مقالات

اصحى يا نايم

بقلم/

[لا نزال بحاجة إلى مِثل ومُثُل سيدنا رضى الله عنه.. ولا نزال بحاجة إلى الرمز الذي اكتشفه في شخصية المسحراتى.. بل قد نكون أحوج إلى كل ذلك الآن من أى وقت مضى.. ولهذا نحاول قراءة العلاقة بينهما..!!]

الزلزال الكبير الذى هز من الأعماق في النصف الأخير من القرن العشرين هو الهزيمة التى منيت بها على غير توقع في الخامس من يونيه سنة 1967.

فبينما كان الشعب المصري يعيش أحلام المجد والقوة.. وبينما كان الكثيرون في مصر-وحتى في – يؤمنون أن الجيش المصري يستطيع أن يدخل تل أبيب في ساعات.. وأنه سيفعل ذلك في أقرب فرصة.. كان الجيش عبارة عن أشلاء مهزومة مبعثرة في صحراء سيناء.

الجندي المصري الذي خدعته قيادته وغررت به حائر محطم مهزوم من الداخل.. أوشك أن يفقد إيمانه بكل شئ حتى نفسه – بعد الإهانة التى لحقت به!!

والشعب المصري في حالة ذهول.. آخر ما كان يتوقع أن يهزم جيشه العظيم في ساعات!!

كان الشعب المصري ينزف دماً وكرامة.

وكان فؤاد حداد – شاعر الشعب الذى عاش طول عمره في الأحياء الشعبية وبين الناس الطيبين البسطاء -ينزف شعراً.. تبكى روحه بالقوافي بعد الحدث الرهيب!!

ولكن الفنان لا يكتفي بالبكاء.. إنه يجفف دموعه ويريد أن يمسح بيديه كل دموع شعبه.. ثم يقود أهله جميعاً إلى العمل الذي يؤدي إلى الثأر.. وإلى إعادة الكرامة السليبة.

يبحث فؤاد حداد في تراث شعبه.. ينفذ إلى أعماق هذا الشعب.. فيتقابل مع .

المسحراتي هو ذلك الرجل الذى لا يظهر إلا في شهر رمضان.. مهمته إيقاظ النائمين في ليل رمضان قبل الفجر ليتناولوا طعام السحور.

التقط فؤاد حداد الفكرة.. الإيقاظ.. بالضبط هذا ما يحتاجه الشعب المصرى.. أن يستيقظ.. يستيقظ من أحلامه وأوهامه التي عاش فيها قبل الهزيمة.

ويستيقظ من ذهوله وانكساره الذي أصابه بعدها.

يتحول المسحراتي إلى رمز كبير بعد أن مر بعقل وقلب وروح ووجدان فؤاد حداد، لذا فإن كل ما ينطقه المسحراتي الرمز يصبح رمزاً.. فالفطاطري والعطار والمراجيحي وبائع البليلة والفلاح وصانع الرقاق وغيرهم يصبحون رموزاً.. فرغم الألفاظ الواقعية والصور الحياتية البسيطة التي يستخدمها فؤاد حداد في رسم هؤلاء.. فإننا نلاحظ أن بهم شيئاً ما غير واقعى، مفارق، متجاوز.. إنها روح فؤاد حداد.. الروح التي أودعها المسحراتي!!

وكان طبيعياً أن يتحدث المسحراتي عن التراث العريق العظيم لأجدادنا.. لابد أن ينبه الناس إلى تاريخهم المجيد لكي يبث فيهم روح العزة والكرامة.. ويحيي بداخلهم الأمل- لكي ينهضوا.

وعمر بن الخطاب هو الشخصية الوحيدة التي لم يجهد فؤاد حداد نفسه ليحولها إلى رمز.. فعمر هو الرمز الكامل للإنسان والحاكم.

أغرب ما في حياة عمر بن الخطاب أنه حقيقة تصل إلى درجة الأسطورة.. وكل تفاصيل حياته – كحاكم وكإنسان – قد لا تصدق.. مع أنها مؤكدة تاريخياً وليس فيها أدنى شك.

اختار فؤاد حداد من حياة عمر الطويلة العريضة العميقة حادثة واحدة:

كان عمر يتفقد أحوال رعيته ليلاً فوجد امرأة في خيمة حولها صبية يبكون.. وأمامها نار موقده عليها قدر..  فاقترب عمر من المرأة وسألها عن سبب بكاء الأطفال.. فأخبرته أنهم يبكون من الجوع.. وأن القدر الذي على النار ليس به سوى ماء وحصى حتى يظن الأطفال أن أمهم تطبخ لهم طعاماً فيسكتون حتى يغلبهم الجوع والتعب والنوم.

رق عمر لحال المرأة وأطفالها.. وذهب إلى بيت المال وحمل على كتفه بعض الدقيق وأشياء أخرى لزوم صنع الطعام، وذهب إلى المرأة وصنع بنفسه لها ولأطفالها الطعام، وكان ينفخ النار بنفسه حتى امتلأت لحيته بالدخان.

أكل الأطفال حتى شبعوا.. فناموا.. وشكرت المرأة عمر وهي لا تعرف من هو.. وقالت له: أنت أحق بهذا من عمر!!

وفي اليوم التالي أحضر عمر المرأة وعرفها بنفسه.. وفرض لها ولأطفالها من بيت المال ما يكفل الحياة الكريمة.

تتحول هذه الحادثة إلى رمز كبير.. فالأطفال الذين يبكون ويكادون يموتون جوعاً هم الشعب المصرى.. والطعام الذى ينتظرونه هو النصر الذى ينتظره الشعب ليسترد كرامته السليبة.. وعمر بن الخطاب هو ما يحتاجه الشعب في هذه الفترة من تاريخه – أخلاقيات ومثاليات وسلوكيات وأسلوب عمر في الحياة.

فلحظة الفرحة التي يمنحها عمر بن الخطاب للأطفال اليتامى عندما يعود إليهم بالطعام الذي يصنعه بنفسه.. هي هي اللحظة التي كان ينتظرها فؤاد حداد – ويتنبأ بقدومها – ليهب الشعب المصري من موته بعد النكسة.. حتى أنه يصف هذه اللحظة بأنها يوم القيامة.. يوم البعث بعد الموت.. يقول مسحراتى حداد:

اصحى يا نايم

وحد الدايم

وقول نويت

بكره إن حييت

الشهر صايم

والفجر قايم

اصحى يا نايم

وحد الرزاق

رمضان كريم

 ***

مسحراتي

منقراتي

تحت القمر

قريت مسائل

جاني الخبر

ومن المدينة

والراشدينا

فيما غبر

أصل الحكايه

سمع شكايه

مد البصر

شاف الخليفه

أجسام ضعيفه

زي الصور

لو لسه حيه

عيونها حافيه

من النظر

في نار تغلب

وإيدين تقلب

ميه بحجر

قالت باسلي

ولادي يا اللي

تعرف عمر

ومهما نشهق

لابد نزهق

من السهر

يمكن يغيتهم

نعاس يميتهم

قبل السحر

سالت دموعه

وبين ضلوعه

قلبه انفطر

قال كل مسلم

جناحه مؤلم

إذا انكسر

شوف جسمه مايل

تحت الحمايل

مد وصبر

قالت شلت ذنبي

يغفر لي ربي

لو يغتفر

قامت قيامه

من اليتامى

لما ظهر

أبو المواجع

كأنه راجع

من السفر

جاب المؤونه

بايدين حنونه

وقال يا مصر

أنا علىَّ

تخدم أيدي

بدو وحضر

ع الأرض دنه

ينفخ ودقنه

بين الشرر

الإنسانية

كلمه غنيه

دم وعبر

أسلافنا هما

شقوا مداها

فطره وبداهه

وخير أمه

نمشي بهداها

على الأثر

المشي طاب لي

والدق على طبلي

ناس كانوا قبلي

قالوا في الأمثال:

“الرجل تدب مطرح ما تحب”

وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال

حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال

وكل شبر وحته من بلدي

حته من كبدي

حته من موال:

يهديني طول المدى رؤيا الندى والطيف

وقلبي ينزل على كل القبايل ضيف

يطلع من الحي رحلات الشتا والصيف

ويشرب الطهر من زمزم براحاته

طابت جراحاته يا ساكن منى والخيف

***

اصحى يا نايم

وحد الدايم

السعي للصوم

خير من النوم

دي ليالي سمحه

نجومها سبحه

اصحى يا نايم

يا نايم اصحى

وحد الرزاق

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين