اقتصادالراديو

هل انتهى التضخم في الدول المتقدمة؟.. وما أسباب استمراره في الدول العربية؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

تشهد الولايات المتحدة ارتفاعًا في معدلات التضخم التي وصلت إلى 5%، لتكون بذلك الأعلى خلال أكثر من 10 سنوات، وهو ما يثير كثيرًا من القلق. مؤخرًا قالت جين ساكي، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، إن إدارة الرئيس جو بايدن تركز على منع التضخم من أن يصبح مشكلة في المستقبل.

في حلقة جديدة من برنامج “الناس والاقتصاد”، ناقشت الإعلامية ليلى الحسيني، الموضوع مع الخبير والمحلل الاقتصادي من واشنطن، الدكتور محمد ربيع.

* بدايةً دكتور محمد؛ ما هي الآثار بالنسبة للتضخم؟، وهل لك أن تطرح لنا أمثلة على تأثير التضخم المدمر للحكومات؟

** بالنسبة لدول العالم الثالث هذا يحدث بشكل أساسي، ونفس الشيء قد حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية نوعًا ما، فالتضخم يؤدي إلى فقدان العملة لقيمتها، وذلك بسبب أن الاحتياطي النقدي للبنك المركزي يكون قليلًا، فقديمًا كان الاحتياطي من الذهب، إلى أن جاء نيكسون فألغى هذه القاعدة لأنه لم يكن لدى أمريكا ذهبًا، وأصبح الدولار هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم بدلًا من الذهب، وبالتالي فإن كل هذه الدول لا بد لها من أن يكون لديها احتياطي من الدولار، ثم من اليورو، ثم من الفرنك السويسري وغيرها من العملات.

* قد يتساءل البعض؛ لماذا كان على هذه الدول أن توافق؟

** لأنه لم يكن لديها خيار آخر، فالمشكلة أنها لم تكن تملك أي خيارات، هذا حادث الآن مع الأردن، فقديمًا كانت قيمة الدينار الأردني كبيرة، ولكن البنك المركزي هناك قام بتخفيض قيمته فأصبح يساوي 1.4 من الدولار، لكن البنك المركزي لا يزال يحتفظ بكمية كبيرة من العملات الصعبة لدعم الدينار الأردني، ومن هنا فإنه يحافظ على قيمته.

كما أن العملة الصعبة التي تصل إلى الأردن، معظمها تأتي من تحويلات العاملين في الخارج، وهذا الحال كان موجودًا في لبنان قديمًا، وكذلك في سوريا، وبشكل أكبر كان موجودًا في المغرب وتونس والجزائر ومصر، فالأموال المحولة من الخارج تأتي بالعملة الصعبة، فإذا كان لدى الدولة عملة صعبة احتياطية كثيرة فإن هذا سيساعدها في الحفاظ على قيمة عملتها.

* لو أخذنا مثالًا؛ ما يحدث الآن في لبنان وربما في بلدان أخرى مثل العراق وسوريا، هل ما نراه الآن هو من آثار التضخم؟

** الدولار لم يرتفع، وإنما العملة المحلية هي التي انخفضت أمام الدولار، فالدولار ثابت، وهذا ما حدث في سوريا والعراق، فالحكومة ليست لديها عملة صعبة للاستيراد، فتضطر لطباعة عملة محلية في الداخل كي تعطيها للناس، وبالتالي فإن الموجود في السوق من هذه العملة يزداد، ولا يوجد دعم لهذه العملة من البنك المركزي، خاصةً إذا حدثت أي مشكلة، كأن تطلب الدول الأخرى أموالها أو ما شابه، وبالتالي فإن قيمة العملة المحلية تقل، وهذا ما يؤدي إلى حدوث التضخم، فيمكن أن تشتري الشاي اليوم برقم، وغدًا تشتري نفس الشاي ربما بالضعف.

* الحرب في سوريا مستمرة منذ 10 سنوات، لكن ماذا عن العراق، فالعراق دولة غنية جدًا، لديها نفط وخيرات كثيرة، فما الذي يحدث؟

** الفساد، فالعراق في المركز الثاني من حبث الفساد في العالم، ونجد أن المحاصصة في العراق بين الطوائف والمذاهب المختلفة هي السبب وراء هذا الفساد الكبير، لهذا السبب لديهم مشكلات عديدة في الكهرباء والإنترنت والمواصلات وغيرها، لذا لا توجد عملية بناء، ولا يوجد نوع من الاستمرارية في العمل، كما أن الحديث عن الديمقراطية الموجودة هناك هي أكذوبة لأنها قائمة على المحاصصة، فهذه ليست ديمقراطية وإنما معادلة فساد ثابتة.

وأنا أتذكر أنني قابلت في سنة من السنوات أحد المسؤولين العرب، الذي قال لي إنه لا أحد من عشيرته بلا وظيفة، هذا يعني أنه أخذ الوظائف المتاحة تحت سلطته وأعطاها لأناس من طائفته، بدون حديث عن خبرة أو كفاءة أو غيرها، أتذكر أيضًا أنني عندما كنت في الكويت أجريت دراسة كانت نتائجها أن معدل ما يعمله العامل أو الموظف في وظيفته هي 10 دقائق في اليوم.

* هل نستطيع أن نربط بشكل مباشر ما بين التضخم والفساد، وأن الفساد هو أحد أكبر عوامل التضخم؟

** نعم، طبعا، هذا صحيح، ولكن يجب ان يفهم الإنسان العربي أن الفساد هو ظاهرة وليس سببًا، وهذه الظاهرة تأتي من الترتيبات القائمة في المجتمعات العربية مثل الطائفية والمذهبية والمحاصصة، وطالما بقيت هذه الترتيبات فلن يزول الفساد من أي جزء من الوطن العربي.

* هناك من يرى أن التوقعات أيضا تلعب دورًا في التضخم، فالشركات أو الناس إذا توقعوا أسعارًا أعلى، فإنهم يبنون على هذه التوقعات خلال مفوضات مثلا الأجور أو قيمة الإيجار، وهذا أيضا يسبب التضخم، فكيف ترى هذه النقطة؟

** هذه نقطة صحيحة، ولكن التوقعات تحدث أكثر في وقت الأزمات، وهذا الأثر لا يكون طويل المدى ولا كبير، فالأساس هي الأمور الأخرى التي لها علاقة بالاحتكار والأسعار، فقديمًا في أمريكا كانت السيولة هي السبب الأساسي، عندما كانت الحكومة تقدم على طباعة النقود، أو أن تقبل على الاقتراض، كان هناك خوف لدى المواطن الأمريكي ولدى السياسي الأمريكي، الآن الديون بلغت حوالي 34 تريليون دولار، أي أكثر من 150% من الناتج القومي، وبالرغم من ذلك لا يوجد أي تضخم ولا يوجد أي خوف من هذا الأمر.

في سنة 2001م، أصدرت كتابًا قلت فيه إن التضخم مات وانتهى في أمريكا وفي كل الدول المتقدمة، وهذا ما حدث بالفعل الآن، وحتى في ظل جائحة كورونا، في سنة 2020 قال بايدن عبر التلفزيون إن الشركات الصغيرة ربحت أكثر من تريليون دولار في هذه السنة، لو تم توزيعها على الناس فلن يكون هناك تضخم، لكن مشكلة الاحتكار هي السبب في التضخم.

* جين ساكي، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، قالت إن إدارة الرئيس جو بايدن تركز على منع التضخم من أن يصبح مشكلة في المستقبل، لكن ألا يعتبر التضخم مشكلة الآن؟، ألا ترى أن الدين العام مشكلة بحد ذاتها؟

** لا يستطيع الرئيس أن يقول إنه سيقوم بإيقاف التضخم، هذه عوامل مختلفة في الاقتصاد ولي قرار، والآن نجد أن الديمقراطيين قد تنازلوا كثيرًا في خطة الإنفاق التي يريدون تمريرها، خفضوا الضرائب وقللوا من قيمة الإنفاق، وهم بصدد عمل قانون جديد للضرائب يمكنهم من سد الثغرات الموجودة في النظام الضريبي الحالي، أنا أتذكر رئيس شركة وول مارت عندما قال إن سكرتيرته تدفع ضريبة على دخلها أكثر مما أدفعه أنا على كل أموالي، لأن الضريبة تُحسب بالنسبة.

* دكتور، لدينا مداخلة من السيدة نادية.

*** صباح الخير لكم وللضيف الكريم، سؤالي هل هناك علاقة ما بين الذهب والتضخم؟، وما هي هذه العلاقة إن وجدت؟

** نعم، هناك علاقة قوية، ولكن هذا إذا كان لدى الدولة كمية كبيرة كافية لدعم جزء كبير من العملة المحلية الموجودة في السوق، وبالتالي لن يحدث انخفاض في قيمة العملة، وبالتالي لن يحدث التضخم، بالمناسبة.. الأردن لم يعد بها ذهبًا، فالذهب شحنوه إلى سويسرا منذ عهد الملك حسين، ولم يعد أحد يعرف ما حدث.

* هل هذه المعلومة دقيقة أو هناك وثائق تثبتها؟

** عندما قام نيكسون بإلغاء الذهب كاحتياطي بالنسبة للدولار، أصبحوا من يشترون الذهب هم من لديهم أموال، فأصبحت قيمة الذهب ترتفع، فكانت هذه إشارة من نيكسون إلى عدم وجود ذهب كافي في العالم، فبالتالي أصبحت هذه بضاعة نادرة وعليها طلب عالي، والآن أكثر دولة تشتري الذهب هي أمريكا، ولكن أمريكا لا تعلن عن كمية الذهب التي لديها.

* نعود إلى السؤال الأهم، والذي طرحته إدارة الرئيس بايدن من أنها ستركز على منع التضخم من أن يصبح مشكلة في المستقبل، سنبقي على هذا السؤال قائمًا إلى الحلقة القادمة، كيف برأيك سيحدث هذا؟، وما هي الآثار على المواطن الأمريكي؟، وما هي الحلول التي تراها واقعية وليست افتراضية للتخلص من التضخم في الولايات المتحدة، وكذلك من الدول التي يظهر هذا الامر كارثيًا عليها مثل سوريا والعراق ولبنان وغيرهم من الدول؟

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين