اقتصادالراديو

هل الاقتصاد جزء من التاريخ؟.. ولماذا تقاس درجة الرضا عن الحكام بالأداء الاقتصادي؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

تساؤلات كثيرة حول أهم ما نملكه كشعوب، تاريخنا.. هل نثق فيما كُتِبَ؟، هل نصدقه؟، من يملك الحقيقة؟، ومن يكتب التاريخ وكيف وصل إلينا؟، هل خضع كتّاب التاريخ لأهوائهم أو استجابوا لرغبة حكامهم أم كتبوا لنا الحقيقة كما حدثت؟

نواصل معكم سلسلة حلقات نتناول فيها تاريخ العرب وأمريكا، تحت عنوان “تاريخنا بين الواقع والخيال”، حيث نستضيف عددًا من أهم الخبراء من العالم العربي والولايات المتحدة، لنقدم لكم من خلالهم قراءة جديدة للتاريخ، قراءة حقيقية، من وجهة نظر التاريخ نفسه، وليس من وجهة نظر من كتبه.

خبراؤنا سيقرأون معنا التاريخ، يحللون ويدققون، يكشفون المزيف، ويؤكدون الصحيح، يناقشون المشكوك فيه وما يثار حوله الجدل، ويوضحون ما يلتبس علينا فهمه أو استيعابه من أحداث لم نعرف حقيقتها حتى الآن.

هذه هي الحلقة الثانية مع ضيفنا المميز الدكتور عارف دليلة، الخبير والمفكر السياسي والاقتصادي السوري البارز، حيث جرى خلالها التركيز على محور الاقتصاد، فهل يمكن التزييف حتى في لغة الأرقام، والتي يُقال عنها أنها لا تكذب؟

تزييف الاقتصاد
* أهلًا بك د. عارف في هذه الحلقة الجديدة وإطلالتك الثانية معنا عبر هذه السلسلة من الحلقات الهامة؛ نبدأ معك بسؤال: هل الاقتصاد جزء من التاريخ؟، وهل يمكن للغة الأرقام أن تُزيف، إذ يقال إن لغة الأرقام لا تكذب؟

** الاقتصاد ليس لغة أرقام فقط، فلغة الأرقام هو علم الإحصاء وهو أحد علوم الاقتصاد، أما الاقتصاد فهو الذي يفسر تطور المجتمع البشري، وأهم جانب في الحياة الاجتماعية والتاريخ الاجتماعي هو الاقتصاد، فلا يمكن تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلا من خلال علم الاقتصاد.

وهذا العلم تطور حديثًا فقط، نعم كانت له بدايات منذ أرسطو، الذي كتب كتابات متقدمة جدا، والتي إذا تمت قرأتها اليوم كأنها كتابًا حديثًا، لكن الواقع الاقتصادي كان بدائيًا ومتخلفًا جدا، ومرت بعد ذلك آلاف السنين عبر المجتمعات الإقطاعية ثم النهضة في بداية عصر الرأسمالية، ثم الليبرالية في القرن العشرين.

ونحن الآن في عالم ما بعد الرأسمالية الاحتكارية حيث يسود اقتصاد مختلف جدا عن كل ما عرفناه في السابق، في الأنظمة السابقة كان هناك عالم الإنتاج الحقيقي، هو الذي يحدد كل المعايير والمحددات الخاصة بالنظام الذي يعيش فيه الإنسان.

ولكن في عالم اليوم وما يسمى بالعولمة بعد انتشار الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة والتغيرات الهامة في النظام المالي والنقدي الدولي، أصبح القسم الأكبر من الحراك الاقتصادي يجري في ما يسمى بالعالم الافتراضي، وهذا ما يتطلب مزيدًا من الخيال الاقتصادي الذي كان ضروريًا في البداية لنشوء النظريات الاقتصادية الكبرى.

ولكن الآن مطلوب خيال اقتصادي من نوع جديد، وهو تصور كيف يمكن إدارة الاقتصاد المحلي والقومي والعالمي عبر النقود، بل الىن عبر أشباه النقود، أو النقود الرقمية، والتي هي الآن غير معترف بها رسميًا ولم يستقر التعامل بها بعد.

ولكن هذه التغيرات السريعة في عالم الاقتصاد، جعلت الاقتصاد الحقيقي منفصلًا تمامًا عن الخيال الذي يبدو أنه أخذ حجمًا أكبر بكثير منه، أي أن الاقتصاد الخيالي قد تضخم إلى حد بعيد جدًا، بل الآن يحاول الخروج من تحت سيطرة الحكومات ومصارفها المركزية وأسواقها المالية، ويتحرك في عالمٍ آخر، بعيد عن السيطرة.

تغطية الفشل الاقتصادي
* هناك من يتساءل؛ هل تزوير التاريخ ربما من جانب الحكام ـ لو افترضنا أن الحكام يساهمون في هذا التزوير ـ لتغطية الفشل الاقتصادي؟

** هذا التغير الذي وصفته هي مساحة للتلاعب والتزوير في الاقتصاد الحقيقي، الذي يكتب تاريخ الأمم، فكيف يمكن كتابة تاريخ الأمم بهذه اللغة غير المتعامل بها في الحياة العامة، بين الناس الذين يعيشون بعيدًا جدا عنها، فالأرقام تقول مثلًا إن الناتج أو الدخل القومي في البلد الفلاني أو العالمي، قد بلغ رقم كذا، وأنه ينمو بمعدل كذا، بينما على الأرض وفي الواقع الحقيقي فإنه إلى جانب هذه الأرقام الخيالية، الناس تزداد بؤسًا وفقرًا وجوعًا وتطلبًا إلى أبسط شروط الحياة الضرورية.

فهنالك إذن خلق لحالة من الوهم كي تعيش عليه الشعوب بدلًا من الغذاء الحقيقي الذي يعيش عليه الكائن البيولوجي، وهذه هي الكذبة الكبرى التي تكذبها الأنظمة والطبقات السائدة على عامة الناس الذين يشكلون 80% على الأقل من البشرية، وهم يعيشون على الوهم وعلى هذه الكذبة الكبرى.

تزوير الأرقام
* إذا كانت الأحداث التاريخية قابلة للتزييف لأنها وقائع مختلف عليها، إذن كيف يمكن تزييف الأرقام والحقائق الاقتصادية؟

** هناك مثل فرنسي على ذلك يقول إن “الإحصاء يؤكد أن كل فرد في فرنسا يستهلك دجاجة واحدة أسبوعيًا، بينما الواقع يقول إن جاري يستهلك دجاجتين وأنا أنام جائعًا”، إذن عندما يقولون لك إن معدل دخل الفرد مثلًا الوسطي في البلاد هو ألف أو 10 آلاف أو حتى 30 ألف دولار، فإن هنالك 70% أو 80% أو 90% من الناس، على حسب البلدان، لا يحصلون إلا عن نسبة بسيطة من هذا المبلغ، بينما هناك واحد في الألف أو واحد في المليون يحصلون على مئات الملايين من الدولارات.

فهنا يبدو التلاعب بالأرقام، وبالتالي طمس وتغطية حقيقة الواقع، وهو الحقيقة التي يعيشها الناس في مختلف البلدان، وسابقًا قبل 50 عامًا، وتحديدًا بعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين على أساس أيديولوجي؛ أحدهما المعسكر الاشتراكي أو الشيوعي، والذي قال إنه سيؤمن المساواة بين جميع الناس وسوف ينقلهم إلى مجتمع الرفاه والسعادة، الخالي من الهموم والمشاكل المادية، والآخر يقول إنه يقدم للناس الحرية التي تسمح لهم بالتباري والتنافس، وهذا ما يشجع على مزيد من الإبداع والتقدم، لكن يبدو أن لا هذا ولا ذاك قد حقق شيئًا من وعودهم.

بل على العكس، استخدموا هذه الوعود من أجل تحقيق غايات السلطات القائمة على كل من النظامين، وفي تنافس غير شريف يهدر ويستنزف معظم الناتج الفائض في جميع البلدان، أما الناس فبقيت على بؤسها وعلى حاجتها المتزايدة يومًا عن آخر.

درجة رضا الشعوب
* لماذا تقاس درجة الرضا عن الحكام بالأداء الاقتصادي في معظم بلدان العالم؟

** هنالك وسيلتان أساسيتان، في المجتمعات المتقدمة تلاحظين أن النقاش الرئيسي يدور حول الوضع الاقتصادي، في المناسبات الهامة مثل الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية والتنافس الحزبي وما إلى ذلك، يكون الموضوع الاقتصادي هو الموضوع الأساس، كلُ يقدم أرقامًا حول الواقع مختلفة بل متناقضة مع الأرقام التي يقدمها الآخر، وأيضا حول المستقبل الذي ينشده، وحول الوسائل والأدوات والسياسيات والاستراتيجيات التي سيتبعها.

وعلى أساس هذا التنافس، فإن المجتمع الذي يفترض أنه بلغ درجة كافية من الوعي ليقيم ويحلل ويفضل هذا على ذاك، هو الذي ينتخب ويختار، ولكن مع ذلك ـ للأسف ـ غالبًا ما يجدون أنفسهم قد وقعوا في الخديعة، وأن كل الوعود تذهب جفاءً>

ورغم ذلك فإن المجتمع كلما كان أكثر وعيًا وتقدمًا، كلما كان الاقتصاد هو المعيار الأكثر أهمية في الرضا أو الرفض للحكام، أما في المجتمعات المتخلفة، فغالبا بسبب طبيعة النظم البعيدة عن الديمقراطية، وطبيعة النظم التقليدية القائمة على الجوانب العاطفية في المجتمعات المتخلفة التي يسود فيها الجهل والأمية وانعدام الوعي التحليلي.

وغالبا ما تحاول السلطات الحاكمة أن تستخدم الأيديولوجيات المضللة، ومنها غالبا الأيديولوجيات الدينية والقبلية والعشائرية، لتنفخ في النار روح التأييد وإقناعهم بأنهم هم الذين يخدمون طموحاتها وتطلعاتها وآمالها، وهنا الخديعة الأكبر، وتكون أكبر بكثير مما هي عليه في المجتمعات المتقدمة، لذلك نلاحظ أن أكثر من نصف قرن أن هذه الشعوب والمجتمعات ـ باستثناء عدد قليل منها ـ هي التي كانت قياداتها هي الأكثر نزاهة وإخلاصًا والممثلة الحقيقية للمصالح الوطنية والشعبية لعامة الناس.

دور الإعلام
* لدينا سؤال من إحدى المستمعات.
*** هل ساعد الإعلام الفاسد المدعوم حاليًا بهذا التزوير الاقتصادي؟

** بالنسبة للسؤال الأول: نعم، الإعلام يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا أو دورًا سلبيًا، ولكنه يطغى عليه تماما الدور السلبي، لأنه لا يوجد فعليًا إعلام مستقل ونزيه ووطني وإنساني بكل المعاني الإيجابية، فهو نادر جدا، والإعلام دائما تابع لمن يموله، وللمصالح الفاسدة التي تقف ورائه والتي تخدم نفسها قبل أن تخدم الناس والمجتمع، فللأسف الإعلام يلعب هذا الدور السلبي، وبالأخص في المجال الاقتصادي ويبعد الناس عن الحقائق ويصرفهم في اتجاهات مغلوطة ولا تخدم مصالحهم، بل تساعد أعدائهم على تجاوز هذه المصالح.

طبعا هناك في العالم عدد من المفكرين العظام، الذين يهتمون بالحقائق، والكشف عن الأسباب وتقديم نتائج بحوثهم النزيهة إلى الناس، هؤلاء موجودون في كل المجتمعات، ولكن أقل ما يُهتم بهم هم العلماء للأسف، سواء من قبل الإعلام العام أو الخاص، وهؤلاء كتبهم ثمينة جدا وأفكارهم كذلك، ولكن الجامعات لا تطلق لهم فرصة لكي يصلوا ويعلموا وينقلوا أفكارهم وتجاربهم إلى الأجيال، بل في كثير من المجتمعات يصبحون هم العدو الأكبر الذي يجب أن يُحارب، وقد يسجنون أو يقتلون بكل بساطة.

علم أخلاقي أم غير أخلاقي؟
ويخطر ببالي سؤالًا الآن حول الاقتصاد؛ هل هو علم أخلاقي أم غير أخلاقي؟، بهذا التعريف القاسي والمباشر جدا، كنت قد كتبت ونشرت في مجلة العربي الكويتية، في أواسط النصف الأول من الثمانينات، مقالًا قارنت فيه بين الفكر الاقتصادي السائد في الجامعات العربية وحتى الأجنبية، وبين الفكر النقدي الآخر لهذا المنهج السائد، ففي هذا المنهج السائد يريدون تحييد علم الاقتصاد عن الحياة الإنسانية والاجتماعية، وجعله علمًا يهتم بالأشياء فقط، بالأرقام والنقود والمصالح الخاصة الضيقة.

وهنالك الاتجاه النقدي الآخر، وهو الذي يعتبر أن علم الاقتصاد هو أداة أساسية لخدمة الإنسان، وليس لخدمة المصالح الخاصة المعادية للإنسان، وكتبت هذا المقال بعنوان “الاقتصاد.. هل هو علم أخلاقي أم غير أخلاقي؟”، وقارنت فيه بين كتاب يُدرس في جميع الجامعات العربية وكان في ذلك الوقت يُطبع للمرة التاسعة، وهو منسوخ عن كتابات غربية معروفة في الجامعات حول الماكرو والميكرو إنكونوميكس، والتي تنطلق من هذا المبدأ؛ أن الاقتصاد لا يهتم بالإنسان ولا الأخلاق، وإنما يهتم بالمادة والأرقام والكميات فقط.

وفي المقابل عرضت وجهات نظر أخرى لمفكرين آخرين، منهم على سبيل المثال.. مفكر سويدي كبير حائز على جائزة نوبل في الستينات والسبعينات وهو جونار ميردال، وكتابه “الدراما الآسيوية”، حيث كان خبيرًا في دول جنوب شرق آسيا ودرس مجتمعاتها عن قرب، ونال جائزة نوبل على ذلك، وكذلك المفكر الذي عمل مع الرئيس الباكستاني الوطني “علي بوتو” في بداية السبعينات، وهو محبوب الحق، الذي أصبح مديرًا لبرنامج التنمية للأمم المتحدة، وفي كتاب “ستار الفقر”، وهذان الرجلان يمثلان الجانب الإنساني في الاقتصاد.

تطور الاقتصاد
وطبعا لا ننسى أن الاقتصاد تطور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وظهرت النظريات الاقتصادية الكبيرة عند آدم سميث وديفيد ريكاردو وكارل ماركس وغيرهم، ورغم الاتجاهات المتناقضة فقد كان هناك خيط مشترك بين هؤلاء المفكرين في بدايات ظهور علم الاقتصاد، وبالتحديد في علم الاقتصاد السياسي الذي هو فلسفة الاقتصاد، وبعد ذلك تعمق الانقسام بين اتجاهين؛ الاتجاه البرجوازي الرأسمالي، والاتجاه الاشتراكي الشيوعي، وحتى ظهر نظامين كل منهما يدعي أنه ينتمي إلى هذا أو ذاك.

ولكن حتى النظام الرأسمالي كان بعيدًا عن نظريات مؤسسيه والمفكرين البرجوازيين الأوائل الذي كانوا يمثلون الإنتاج الحقيقي، بما فيه المالكين الرأسماليين أو العمال المنتجين، وأيضا في الجانب الآخر فقد ظهرت الدولة التي حلت محل المجتمع في التطبيق، تطبيق الاشتراكية والشيوعية، وبالتالي لم تتحقق غاية منظري هذا التيار، ولذلك فشل هذا وذاك، والآن النظامان فاشلان في تحقيق حتى أهداف منظريهما الكبار أو الأوائل.

واقع غير حقيقي
* دكتور دليلة؛ إلى أي مدى من الممكن أن نعتبر ان ما يصدر لنا من واقع اقتصادي عربي وعالمي حقيقي؟

** معظم ما يُصدر لنا هو غير حقيقي، ويحتاج إلى جهود كبيرة فكرية وإعلامية ونظرية وتحليلية، ولكن للأسف الذين يعملون في هذا الميدان شبه معدومين، والذين يتعاملون مع الحقائق قليلين جدا ومنبوذين إلى أبعد حد، فلا يريد أحد من قوى الأمر أن يعترف بهم، أو يقبل سماعهم حتى، لا في التلفزيونات ولا وسائل النشر، بالإضافة إلى أنه ليس هناك من يتعهد بهؤلاء المنظرين والمفكرين والمحللين، بل يريدون منظرين ومحللين ومفكرين سوقيين، يعتمدون على ما يخدم السوق وحركة الأسعار والأرباح الخاصة.

* نشكرك جزيل الشكر، دكتور عارف دليلة، وعلى وعد بالعودة مجددًا معك في حلقة جديدة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين