أخبار أميركارأي

لماذا يجب إنهاء العلاقة الأمريكية الخاصة مع إسرائيل؟

الدعم غير المشروط لإسرائيل اليوم يخلق مشاكل لواشنطن أكثر مما يقدم من حلول

يبدو أن تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، والاعتداءات التي طالت مدينة القدس وعمليات التهجير القسري بحي الشيخ جراح سيستمر صداها طويلًا.

فقد خلقت الأحداث تعاطفًا دوليًا غير مسبوق مع القضية الفلسطينية، وبات البعض يضيق ذرعًا بممارسات نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل، إلى الحد الذي دفع البعض إلى دعوة الإدارة الأمريكية لمراجعة العلاقات مع إسرائيل، وإنهاء الدعم غير المشروط لها، وحظر صفقات السلاح التي تستخدمها ضد الفلسطينيين، ناهيك عن التغير الملحوظ الذي حدث في الخطاب السياسي والإعلامي حول جرائم وأخطاء إسرائيل التي تلحق الضرر بسمعة الولايات المتحدة الداعمة لها.

ضرورة إنهاء العلاقة الخاصة

Photo courtesy of Stephen Walt Twitter account

في هذا الإطار نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقال رأي لأستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن والت، تحت عنوان “حان الوقت لإنهاء العلاقة الخاصة مع إسرائيل”، دعا فيه الولايات المتحدة إلى إنهاء العلاقة الخاصة التي تجمعها مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن تكاليف هذه العلاقة أصبحت تفوق الفوائد.

وقال الكاتب، إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها القدس وغزة قدمت المزيد من الأدلة على أن الولايات المتحدة يجب أن توقف من الآن الدعم الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي غير المشروط لإسرائيل، في ظل انعدام الفوائد السياسية مقابل التكاليف المرتفعة. قائلًا إنه “بدلا من علاقة خاصة، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى إرساء علاقة طبيعية مع “إسرائيل”.

وأضاف أنه “كان من الممكن تبرير علاقة الولايات المتحدة الخاصة مع إسرائيل سابقا بالأسس الأخلاقية، فقد كان يُنظر إلى إنشاء دولة يهودية على أنه استجابة مناسبة لقرون من معاداة السامية العنيفة في الغرب المسيحي. ولكن هذه القضية الأخلاقية لم تعد مقنعة مع تجاهل العواقب المترتبة عليها بالنسبة للعرب الذين عاشوا في فلسطين لقرون عديدة”.

وأشار إلى أن الممارسات الإسرائيلية الوحشية على مدى عقود قضت على الحجة الأخلاقية للدعم الأمريكي غير المشروط لها. فقد وسّعت الحكومات الإسرائيلية المستوطنات، وحرمت الفلسطينيين من حقوقهم السياسية المشروعة، وعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل دولة الاحتلال. حتى أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم” وصفت هذه السياسات على أنها “نظام فصل عنصري”.

أضرار أكثر من الفوائد

وأكد الكاتب أنه كان يمكن أن نقول في الماضي إن إسرائيل كانت تمثل رصيدًا استراتيجيا قيمًا للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. فخلال الحرب الباردة كان دعم إسرائيل وسيلة فعالة لكبح النفوذ السوفيتي في المنطقة، كما قدمت إسرائيل معلومات استخبارية مفيدة  لأمريكا في بعض الأحيان.

وتابع أن الدعم غير المشروط لإسرائيل اليوم يخلق مشاكل لواشنطن أكثر مما يقدم من حلول، مشيرًا إلى أن إسرائيل لم تفعل شيئا لمساعدة الولايات المتحدة في حربيها ضد العراق، بينما كان على الولايات المتحدة أن ترسل صواريخ باتريوت إلى إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى لحمايتها من هجمات صواريخ سكود العراقية.

وأضاف أن ما قدمته إسرائيل مؤخرًا للولايات المتحدة قيمته أقل بكثير مما كانت تقدمه خلال الحرب الباردة، مثل تدمير مفاعل نووي سوري ناشئ سنة 2007 أو المساعدة في تطوير فيروس ستوكسنت، ومن غير المنطقي أن تقدم الولايات المتحدة دعمًا غير مشروط لإسرائيل لجني مثل هذه الفوائد البسيطة، بينما تستمر تكاليف هذا الدعم وهذه العلاقة الخاصة في الارتفاع.

كما أن منتقدي الدعم الأمريكي لإسرائيل يستغربون المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تقدمها واشنطن لإسرائيل كل سنة، والتي تزيد عن ثلاثة مليارات دولار، رغم من أن إسرائيل الآن دولة غنية يحتل دخل الفرد فيها المرتبة التاسعة عشرة على مستوى العالم.

تناقض أمريكي

وانتقد الكاتب الموقف الأمريكي تجاه الأحداث الأخيرة في غزة وفلسطين، والذي قال إنه لا يتسق مع ما أكدته إدارة بايدن من حرص على استعادة سمعة وصورة الولايات المتحدة بعد 4 سنوات من إدارة ترامب، ورغبتها في أن تعيد ترسيخ نفسها كمحور أساسي لنظام قائم على القواعد والقيم ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقال إن ما حدث يتناقض تمامًا مع هذه السياسة الجديدة، خاصة وأن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض ضد 3 قرارات منفصلة لمجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، وأكدت مرارًا وتكرارًا على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وأرسلت شحنة أسلحة إضافية بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، فيما رفعت شعارات جوفاء حول حق الفلسطينيين في العيش بحرية وأمن مع دعم حل الدولتين.

مشاكل لأمريكا

وأضاف أن إدارة بايدن وضعت نفسها أمام مشاكل مقلقة أكبر من تصرفات دولة شرق أوسطية صغير، وتورطت في أزمة من صنعها شغلتها واستهلكت وقتا ثمينا كان يجب تخصيصه للتعامل مع قضايا أخرى مهمة مثل تغير المناخ والصين والوباء والانتعاش الاقتصادي.

وقال إن هذا حدث بسبب العلاقة الخاصة التي تمنحها أمريكا لإسرائيل، ولو كانت علاقتها معها طبيعية لما حظيت باهتمام أكثر من الذي تستحقه.

وأوضح الكاتب أن الدعم غير المشروط لإسرائيل أدى إلى تعقيد قضايا أخرى تتولاها أمريكا في الشرق الأوسط،مثل الملف الإيراني الذي كانت مهمة أمريكا فيه ستكون أسهل في التوصل لاتفاق نووي جديد دون أن تضع في حساباتها المعارضة مستمرة من حكومة نتنياهو، واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.

وأضاف أن “الرغبة في حماية إسرائيل تجبر الولايات المتحدة أيضًا على الدخول في علاقات مع حكومات أخرى في الشرق الأوسط ليس لها قيمة سواء من الناحية الإستراتيجية أو الأخلاقية. كما يجبرها على دعم أنظمة ديكتاتورية للإبقاء على علاقة جيدة بينها وبين إسرائيل.

وفي الإطار نفسه قال الكاتب إن الدعم غير المشروط من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل ساعد في خلق كبر خطر تواجهه أمريكا وهو الإرهاب الذي رأى في الدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل والوقوف ضد الفلسطينيين كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى مهاجمة الولايات المتحدة ومصالحها، وكان من الممكن أن يختفي هذا الخطر لو كان للولايات المتحدة علاقة طبيعية مع إسرائيل، أو موقف أكثر اعتدالا يساعد في التقليل من المواقف المناهضة للولايات المتحدة التي أسهمت في التطرف العنيف ضدها في العقود الأخيرة.

ونوه الكاتب إلى أن العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ترتبط بالمغامرات الأكبر التي خاضتها أمريكا في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن هذه العلاقات ساهمت في تمهيد الطريق لاندلاع الحرب على العراق عام 2003، والتي ساعدت إسرائيل واللوبي اليهودي على الترويج لها داخل أمريكا وألقوا بكل ثقلهم ورائها.

نقطة أخرى أشار إليها الكاتب، وهي أن العلاقة الخاصة والشعار المألوف بأن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل “لا يتزعزع” جعل تأييد “إسرائيل” معيارًا أساسيًا للتعيينات في الحكومة الأمريكية. حيث كان من شأن تصنيف مسؤول على أنه مدافع معتدل وليس شرس عن إسرائيل أن يؤثر على تعيينه لأي منصب رفيع المستوى.

وأكد أن هذه العلاقة غير الصحية تمنع كلا من الإدارات الديمقراطية والجمهورية من السعي لاختيار أفضل المواهب للمناصب المهمة، ويزيد من تضليل الخطاب العام الأمريكي، حيث لا يميل السياسيون للإفصاح عن وجهة نظرهم الصادقة بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل، ويلقون خطابات مضللة لطمس الحقيقة.

تغير الخطاب

ويرى الكاتب أنه بعد كل هذه العقود من الدعم غير المشروط لإسرائيل بدأ الخطاب يتغير، أصبح هناك حديث اكثر وضوحًا عن مشاكل  هذه العلاقة الخاصة، وذلك بفضل أفراد شجعان مثل بيتر بينارت وناثان ثرال الذين اخترقوا حجاب الجهل الذي طال أمده.

وأضاف أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ والفنانين خففوا مؤخرًا من دعمهم لإسرائيل في خطاباتهم

ونوه أيضًا إلى تغير الخطاب الإعلامي مشيرًا إلى أنه في الأسبوع الماضي نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” لأول مرة صورًا للأطفال الفلسطينيين ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة، ومقالا يشرح بالتفصيل حقائق الصراع بطريقة لم يسبق لها مثيل.

وقال إن هذا التطور في الخطاب جعل من الحديث المبتذل القديم حول “حل الدولتين” و”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” أمر غير فعال، لكنه قال إن السؤال الرئيسي المطروح هو ما إذا كان هذا التغيير في الخطاب سيؤدي إلى تغيير حقيقي في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، ومتى سيحدث ذلك؟

تغيير علاقة أم مقاطعة؟

وأكد الكاتب أن الدعوة إلى إنهاء هذه العلاقة الخاصة مع إسرائيل لا تعني الدعوة إلى المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أو إنهاء كل الدعم الأمريكي لها، بل تعني تكوين علاقة طبيعية مع إسرائيل على غرار علاقات واشنطن مع معظم الدول الأخرى.

وقال إنه مع وجود علاقة طبيعية، ستدعم الولايات المتحدة إسرائيل عندما تفعل أشياء تتفق مع مصالحها وقيمها، بينما تنأى بنفسها عنها عندما تتصرف إسرائيل على النقيض من ذلك.

وأوضح أن المقصود من إنهاء هذه العلاقة الخاصة هو إرساء علاقة لا تحمي إسرائيل من عقوبات مجلس الأمن إلا عندما تستحق هذه الحماية عن جدارة، وأن يكون المسؤولون الأمريكيون أحرارًا في مدح أو انتقاد أفعال إسرائيل – كما يفعلون مع الدول الأخرى- وأن يتمكنوا من الانتقاد المباشر والصريح لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي دون خوف من فقدان وظائفهم أو التنكيل بهم.

فوائد لإسرائيل

كما أكد الكاتب أن العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة ستعود بالفائدة على إسرائيل أيضًا، لأن الدعم الأمريكي المطلق لها سمح لها بإتباع سياسات كانت ذات نتائج سلبية على المدى الطويل، مثل المشروع الاستيطاني التوسعي والرغبة في إنشاء “إسرائيل الكبرى” التي تضم الضفة الغربية وتحصر الفلسطينيين في أرخبيل من الجيوب المعزولة.

كما ساعدها على ارتكاب جرائم مثل غزو لبنان عام 1982، والهجوم المميت على سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، والحرب الوحشية ضد لبنان عام 2006 التي جعلت حزب الله أكثر شعبية، بالإضافة إلى الاعتداءات السابقة على غزة في الأعوام 2008 و2009 و2012 و2014، والحرب الأخيرة”.

وأضاف أن امتناع أمريكا عن اعتبار منح الفلسطينيين دولة قابلة للحياة شرطا لدعم إسرائيل كان سببًا في تدمير اتفاق أوسلو للسلام، مما أضاع أفضل فرصة لتحقيق حل الدولتين والتوصل لسلام حقيقي ودائم.

وأكد أن الدعم المشروط لإسرائيل سيجعلها تفكر في الحلول التي تضمن الحقوق السياسية لليهود والعرب على حد سواء، وكذلك تفكيك نظام الفصل العنصري الذي أنشأته على مدى العقود الماضية.

واعتبر الكاتب في نهاية مقاله أن جميع ما طرحه من تغييرات مطلوبة في العلاقة لن يتحقق قريبًا بسبب وجود جماعات مصالح قوية تستفيد من استمرار هذه العلاقة الخاصة، لكنه أكد أن التغيير قد يكون أقرب مما يعتقده البعض، قائلًا إنه بمجرد أن يصبح النقاش العام أكثر انفتاحًا وصدقًا، يمكن أن تتغير المواقف التي عفا عليها الزمن بسرعة مدهشة.

المصدر: foreign policy


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع


تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين