معدل نمو ملحوظ بالسوق خلال عام 2018 بزيادة حجم شحناتها بنسبة 43.9% خلال الربع الأخير من عام 2018، لترتفع عدد شحناتها من 42.1 وحدة في الربع الأخير من عام 2017 إلي 60.5 مليون وحدة في الربع الأخير من عام 2018،

أما علي مدار عام 2018، فقد نجحت هواوي في زيادة معدل شحنات الهواتف الذكية بنسبة 33.6% لترتفع عدد شحناتها من 154.2 مليون وحدة إلي 206 مليون وحدة مباعة حول العالم، حيث تأتي هواوي في المركز الثالث عالميًا بحصة سوقية تبلغ 16.1%. وذلك وفقا للتقرير الصادر من مؤسسة البيانات الدولية IDC  المختصة بدراسة العلامات التجارية للهواتف الذكية وأدائها في الأسواق العالمية والمحلية.

ومن المتوقع أن تصل أرباح الشركة السنوية لهذا العام إلى 125 مليار دولار، أي ما يعادل 96 جنيه إسترليني. ووفقاً لبعض التقارير فإن هواوي تستهدف شحن 250 مليون هاتف إلي الأسواق العالمية في عام 2019، وهذا ما سيسفر عن معدل نمو بنسبة 21%، وتسعي أيضًا لشحن أكثر من 300 مليون هاتف ذكي في عام 2020.

فرصة للمنافسين

من المستفيد من الصدام بين الحكومة الأمريكية وشركة هواوي؟، بهذا السؤال افتتحت مجلة “فورين بوليسي” تقريرها عن الشركات التي قد تستفيد من أزمة هواوي.

وتقول المجلة الأمريكية في تقريرها إن شركة هواوي، استطاعت الاستحواذ على 28% من السوق العالمية لأجهزة المحمول، من خلال تقديم أجهزة عالية الجودة بسعر منخفض، وذلك يعود جزئيًا إلى دعم الحكومة لها في الصين.

وأشارت المجلة، إلى أن الولايات المتحدة حظرت على الوكالات الحكومية والمتعاقدين معها استخدام معدات هواوي، وتفكر بعض الدول الأوروبية في أن تحذو حذوها، ونتيجة لذلك، من الممكن أن تحصل كلًا من نوكيا وإريكسون – وهما شركتان لهما ثقلهما في عالم الاتصالات وتسيطران على 17% و13% من سوق تكنولوجيا الجيل الخامس- على دفعة قوية.

وعلى الرغم من أن نوكيا وإريكسون شركتين كبيرتين في سوق الجيل الخامس، إلا أن “سامسونج” قد تكون في أفضل الأوضاع لجني فوائد المخاوف الأمنية التي تواجه هواوي، وعلى الرغم من كونها جديدة نسبيًا في سوق الجيل الخامس، إلا أن سامسونج تتمتع بموارد جيدة كشركة عالمية رائدة للهواتف الذكية، وهي قادرة على تصنيع الشرائح المتقدمة التي تشكل جزءًا أساسيًا من تقنية الجيل الخامس.

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين