اقتصادالراديوبرامجنا

التعايش مع كورونا.. كيف تفتح أمريكا الاقتصاد بأقل الخسائر؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

بعد قرار التعايش مع .. كيف تفتح الاقتصاد بأقل الخسائر؟؛ خاصةً وأن الفيروس يشكّل أزمة أصابت كل جوانب الحياة، وفتحت الباب أمام المختصين والباحثين لدراسة آثار الجائحة، وكيف ستؤثر في شكل النظام الدولي فيما بعد.

فقد تجاوز عدد وفيات فيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 100 ألف حالة، ومع ذلك تواصل عدة ولايات ومن بينها ، التي تعتبر العاصمة الاقتصادية وبؤرة المرض في البلاد، إعادة فتح اقتصادها بحذر.

في فقرة “الناس والاقتصاد”، على راديو صوت العرب من أمريكا، تناولت الاعلامية “ليلى الحسيني” هذا الملف الهام مع البروفيسور “محمد ربيع”، أستاذ الاقتصاد الدولي.

وناقشت الفقرة العديد من التساؤلات الهامة، فهل سيتم تخفيف حدة الإجراءات الاحترازية وإعادة فتح الاقتصاديات تدريجيًا مرة أخرى للحد من التداعيات الكارثية لجائحة الفيروس؟، وهل إنقاذ يتوقف على إعادة فتحه؟.

جديرٌ بالذكر؛ أن البروفيسور “محمد ربيع”، قام بالتدريس في أكثر من 13 جامعة في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي، وقد أصدر حتى الآن 46 كتابًا باللغتين العربية والإنجليزية.

كورونا
بدأت الحلقة باستعراض تقرير سريع من الـCNN يؤكد أن هناك الكثير من الأدلة على أن الوباء أحدث ضررًا حقيقيًا على الاقتصاد الامريكي، فقد تقلص الاقتصاد للمرة الأولى منذ ما يقرب من 6 سنوات في الربع الأول، فالناتج المحلي هو المقياس الأوسع لقوة الاقتصاد الأمريكي.

وشهد الربع الأول أكبر معدل انكماش منذ الأيام المظلمة للركود العظيم، ففي الربع الأخير من عام 2008، انكمش الاقتصاد بنسبة 8.4%.

ولم تكن هذه سوى البداية؛ فقد حدثت معظم الأضرار في الأسبوعين الأخيرين من شهر مارس وأبريل، إذ تمّ إغلاق أجزاء كبيرة من الاقتصاد الأمريكي، استجابة لانتشار فيروس كورونا.

حدث كل ذلك بسرعة، وهوى الاقتصاد بشكل كبير، ولا زالت التوقعات للربع الثاني مروعة، إذ سيترواح الانخفاض بين 20% إلى 40%، وهذا أسوأ من الكساد العظيم.

وبإجراء مقارنات بسيطة للكساد الاقتصادي عبر التاريخ، سنجد أن الكساد العظيم كان عبارة عن هبوطين، فبحسب المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية وهو كاتب الحسابات الرسمي لحالات الازدهار والكساد.

فقد حدث تراجع حاد من عام 1929 إلى عام 1933، ومرة أخرى من عام 1937 إلى عام 1938، ولم يعد الاقتصاد إلى طبيعته حتى عام 1940 تقريبًا.

الفارق الهام هذه المرة؛ أن أمريكا بات لديها شبكة أمان، ومدى نجاحها سيقرر ما إذا كان هذا الكساد بالاسم فقط، فلدى البلاد الأدوات اللازمة لمنع الركود من أن يصبح كسادًا.

وقد أعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي عن دعم غير محدود وتاريخي لأسواق الائتمان، وقد أنفق الكونجرس حتى الآن ما يقرب من 2.5 مليار دولار في صناديق الإنقاذ، وهذه هى مدفوعات التحفيز وتعزيز إعانات البطالة والإعفاء الضريبي والقروض والمنح للأعمال التجارية.

وإلى تفاصيل الفقرة:

مسكنات اقتصادية
* د. ربيع؛ لو بدأنا بالحديث عن حزم التحفيز “stimulus packages”، التي يرى البعض أنها لم توفِ بالغرض، وكأن كل هذه المليارات التي صُرِفَت لم تُصرف في مكانها الصحيح!، فهل تتفق مع هذا الطرح؟

** بكل تأكيد فإن كل الأموال التي صُرِفَت هى عبارة عن مسكنات لهذا المرض الاقتصادي، لكنها لا تداوي المرض، أتحدث هنا عن علاج الاقتصاد الأمريكي وليس علاج كورونا.

فقد تضرر الموظف والعامل الأمريكي بدرجة قوية جدًا، وليس من السهل أن يشفى من هذا الضرر بسهولة، ومن الواضح من خلال الأخبار التي نسمعها، والشكاوي التي نسمعها من المواطنين أن معظمهم قد أصبح لديهم .

وحتى الخطوط التي يمكنهم الاتصال عليها لطلب الإعانة، في أغلبها تكون مغلقة، وهناك ولايات متشددة مثل فلوريدا على سبيل المثال، حيث ترفض الكثير من الطلبات التي تأتيها، فقبل فترة رفضت 50% من الطلبات التي تأتيها.

وهذا يعطينا تصور أن الحكومة لم تكن مستعدة أصلًا لأزمة كهذه، وأنه لم تكن هناك أي خطة لدى أمريكا كدولة لكي تواجه مثل هذه المشكلة، لا على المستوى الصحي ولا على المستوى الاقتصادي.

وبالتالي فإن ما تم حتى الآن مجرد محاولات، ولو رجعنا إلى أزمة عام 2008، سنجد أن رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي في ذلك الوقت، قال إنه عندما بدأوا إجراءات التعويضات وتخفيض سعر الفائدة لم يكونوا يدركون ماذا يفعلونه.

وبالتالي فما يحدث الآن هو مجرد تجارب، لأنه لا توجد أي خطة يمكن الاعتماد عليها، وهذه مجرد مسكنات لن تعطي النتائج التي يتوقعونها.

وأنا تحدثت عن هذه النقطة قبل حوالي شهر، عبر أثير إذاعتكم، عندما كانوا يتحدثون عن عودة النمو الاقتصادي، فقلت حينها إنه مستحيل، فلابد من وقت طويل كي يعود كما كان، وأنا أعتقد أنه على المدى الطويل لابد من الاقتصاد الأمريكي ككل.

توظيف المساعدات
* لو تحدثنا عن حزمة المساعدات التي طالت قطاعات كثيرة، بخلاف البطالة، فهناك من يقول إن توزيع المساعدات كان غير مخطط بطريقة جيدة، فالبعض حصل على 1000 دولار في الأسبوع، وهذا قد يكون أكثر من دخله أثناء العمل، فعلى أي أساس بنت الحكومة الأمريكية هذه الأرقام؟، وهل كان من الممكن أن تخصص هذه الأموال بطريقة أفضل، على سبيل المثال لتحسين قطاع الصحة المتضرر بشكل كبير؟

** نعم، هذا صحيح، ويعود لما ذكرته في البداية، أنه لم يكن لدى أمريكا خطة تعتمد عليها، فإذا لم يكن هناك خطة.. فإننا نجرّب، وبالنسبة للمساعدات فقد أعطت مردودًا سلبيًا بدلًا من أن تعطي مردودًا إيجابيًا، فمن يحصل على 600 دولار كمساعدة (وهذا رقم أعلى مما كان يحصل عليه أثناء عمله)، فإنه لا يريد أن يذهب للعمل مجددًا.

صحيح أن هذا يساعد الناس من الناحية الإنسانية، لكنه لن يستمر للأبد، فالقانون يحدد مدتها من 3 إلى 6 أشهر، وفي اعتقادي أن نسبة البطالة الآن قد أصبحت من 30 إلى 35% في أمريكا.

وعندما نتحدث عن الركود فهو في واقع الأمر تراجع في الاقتصاد، فالركود يعني التوقف التام، وهذا التراجع تقريبا 30% في الربع الأول، وقد يصل لـ40% في الربع الثاني.

وأنا كنت أعتقد أنه سيتراجع بمقدار 30% أيضا في الربع الثاني، وفي الربع الثالث بكل تأكيد لن ينمو الاقتصاد، وبشكل عام سيتراجع الاقتصاد الأمريكي بمقدار الثلث، وقد يتراجع حجم اقتصاد أمريكا ليصبح أقل من الاقتصاد الصيني.

بطالة مرتفعة
* هناك دراسة حديثة تقول إن نسبة البطالة في أمريكا قد تبلغ حوالي 20%، فالأرقام قد وصلت 33.5 مليون، فما تعقيبك د. ربيع؟

** البطالة الآن أظن أنها قد ارتفعت إلى 39 مليون بحسب آخر الاحصائيات الرسمية خلال الأسبوع الماضي، ولكن في الواقع فإن هذه التقارير أقل من الحقيقة بكثير، والسبب أن هناك أشخاص كثيرون لا يمكنهم تقديم طلبات إعانة بطالة، وهؤلاء غير محسوبين ضمن الأرقام المعلنة، مثل أصحاب المطاعم المغلقة على سبيل المثال.

فلو تمّ حساب كل هذه الأرقام، فأظن أن البطالة بأمريكا ستكون فوق الـ 30% بكل تأكيد، فالطريقة التي يتم احتساب العاطلين بها غير دقيقة، إذ تحصي العاطلين عن العمل الذي يبحثون عن عمل فقط، لكن لو كان هناك شخص عاطل ولا يبحث عن عمل، فلا يتم احتسابه.

إنقاذ الاقتصاد
* في برنامج سابق كان السؤال الذهبي هو: الصحة أم الاقتصاد؟، الآن ونحن نقترب من تراجع الاقتصاد الأمريكي.. فهل يتوقف إنقاذ الاقتصاد على إعادة فتحه؟

** فتح الاقتصاد يساعد في تحسنه بكل تأكيد، لكن أنا أعتقد أن هناك حاجة لإعادة هيكلة الاقتصاد الأمريكي، ففي السبعينات كانت معدلات النمو في أمريكا في حدود 6%، وفي الثمانينات قلّت لحوالي 4 أو 5%، وفي التسعينات كانت 4% تقريبًا، وفي الوقت الحالي نجدها 2.1% فقط!

والتراجع الحادث يعود إلى تركز الثروة في يد الأثرياء الذين تبلغ نسبتهم تقريبًا 1% من السكان، ويملكون 50% من ثروات البلاد، لذلك فإن حوالي 25% من الدخل يذهب لهذه الفئة.

وهذه الفئة لا تصرف أو تستهلك بشكل مكثف مثل باقي الفئات، ولذلك عندما يقل دخل باقي الفئات، فإن استهلاكهم سيقلّ، وبالتالي سينخفض معدل الاستهلاك العام في أمريكا، والذي يمثل 70%، وبالتالي يقلّ معدل النمو في النهاية.

السياسة والاقتصاد
* هل نستطيع القول إن السياسة قد طغت على الاقتصاد وعلى المصلحة العامة في مواجهة جائحة كورونا؟

** الذي انتصر هو الاقتصاد على السياسة، وليس العكس، لذلك نجد أن السياسة الآن مُسَخّرة لخدمة الاقتصاد ورجال الاقتصاد، وأنا أعتقد أن سقوط الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، كانت آخر معركة تخوضها السياسة ضد الاقتصاد، وقد انتصر الاقتصاد فيها.

ولو نظرنا إلى عام 2010؛ سنجد أن 51 شركة في العالم، وهم أكبر من أكبر اقتصاد في العالم، الآن صاروا 96 شركة، فهناك شركات لديها اقتصاد أكبر من أفريقيا كلها، وهذا التركز للثروة في أيدي القلّة هو الذي يقتل العملية السياسية، وبالتالي على حساب المصلحة العامة، وبالذات الإنسان والشعوب الفقيرة.

إعادة فتح الاقتصاد
* برأيك؛ كيف نفتح الاقتصاد بأقل الخسائر، عبر حلول منطقية على المدى القريب والمدى البعيد؟

** أعتقد أن البرنامج الذي أعلنه “” هو برنامج معقول، لأنه وضع شروطًا معينة لفتح الاقتصاد، فالمرض موجود، وعلينا أن نتحاشاه قدر الإمكان، ولو نظرنا لألمانيا وطريقة تعاملها مع الإغلاق، سنجد أن الحكومة تحملت 90% من الأجور، فيما تكلفت الشركات 10% فقط، ولذلك عند إعادة فتح الاقتصاد سيتم فتحه بنسبة 100%، وفي كانت الحكومة تدفع 80%.

أما هنا؛ فقد قطعنا العلاقة تمامًا، وتولّت الحكومة الدور بأكمله، دون النظر إلى ما قامت به الدول الأخرى، وهذه كانت عملية خاطئة بالأساس، وعند فتح الاقتصاد سيكون الفتح جزئي وفي بعض المناطق، ولكن عند إعادة الفتح بالكامل ستكون ردة الفعل سلبية جدًا.

وبكل تأكيد فإن الأشخاص الذين لا يلتزمون بالتعليمات هم جزء من المشكلة، وأغلبهم لا يؤمنون بها، ويؤمنون بنظرية المؤامرة بخصوص هذا المرض، وسيبقى الخطر قائمًا إلى أن يتم إيجاد اللقاح المناسب، وختامًا.. أكرر مجددًا أن الاقتصاد بحاجة لإعادة الهيكلة حتى يتعافى على المدى الطويل.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: