اقتصادتقارير

لبنان على مشارف أزمة اقتصادية ومخاوف من تسونامي غلاء قادم

علي البلهاسي

لا زالت التحذيرات تتوالى من حدوث أزمة اقتصادية وشيكة في لبنان، وسط مخاوف بين المواطنين من موجة تسونامي قادمة لغلاء الأسعار في ظل تلميحات الحكومة لقرب اتخاذ إجراءات اقتصادية قاسية ومؤلمة.

آخر هذه التحذيرات جاءت عن طريق النائب الأول لرئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يورجن ريجتيريك، الذي أكد أن المؤشرات الاقتصادية الحالية للبنان، تفيد بوقوع أزمة وشيكة، مشددًا على وجوب إجراء إصلاحات اقتصادية ضرورية، قائلاً: “بحسب خبرتنا، إن الإصلاحات قد تكون مؤلمة، ولكن البديل عنها مؤلم أكثر، ونعتقد أنه بفضل الحكومة الحالية، لبنان مستعد لاتخاذ هذه الخطوات”.

 

إصلاحات مهمة

وتأتي تصريحات ريجتيريك عقب لقاء عقده مع وزير المالية اللبناني علي حسن خليل، وأضاف: “نحن في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، نشعر أن هناك حاجة لإصلاحات مهمة وجريئة، خاصة على صعيد تصحيح أوضاع المالية العامة وقطاع الطاقة”، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء سعد الحريري ووزير المالية علي حسن خليل، أكدا له على دقة وخطورة الأوضاع، وهو ما يتطلب سرعة إقرار الموازنة الجديدة للبلاد.

وسبق وتعهدت الحكومة اللبنانية أمام مجموعة الدول المانحة والداعمة للبنان، وفي بيانها الوزاري أمام المجلس النيابي، بخفض عجز الموازنة الذي وصل إلى خلال عام 2018 إلى ما يزيد عن 6 مليارات دولار، بنسبة 1% سنويا لمدة 5 سنوات، وسط مخاوف من تدهور مالي واقتصادي شديد حال عدم اتخاذ إجراءات تصحيحية سريعة.

 

أزمة اقتصادية

ويشهد لبنان أزمة اقتصادية حادة، حيث يعاني من تباطؤ في معدلات النمو الذي لم يتجاوز 1%، كما تبلغ نسبة الدين العام اللبناني إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 150%، فضلا عن تراجع كبير في كفاءة وقدرات البنى التحتية للبلاد.

ويؤكد المسئولون الدوليون والوفود الاقتصادية الدولية التي تزور لبنان، خاصة من الدول والمؤسسات المانحة في مؤتمر (سيدر) أن إقرار موازنة العام الجديد مصحوبة بإجراءات تقشف وخفض الإنفاق، يمثل أحد أوجه الإصلاحات الجوهرية التي يطالب بها المجتمع الدولي حتى يمكن له مساعدة لبنان ودعمه.

ويعول الاقتصاديون على الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري، للبدء في إجراء حزمة من الإصلاحات الحاسمة في الاقتصاد والهيكل المالي والإداري للدولة، حتى يتسنى للبنان الحصول على المقررات المالية التي تعهدت بها مجموعة الدول والمؤسسات العربية والدولية المانحة خلال مؤتمر سيدر.

واستضافت العاصمة الفرنسية باريس في شهر أبريل 2018، مؤتمر سيدر الذي أسفر عن منح وقروض ميسرة بقيمة تقارب 12 مليار دولار لصالح لبنان لدعم اقتصاده والبنى التحتية به، شريطة إجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية وهيكلية.

 

انهيار وشيك

من جانبه أكد وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، أهمية اتخاذ سلسلة من الخطوات والإجراءات السريعة التي تستهدف خفض الإنفاق العام وإصلاح الوضع الاقتصادي لإيقاف التدهور الراهن، مشيرا إلى أن تلك الإجراءات قد تتسم بالصعوبة غير أنها تمثل ضرورة مُلحة، مع التأكيد على وجوب أن تكون عادلة ولا تتضمن فرض أية ضرائب جديدة.

وقال الوزير أبو سليمان، في حديث اليوم الاثنين لإذاعة لبنان الحر، إن نسبة الدين العام للناتج المحلي في لبنان بلغت 150%، وتمثل ثاني أعلى نسبة في العالم، إلى جانب نسبة خدمة الدين التي وصلت إلى 52 % وهي النسبة الأعلى عالميا، محذرا من تزايد هذه النسب إذا لم يتم التحرك سريعا، مضيفا:” وإذا وصلت خدمة الدين إلى 100% فكل ما يتم إدخاله من أموال سيذهب تسديدا للدين”.

وحذر وزير العمل من حدوث انهيار اقتصادي في لبنان، مشددا على أنه حال وقوعه سينعكس الضرر على الجميع وليس على فئة بعينها وحدها، وهو ما يتطلب خفض النفقات بصورة سريعة.

ولفت إلى أن الحكومة اتخذت قرارا بوقف التوظيف في كافة مؤسسات الدولة، مضيفا: “الوضع صعب وعلينا اتخاذ الأمور بجدية ووقف الوظائف الوهمية والعشوائية، خاصة وأن ثقة المجتمع الدولي في لبنان منعدمة جراء قرارات مالية سابقة اتخذت على نحو غير مسئول” على حد تعبيره.

وأشار إلى أن معالجة الوضع الاقتصادي تتطلب وعيًا سياسيًا كافيًا بعيدًا عن المزايدات والشعبوية والذهاب إلى خطة عملية “لأنه إن لم تتخذ القرارات المناسبة، سيتخذ صندوق النقد الدولي بعد تفاقم الأزمة القرار بالإنابة عن لبنان” على حد قوله.

 

قرارات صعبة

كان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، قد أكد أن لبنان مقبل على مجموعة من القرارات الصعبة التي تتعلق بالموازنة العامة وإجراء الإصلاحات الاقتصادية، مشددا على أن جميع القوى والتيارات السياسية ينبغي لها أن تتشارك في مسئولية اتخاذ هذه القرارات الضرورية “التي سيتأثر بها الجميع في البلاد، وعدم الانشغال بالمهاترات وتبادل الاتهامات”.

وقال الحريري: “لبنان يواجه صعوبات كثيرة وهي بحاجة إلى العمل الجدي وعلينا أن نواجهها، فهناك قرارات يجب أن نتخذها وهي تصب في مصلحة المواطن اللبناني، سواء في ما يتعلق بمقررات مؤتمر سيدر أو في شأن الإصلاحات التي يجب أن نقوم بها”.

وأضاف: “أنا على ثقة أن كل الفرقاء السياسيين يريدون مصلحة البلد الذي يجب علينا جميعا أن نضحي من أجله، وهذا الأمر يجب أن يتم بأسرع وقت ممكن واعتبارا من الغد. وسنبدأ بملفات قطاع الكهرباء والموازنة وكل ما له علاقة بالإصلاحات”.

وأشار إلى أن المسئولية أصبحت تقع على عاتق جميع الفرقاء السياسيين لإجراء الإصلاحات “التي يجب ألا يتحملها فريق سياسي واحد”.. مضيفا: “وإذا كان هناك فريق سياسي يعتقد أن باستطاعته أن يحمل الآخرين كل المشاكل التي يشهدها لبنان، فهو مخطئ، فهذه المشاكل التي نعيشها، متراكمة منذ زمن ومن بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري”.

ولفت إلى أن البيان الوزاري للحكومة الجديدة، تضمن خطة وافق عليها الجميع، تتضمن ماهية مؤتمر دعم الاقتصاد اللبناني (سيدر) والإصلاحات المرتبطة به، وسبل محاربة الفساد والإهدار، متعهدا أن تعمل الحكومة على تعزيز الوضع الاقتصادي للبلاد واللبنانيين.

وقال: “الإصلاحات والإجراءات التي سنقوم بها، سيتأثر بها الجميع، ولكن أقل واحد سيتأثر بها هو المواطن اللبناني، وأكثر من سيتأثر بها هي الإدارة اللبنانية. علينا جميعا أن نشد الأحزمة وأن نحارب الفساد والإهدار وننفذ مشاريع الكهرباء كما وعدنا المواطنين”.

وتشير مصادر في تيار المستقبل إلى أن رئيس الحكومة سعد الحريري يستعد لتقديم رؤية اقتصادية متكاملة، تشمل «إصلاحات إدارية ‏ومالية ومشروع قانون الموازنة العامة الحالي وخطة ‏الكهرباء التي تناقشها حالياً اللجنة الوزارية برئاسته؛ لتجنيب البلاد خطر الإفلاس» لاسيما مع توالي الإشارات الدولية، سواء من حكومات الدول المانحة او من وكالات التصنيف الائتماني (موديز، فيتش، ستاندر آند بورز)، التي تحذر من ملامسة لبنان شفا الانهيار المالي وتحض على ضرورة المباشرة بالإصلاحات لإعادة الثقة الى الاقتصاد اللبناني.

 

موازنة تقشفية

تواجه الحكومة اللبنانية تحديات اقتصادية ومالية، يتصدرها ملفان: معالجة ازمة الكهرباء، وإقرار موازنة 2019. إذ تُعتبر معالجة هذين الملفين شرطا اساسيا لتنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» الذي بات بمنزلة خشبة الخلاص الوحيدة لإبعاد لبنان عن خطر الإفلاس.

ويشترط تسييل قروض «سيدر» إقرار موازنة تقشفية تثبت بالأرقام خفض العجز بنسبة %5 على خمس سنوات؛ أي بمعدل %1 سنوياً، ما يعني نحو 560 مليون دولار سنوياً، ومعالجة أزمة الكهرباء التي تستنزف الخزينة وتزيد أعباء الدين العام.

وكتبت الصحفية بولا أسطيح مقالًا في صحيفة “الشرق الأوسط”، بعنوان:”لبنان على موعد مع موازنة تقشفية ـ إصلاحية”، جاء فيه: “يترقب اللبنانيون أن يطرح وزير المال علي حسن خليل موازنة العام 2019 على طاولة مجلس الوزراء بعد الانتهاء من مراجعة نهائية لجدول خفض النفقات الذي سيلحظ بشكل أساسي بحسب المعنيين خفض موازنات أكثر من وزارة، وأبرزها وزارتا الصحة والشؤون الاجتماعية، ما سيؤدي إلى إجراءات “قاسية وغير شعبية”، بدأ عدد من النواب بالتمهيد لها.”

وأشارت أسطيح إلى أنه “بعد إعلان عضو تكتل “لبنان القوي” نعمة أفرام عن اتجاه خلال الأسبوعين المقبلين لطلب “إصلاحات تقشفية كبيرة غير شعبية تلبية لالتزامات مؤتمر سيدر وإنقاذ البلد”، أكد مقرر لجنة المال والموازنة النائب نقولا نحاس أن الموازنة الجديدة ستلحظ “إجراءات قاسية” تطال النفقات التي اعتاد عليها اللبنانيون في السنوات الماضية، لافتا إلى أنه “بات واضحا للجميع أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما كانت عليه، وقد آن أوان شد الحزام، وهذا ما سيلمسه اللبنانيون لمس اليد بما ستضمنه الموازنة”.

 

غطاء سياسي

من جهته، شدد مصدر نيابي على وجوب أن تذهب الحكومة بسياستها المالية الجديدة أبعد من عصر النفقات باتجاه تخفيض الرواتب وعدد الموظفين في القطاع العام، لافتا في تصريح إلى أن “قرارات مماثلة ستلقى اعتراضا كبيرا في الشارع، لكن في حال قررنا مواجهة الوضع الصعب جدا الذي نرزح تحته، فإن طرق هذا الباب سيكون ملحًا جدًا، على أن يكون هناك غطاء سياسي كبير من كل القوى السياسية دون استثناء، لأن المضي بالسياسة التي نتبعها اليوم سيجرنا إلى الانهيار الشامل”.

 

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين