مقالات

رسائل خالد محمد خالد الست إلى شيخ الأزهر

بقلم/

إن إعجابي وتقديري لخالد محمد خالد وكتاباته وشجاعته وبصيرته النافذة، يجعل من الصعب علىّ أن أعرض أحد كتبه، إذ أنني لن أزيد على أن أدعو القارئ لأن يقرأ الكتاب كله، يقرأ الأفكار، والتنور، والشجاعة، والإخلاص، وجمال الأداء اللغوى، والتعبير الراقى، لذلك فما أقدمه هنا فعلا ليس أكثر من دعوة لأن تقرأ الكتاب كله، وأعلم أننى سأحصل منك على دعوات كثيرة بظهر الغيب لأننى دللتك عليه.

الكتاب هو “رسائل الستة إلى في ”، والذي صدر عن دار “المقطم للنشر والتوزيع”، وعلى الغلاف كلمة للمؤلف “لطالما ضيع الجبن أمما وفرصا.. ولطالما حول التردد عمالقة إلى أقزام”. والكتاب من إعداد محمد خالد ثابت ابن المفكر الكبير وصاحب دار النشر. (ولنلاحظ فى العنوان خطأ لغويا أرجو تصويبه فى الطبعة الثانية ب “الست” بدلا من “الستة”). وعلى الغلاف الداخلى للكتاب كلمة للمعد يقول فيها: “كتبها سنة 1954 إلى شيخ الأزهر آنذاك والحاجة إليها اليوم أشد من أى وقت مضى”.

أما الغلاف الخلفى فقد حمل ثلاث فقرات تقدم كل منها فكرة من الأفكار المهمة الواردة فى الكتاب، والتى لو تم الاستماع إليها فى وقتها ربما لتغير وجه الحياة فى مصر والعالم بلا مبالغة، فتجديد الخطاب الديني كان حريا به أن يمنع الكثير من المشاكل الكبرى التى نواجهها الآن وعلى رأسها الإرهاب والانغلاق، يقول خالد محمد خالد فى كلمة الغلاف الخلفى:”إننا فى حاجة إلى إصلاح ديني شامل، فى حاجة إلى تنشئة جيل جديد من الأئمة والوعاظ.. فى حاجة إلى بث تدين جديد صادق، ينهض بالنفس الإنسانية ولا يدغدغها.

إننا نبحث عن عالم إسلامى جديد.. ولابد لهذا العالم الجديد أن ينشأ وينهض.. وسبيلنا لذلك تجديد الفكر الديني، وتشجيع الملكات الإسلامية على الاجتهاد والإبداع، والكشف عن التخوم المشتركة بين روح الدين وروح العصر.

ماذا أصاب الفكر الديني فى الإسلام حتى تبلد وجفت منابعه؟.. هذا الفكر الذى اقتحم بجرأته النادرة، وبأمله الباسل، كل القضايا الدينية والدنيوية.. إن مستقبل الإسلام رهين بعودة هذا الفكر المتجدد المتحرر والجرئ الوثاب، وعندما يعود من غيبته وغربته سيشهد المسلمون يوم بزوغ فجرهم الجديد”.

لقد تشبع معد الكتاب بالفكر الديمقراطى للمؤلف فبني كتابه ليكون ممثلا لهذا الفكر، حيث صدر الكتاب بكلمة للكاتب عن حال الأزهريين بعد التخرج وشعورهم بالغربة فى المجتمع لأن ما يحملونه لا يتماشي مع الزمن الحالى، ثم صفحة للمؤلف بعنوان حرية الرأى يؤكد فيها “إن الإسلام لم يمكن له فى الأرض من قبل إلا بسبب من حرية الرأى، ولن يمكن له من بعد إلا بسبب من حرية الرأى كذلك.. فالحق لا تزيده حرية الرأى إلا تألقا ونصوعا ونفاذا”ص7، مؤكدا أن حالة الضعف التى وصل إليها الإسلام سببها الرئيس هو بعض أهله والغيورين عليه!

ثم تقديم الكتاب، حيث يلخص المعد فى نقاط سريعة وموجزة أهمية إصدار هذا الكتاب الآن، وأهم النقاط التى اشتملت عليه، وموقف خالد محمد خالد من الأزهر ومن تجديد الخطاب الديني، وفى إحدى هذه النقاط يتوجه بالحديث إلى شيخ الأزهر الحالى الدكتور أحمد الطيب قائلا: “تشرفت بلقاء الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالى مرة واحدة بمكتبه عندما كان رئيسا لجامعة الأزهر.. وأخبرنى يومها أنه كان يحضر إلى بيتنا بمنيل الروضة بالدور الخامس للقاء الوالد-عليه رحمة الله ورضوانه.. فهو إذن من تلاميذ خالد محمد خالد، او ممن كانوا يترددون عليه أحيانا.. ولابد أن معرفة فضيلته به ستفسح صدره للرسائل التى كتبها بروحه وقلبه وعقله.. أقول هذا لأن هذه الرسائل الست أصبحت الآن موجهة إلى فضيلته.. فيا ليت فضيلة الإمام لا يجعل بينه وبينها “زيدا” أو “عمرا” من مستشاريه وبطانته”ص12

يلى ذلك باب بعنوان “رسائل خالد محمد خالد الستة إلى شيخ الأزهر” وهو يحتوى على مقدمة للمؤلف يصدرها بعبارة الغزالى “ليس المشكل النصيحة.. وإنما المشكل قبولها” ويشرح فيها قصة كتابته لهذه الخطابات التى وجهها إلى شيخ الأزهر وقتها عبد الرحمن تاج عند توليه المنصب. ثم ستة فصول تحتوى على الخطابات الستة يحمل كل فصل عنوان الخطاب وعبارة مجتزأة من الخطاب، ويكفى أن أعرض عليك تلك العناوين والعبارات لتعطيك فكرة عن محتواها.

أما عناوين الخطابات فهى:

احمل معولك واهدم.. قبل محاولة البناء.

رد الكرامة والثقة إلى أزهرنا الجريح

ابعث قومك فى رحلة إلى الحياة

كن (لوثر) وابدأ من جديد

الإمام الفاسق الظالم لا يعزل..؟؟

اغرس مكان الأعشاب أزاهير.

وهو فى هذه الخطابات يوضح أهمية ومكانة الأزهر، ودوره التاريخي العظيم، وكيف أصابه الضعف الشديد، وأسباب هذا الضعف، ويقترح وسائل للعلاج قد لا تواتى بعض من يطالبون بتجديد الخطاب الديني الآن الشجاعة أن يطلبوها، فهو يقول مثلا:”افتح أبواب الأزهر الضخمة الواسعة، افتحها للحياة ولفنونها جميعا، علم الأزهريين الموسيقى، وعلمهم فى سخاء أكثر علوم النفس، والاجتماع، وتطور التاريخ، وثقافة الجنس”ص74.

أما المجتزءات التى تم تقديم الفصول بها فهى:

  • هل يسدى الأزهر للإسلام خيرًا أو يبذل واجبا؟ إن السذج الغافلين هم وحدهم الذين ينتظرون من الأزهر –بحالته الراهنة- نفعًا للدين أو للأمة، ما لم يغير ما بنفسه وينهض.
  • قلت لك بالأمس إن الشرق والغرب يلتقيان فيك، ولكن ذلك ليس بنافعك ولا مجديك شيئا حتى تضع فى خدمة ثقافتك قلبا شجاعا، وعزما كعزم المرسلين.
  • ولقد فقد الأزهر ثقته بالمدنية، ومن ثم فما ينبغى له أن يدعو الناس إلى شئ هو به كافر، وعليه ناقم. ولكن لماذا يستريب الأزهر فى المدنية وينأى عنها؟ والجواب يا صاحب الفضيلة: لأنه يخافها. ولماذا يخافها؟ هذه هى مشكلته الكبرى، ومشكلتك أيضا إذا كنت مصممًا على أداء جميع الالتزامات التى يفرضها عليك واجبك كشيخ للأزهر وقائد للأزهريين.
  • إذا اكتشفنا أخظارًا ناجمة عن سوء فهم للدين، وسوء تطبيق له، فإن الأزهر يحمل مسئولية مباشرة فى هذا السبيل.. وستسأل يا صاحب الفضيلة، ويسأل آخرون: ما علاقة الأزهر بهذا الوضع الخطير؟ وأجيبكم: ليس لغير الأزهر علاقة بهذا الوضع الخطير.
  • إن الأزهر ليس مسئولا عن كتبه فحسب.. بل هو مسئول عن الثقافة الإسلامية جميعها.. دوره التاريخي العتيد يؤهله اليوم وغدا ليكون المشرف الأعلى على الثقافة الإسلامية فى كل مكان.. فهل أدى الأزهر واجبه إزاء هذه الثقافة؟
  • لست أعنى بالجمال الذى أريد للأزهر أن يعيش فى مباهجه جمال الملبس ولا جمال المثوى.. ولكن أريد جمال الأزهر نفسه، جمال ثقافته، وجمال تقاليده، وجمال أهدافه ووسائله.

ويأتى الباب الثانى من الكتاب (ردود المعارضين ثم تعقيب خالد محمد خالد عليها) ليعرض آراء من عارضوا خالد محمد خالد والأفكار والآراء الواردة فى الخطابات الستة، ويتم تصدير هذا الباب بعبارة لخالد محمد خالد “اللهم ارزقنى فهما أعرف به الحق.. وارزقنى عزما أتقبل به الحق”.

ثم باب بعنوان (ملاحق) يشتمل على ثلاثة ملاحق من أعمال خالد محمد خالد، الأول بعنوان (الأزهر) وهو مقتطف من سيرته الذاتية “قصتى مع الحياة” من فصل “أبو الثورات وصانع الثورات” يبين كم يعرف خالد محمد خالد ويفخر بتاريخ وعظمة الأزهر، وبالتالى فإن دافعه إلى كتابة الخطابات هو العودة بالأزهر لدوره العظيم ومجده القديم. والثانى بعنوان “وقفة مع الفكر الديني” من كتابه “إلى كلمة سواء” حيث يعلى من شأن العقل والفكر الحر المستنير، ويرى أن معنى أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والإسلام خاتم الأديان أنه “إنما هو الوحى والعقل.. الوحى الذى يتمثل فى كلماته الخالدة، والعقل الذى يفتح سبلا جديدة للمعرفة فى ميدان التجربة الدينية”ص148

والملحق الثالث من كتاب خالد محمد خالد “أحاديث قلم” بعنوان “أنا أفكر.. إذن أنا مسلم”، حيث يعود إلى كلمة ديكارت الشهيرة “انا أفكر إذن أنا موجود”، ويؤكد خالد محمد خالد أن التفكير هو سمة أصيلة من سمات المسلم الحق وليس مجرد الاتباع وليس الانغلاق “ليس ثمة فكر حر، وفكر غير حر.. بل هناك فكر، أو لا فكر على الإطلاق.. ولا ينبغى بحال أن يحجر على الفكر باسم الدين، والذين يفعلون هذا أو يحاولونه هم قوم شردتهم الجهالة، وألقت بهم بعيدا بعيدا عن الفكر والدين.. وكذلك الذين يحاذرون على الفكر وعلى التقدم الإنسانى من الدين، إنهم بعيدون جدا مما عليه يخافون ويحذرون”ص154

وفى كلمة الختام للكتاب، يقدمها الكاتب بقوله: “لا تحرص على الحياة، حين يكون الموت زورق النجاة لأمتك ووطنك” ويجعل الكاتب مدار كلمته ما ألقى فى روع الصوفى “أبو يزيد البسطامى” حين سأل: يا رب، أين الطريق إليك؟” فألقى فى روعه أنه سمع: “خل نفسك، وتعال”، حيث يدعو الكاتب أن يتخلى كل فرد عن مصلحته الشخصية مقابل القيام بواجبه تجاه دينه ووطنه ومجتمعه، ويحذرنا قائلا:

“صدقونى: إن الزمن لن يدللنا، ولن يصبر علينا ولن يصبر معنا.”ص166.

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين