الراديوفن وثقافة

تنوير أم تدمير؟.. هل نجحت دراما رمضان في معركة الوعي؟

أجرى الحوار: د. عزة عزت ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

حلقة خاصة وهامة حول “دراما رمضان ومعركة الوعي”، قدمتها الدكتور عزة عزت، عضو جمعية كتاب الدراما العربية والجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما وأستاذة الإعلام بجامعة المنوفية في مصر.

ضيوف الحلقة؛ هم: المخرج المصري الكبير محمد فاضل، أحد رواد الإخراج التليفزيوني منذ مطلع الستينيات، والذي أخرج العديد من الأعمال التي لا تزال حية في ذاكرة الجمهور العربي، من بينها مسلسلات “عصفور النار”، ومازال النيل يجري”، و”ليلة القبض على فاطمة”، وأفلام سينمائية شهيرة من بينها “الحب في الزنزانة”، و”ناصر 56”.

وكذلك الدكتور حسن علي، أستاذ الإذاعة والتليفزيون، وعميد كلية الإعلام جامعة قناة السويس، وله مؤلفات ودراسات في مجال الإذاعة والتليفزيون، وبرامج وإعداد درامي في الإذاعة المصرية.

دراما مختلفة
خلال شهر رمضان، شاهدنا العديد من الأعمال الدرامية التي تنوعت بين الغثّ والسمين، إذ أصبح رمضان موسمًا خاصًا لعرض المسلسلات، كما يستغله أصحاب الأعمال لإحداث رواج إعلاني لبضائعهم وما ينتجون،

ولاحظنا خلال السنوات الأخيرة أن المعلنين يدعمون نوعًا معينًا من المسلسلات، ما بين الأكشن الذي يتميز بالبلطجة، والقضايا البعيدة عن واقع الإنسان البسيط، والأعمال المليئة بالعبارات المتدنية، بزعم أن هذه هى المضامين التي تجذب الجمهور، تحت شعار “الجمهور عايز كده”.

لكن هذا كله لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع روحانيات الشهر الكريم، ولا يُقارن بما كان يقدمه التلفزيون العربي والمصري قديمًا من مسلسلات دينية واجتماعية تقدم قيمًا أخلاقية راقية.

لكن والحق يُقال فإن الموسم الحالي ضمّ تنوعًا في الإنتاج أشبع كل الأذواق، وفي بعضٍ منه تم تقديم ما أشبع الحس الوطني والقومي.

Image by mohamed_hassan from Pixabay

بلا قيمة درامية
* المخرج الكبير محمد فاضل؛ هل ترى أن المستجدات التي طرأت على عمليات الإنتاج هى التي أدت بنا إلى هذا الحال، بعد انسحاب الدولة من الإنتاج وتركه للقطاع الخاص، الذي يقدم أعمالًا هدفها الأول هو الربح، بغض النظر عن الذوق العام؟

** في البداية كان الإنتاج الدرامي في مصر يتم بشكل أساسي من قبل الدولة من خلال 3 قطاعات رئيسية هي (قطاع الإنتاج، وشركة صوت القاهرة، ومدينة الإنتاج الإعلامي)، وكانت هناك مشاركة من القطاع الخاص، سواءً المصري أو الخليجي، لكن بعد عام 2011 حدث نوع من الإنهاك لمعظم مؤسسات الدولة، وتوقفت قطاعات الدولة عن الإنتاج، ثم بدأ احتكار القطاع الخاص لسوق الدراما.

ومما لا شك فيه، فإن تعدد المنتجين يخلق نوعًا من التنافس، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة الجودة، ومع الأسف الآن يتم اختيار بطل العمل أولًا، وهو من يختار المؤلف والمخرج وباقي الممثلين!، فالأعمال الآن أصبحت علاقتها وثيقة بالإعلانات والاستثمار أكثر من القيمة الدرامية.

المشاهد الآن أصبح يرى أن كل المسلسلات قائمة على الأكشن، وكلها دماء وبلطجة وسيارات مشتعلة، فإذا أصبحت سياسة المكسب والخسارة هى التي تقود الدراما فلن نجد أعمال ذات قيمة درامية أو هدف، فالأمر أشبه بالتعليم، لا نجني منه مكاسب مادية فورية، ولكن على المدى الطويل يستفيد منه المجتمع ويرتقي.

Image by 1137303 from Pixabay

إبداع أم فوضى؟
* هل ترى أن ما يحدث الآن هو من باب الإبداع أم أنها فوضى؟!

** بالتأكيد فوضى، فنحن في أمسّ الحاجة إلى تحديد القضايا التي يجب أن تُنَاقش، فأنا ـ على سبيل المثال ـ قدمت مع الأستاذ صالح مرسي، مسلسل في رمضان سابق، كان اسمه “صيام.. صيام”، كان المسلسل يقوم على فكرة تقديم مجموعة من القيم في قالب كوميدي، فالمحتوى مهم جدًا مع تعدد الطرق التي يمكن تقديمها من خلاله.

خطط إعلامية
* هل انتقلت التيمات الدرامية الموجودة الآن من السينما إلى التلفزيون، خاصةً بعد انتقال ممثلي السينما إلى الدراما؟، وهل ترى أن مضامينها مناسبة لدخول كل بيت، وخاصةً في شهر رمضان؟

** في علوم الإعلام، هناك مقولة هامة تقول إن خطط الإعلام في الدول النامية لابد أن تسبق خطط التنمية، بمعنى أنه من الضروري أن يتم تحضير الناس لخطط التنمية من خلال خطط إعلامية، وبالتالي نحن في حاجة إلى فن ودراما من نوع خاص، لتوجيه الناس بشكل غير مباشر نحو القيم والأخلاق.

ولا شك أن المؤلف هو أول من يجب أن نهتم به، وأنا لا أرى أن موضوع ورش التأليف فكرة مناسبة للدراما، هذا غير منطقي، فالدراما فن يشبه الموسيقى، هل يمكن أن يقوم 4 أو 5 مؤلفون بتأليف معزوفة موسيقية؟!، أيضا مع تقديري لدور الممثل.. إلا أن دور المخرج والمؤلف في غاية الأهمية، فالممثل يمكنه أن يعتذر عن العمل أو أن يتم استبداله.

Image by ADMC from Pixabay

تخبط درامي
* في الخمسينات والستينات، كانت الدولة تقوم بإصباغ شكل محدد على الأعمال الفنية، وكان كل شخص يعزف لحنًا مختلفًا، لكننا جميعًا كنا في اتجاه واحد، فهل هذا أفضل حالًا مما نراه الآن؟، أم أن المناخ العام قد تغيّر وهو السبب في تخبط الدراما بالشكل الحالي؟

** أنا أرى أن تخلي الدولة عن دورها هو السبب، وبالمناسبة.. الإنتاج الدرامي لا يخسر، لكن ربما لا يحقق المكاسب الضخمة التي يتوقعها البعض، ولو تحدثنا عن الأعمال التي تم عرضها مؤخرًا، أنا أرى أن “الاختيار 2” لم يكن موفقًا في اختيار هذا الاسم، لأن الموضوع مختلف عن قصة “الاختيار 1″، وليس بالضرورة أن يجبرنا نجاح مسلسل الاختيار على أن نتبعه بمسلسلات أخرى تحمل نفس الاسم كأجزاء ثانية وثالثة له.

أما بالنسبة لمسلسل “الملك أحمس”، والذي لم يُعرض خلال الشهر الفضيل بسبب الجدل الذي دار حوله، فأنا أرى أنه دليل واضح على الاستسهال في تنفيذ الأعمال الدرامية، دون الاستعانة بأساتذة التاريخ والمؤرخين العظماء لدينا، ونحن بشكل عام في حاجة أيضًا إلى الاستعانة بأساتذة الدراما والإعلام لوضع خطة واضحة وخريطة للأعمال الدرامية كي تنضبط بوصلة الإعلام والدراما.

Photo courtesy of United Media Services Facebook page

فوضى درامية
* انضم إلينا الآن الدكتور حسن علي، أستاذ الإذاعة والتليفزيون، وعميد كلية الإعلام جامعة قناة السويس، نرحب به ونسأله: هل ما وصل إليه حال الدراما التلفزيونية يعتبر إبداعًا حقيقيًا أم فوضى؟

** بالطبع ما يجرى الآن ونشاهده على التلفزيون به قليل من الفن وكثير من التجارة، فدخول التجارة والاستثمار إلى مجال الدراما أدى إلى ما نراه من فوضى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهذه الفوضى منتشرة في القصة الدرامية والأزياء والمكياج المعبر عن القصة والمرحلة التاريخية، ولعل أبرز ما يدلل على ذلك.. مسلسل “أحمس” الذي لم يراعي هذه النقاط.

حالة من الفراغ
* على المستوى النقدي؛ ما هو تأثير ما تعرضه الشاشات على المجتمعات المستهدفة منها؟، خاصةً وأن هناك بعض المنصات على الإنترنت تقدم أعمالًا لا تتسق مع قيمنا العربية، إلى جانب وجود منافسة شرسة من الدراما الهندية والتركية وغيرها.

** لدينا فراغ كبير في الدراما العربية بصفة عامة، وفي الدراما المصرية بصفة خاصة، والتي كانت دراما قائدة في المنطقة، لكن انتشار الدراما الهندية والتركية والمكسيكية والكورية وغيرها قد أثرّ كثيرًا عليها، وأصبحت هذه الدراما الوافدة من ثقافات ومجتمعات مختلفة تتمدد في الفراغ الموجود لدينا بسبب ضعف مستوى الدراما الخاصة بنا.

وهذه الدراما المستوردة تتصادم مع القيم العربية والإسلامية الأصيلة، وبها مفاهيم تمهد للتغيير في الواقع الحضاري والثقافي والنفسي العربي، كل ذلك بسبب الفراغ والغياب الذي حدث في الدراما المصرية والسورية والعربية عمومًا، وهذا به مخاطر كبيرة ومتعددة على الأمن القومي العربي.

Photo courtesy of United Media Services Facebook page

بارقة أمل
* بمجرد عرض تنويهات المسلسلات قبل رمضان، حدثت حالة من الجدل، بعض المسلسلات ثار الجدل والانتقادات حولها، مثلما حدث مع مسلسل أحمس، مما تسبب في عدم عرضه، وبعضها توقع الجمهور نجاحه، مثل مسلسل الاختيار 2، فهل ترى في ذلك بارقة أمل في ظل ما نعانيه من فوضى؟

** أنا أرى أنه متى كان للدولة لمسة ورؤية في صناعة السينما والمسرح والدراما التلفزيونية والإذاعية، وكان هناك إنفاق سخي على الإنتاج الدرامي، كانت هناك دراما جيدة ومتنوعة، وتترك انطباعات اجتماعية ونفسية جيدة، فمع وجود منتج قوي يمكنه تقديم صناعة جيدة، يمكن أن يحدث تغيير للأفضل.

ونحن رأينا عندما تم ترك المجال للقطاع الخاص وحده، فإنه أنتج أعمالًا مشوشة وسيئة، وهدفها التجارة البحتة. وبشكل عام.. أنا لست متفائلًا كثيرًا، إلا إذا قامت الدولة بالتوجه مجددًا للإنتاج الدرامي، ودعمه مرة أخرى، من أجل إنتاج أعمال جيدة ومميزة، ومسلسل الاختيار كان ومضة تدلل على كل ذلك.

* ما هو المسلسل الذي علق بذهنك، وكنت فخورًا بأنه إنتاج عربي، وأنه يستحق المشاهدة، سواء على مستوى الإخراج أو التأليف والحوار؟

** هناك مسلسلات عديدة، ولكنها ليست مصرية، أذكر منها مسلسل “عمر بن الخطاب”، والذي وجدت فيها جهد كبير تم بذله، من ناحية الإخراج والأزياء والحوار، وهناك مسلسلات اجتماعية أخرى بها حس فنيّ وفكرة جيدة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين