فن وثقافة

الكاتب المسرحي “الزبير بن بوشتى” في حوار خاص لراديو صوت العرب

المسرح المغربي يعيش أزمة مركبة ويفتقد للبنية التحتية

بوشتي: “طنجيتانوس” تعاود زيارة الأسطورة من منظور حداثي

مسرح الهواة لم يعد يلعب دوره الريادي في الحركة المسرحية المغربية

 حاورته- هاجر العيادي

“الزبير بن بوشتى” واحد من المسرحيين المغاربة المُجدّين، الذين استطاعوا أن يحفروا أسماءهم على صخر التأليف المسرحي منذ أكثر من 20 عامًا.

أعماله المسرحية فيها الكثير من التجريب وروح المغامرة. أصدر العديد من المسرحيات منها “الحقيبة والصقيع”، “الأخطبوط”، “القفص”، “ياموجة غني”، “للاجْميلة”، “النار الحمرا”، “زنقة شكسبير”، “أقدام بيضاء”، “طنجيتانوس”، وآخرها “رجل الخبز الحافي”.

راديو صوت العرب من أمريكا التقى الزبير بن بوشتى ليحدثنا عن “طنجيتانوس” وأعماله المسرحية، وعن المسرح المغربي، وكان هذا الحوار.

بدايات مع السينما

عن بداياته يقول بوشتى أنه اشتغل كثيرًا في السينما كمساعد في الإخراج، كما قام بالعديد من الاختصاصات الأخرى.. ويكتب كذلك حوارات أفلام، إلا أنه يؤكد أن الوقت لم يحن بعد لتوقيع عمل سينمائي من إبداعاته لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

أسطورة خاصة

بوشتى يقول إن مسرحية “طنجيتانوس” تعاود زيارة الأسطورة من منظور حداثي في بعدها البيزنطي وعمقها اليوناني، فنص المسرحية يأتي ليحقق رغبة عميقة بالاشتغال على الأسطورة خاصة وأنني أعيش في مدينة تعاقبت عليها عبر الأزمان العديد من الحضارات العريقة بدء باليونان والرومان والبيزنطيين.

لقد اتخذت من الاشتغال على أسطورة هرقل في صراعه الضاري مع أنطيوس على الاستحواذ على مملكة موريتان طنجيتان وإسقاط كل هذا على ما نعيش اليوم من صراعات وحروب على من يستأثر بالآخر ويحتله.

خطا تصاعدي

أما فيما يخص كتاباته المسرحية التي تظل مقتصرة على بعض الأسماء دون أن تنفتح وتتطور، أكد كاتبنا أن من يعرف أعماله من القراء وجمهور المسرح يدرك أن لها خطًا تصاعديًا على مستوى البحث في المواضيع والشخوص، وخصوصيات المكان في علاقته بالإنسان أينما كان.

غياب كلي لمسرح الهواة

من جهة أخرى تطرق حوارنا مع الزبير بن بوشتى إلى الدور الذي مافتئت تلعبه فرق مسرح الهواة كرافد هام في الدفع بالحركة المسرحية، وما إذا كانت مازالت تحتفظ بهذا الدور، وأين يكمن أهميته.

وتأسف الزبير بن بوشتى للوضع الحالي، موضحًا أن مسرح الهواة لم يعد يلعب دوره الريادي في الحركة المسرحية المغربية.

وبرر بوشتى هذا التراجع لمسرح الهواة  للعديد من الاعتبارات، أهمها أن روح التضحية والتطوع أصبحت عملة غير رائجة في العصر الحالي لدى أغلب الممارسين.

كما أوضح أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار انكماش الحركات اليسارية التي كانت تعد المحتضن الحقيقي لأي فعل حداثي يتطلع إلى غد أفضل، ولعل المسرح شكل العمود الفقري في مرحلة هامة من نضالات الشعوب ضد الاستبداد الكولونيالي وإفرازاته المابعد كولونيالية.

وعلى هذا الأساس عرف مسرح الهواة فترة من التهميش تدخل في إطار تضييق الخناق على أشكال التعبير في مفهومها الشامل. أي أن المسرح الهاوي، كفضاء للتوعية والتأطير والتربية على الحرية والمساواة والمواطنة الفاعلة، أصبح حقلاً قاحلاً، على حد تعبيره، بعد أن كان مسرح الهواة لعقود هو الوجه الحقيقي والرافد الأساس للمسرح المغربي.

وفي هذا الصدد قال بوشتى: “كان مسرحًا هادفًا جادًا إلى حد اليوتوبيا فقد تكالبت عليه كل التوجهات الفاسدة والمفسدة لتفريغه من محتواه واستنزاف طاقاته الإبداعية، في صراعات هامشية عصفت بكل أحلامه العتيدة، التي كانت تطمح للتأسيس لمسرح مغربي حداثي متجدر في تربته الأصيلة، ومتطلع إلى مستجدات مسارح العالم”.

ويضيف بوشتى: ما أحوج مسرحنا المغربي اليوم لهذه الروح القتالية والنضالية، والناكرة للذات، التي كانت تميز بعض رموز مسرح الهواة إلى حدود بداية التسعينيات من القرن الماضي.

أزمة المسرح المغربي

بوشتى تحدث أيضا عن أزمة المسرح المغربي، مؤكدًا أنها أزمة مركبة يتداخل في خضمها الإبداعي والتنظيمي والبنيوي، موضحًا أن 40 سنة من تضييق الخناق على المسرح وممارسيه أفرزت جسدًا مشوهًا يكاد يكون معوقًا، لولا نضالات متواصلة لنساء ورجال المسرح المغربي منذ عقود الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، على حد تعبيره.

وأضاف أن الحديث عن أزمة النصوص والإخراج، أو أزمة الإبداع بشكل عام هو حديث مفتعل لحجب حقيقة الأزمة الفعلية التي تكبح جماح انطلاقة حقيقية للمسرح المغربي.

وهي في البداية والنهاية أزمة حرية، على حد قول بوشتى، مبينًا أن الحديث عن الحرية في بلد يلهث وراء الحداثة في تمظهراتها المادية ويغفل العمق، فأنا أقصد بالضبط الحديث عن تضييق الخناق على الممارسة المسرحية بإضعاف البنية التحتية (انعدام قاعات مسرح تنتج وتقترح برمجة منتظمة في الزمان والمكان).

وعلى هذا الأساس يعتبر بوشتى أن ما يعيشه المسرح المغربي هو أزمة بنية أولا وقبل كل شيء، مشيرًا في هذا السياق إلى أن “المسرح هو فن وصناعة في آن واحد، إلا أن ذلك لا يمنع الاختلاف حول دور قلة الإمكانيات وانعدام بنيات تحتية لهذا المسرح، في تقليص مساحات الحرية المسموح له بها”.

مسرح في العناية المركزة

أما فيما يخص تقييم وضعية المسرح المغربي فيقول بوشتى إن القول بأن المسرح المغربي في صحة جيدة هو كلام غير دقيق، ولا يجانب الصواب في شيء، مشيرًا إلى أن الوضع الحالي  تحت عناية طبية مركزة، على حد تعبيره.

وقال إن جرعات صندوق الدعم المسرحي، التي تحاول أن تضخ في جسده الواهن حيوية جديدة، لا زالت تحتاج لجراح جريء لاستئصال الورم الخبيث الذي يحول دون تنظيم القطاع والخروج به من نفق الالتباس.

انعطافة جديدة

وبعبارة أوضح عُرِفَ المسرح المغربي بظهور صندوق الدعم، انعطافة جديدة في مساره العام، لكن هذه الانعطافة لم تنعكس بعدُ نتائجها مباشرة على الميدان، ذلك لأن المسرح المغربي في ظل صندوق الدعم عرف مشاكل من طينة جديدة، منها ما هو تنظيمي، ومنها ما هو مادي ومنها ما هو أخلاقي، مما حدا بأغلب الممارسين أن ينشغلوا في هذه الفترة عن الإبداع بمشاكل تنظيم القطاع، وهو انشغال ذو أهمية قصوى لمستقبل المسرح المغربي.

ومن هذا المنطلق أوضح بوشتى أنه يجب أن لا ينكر الدور الذي لعبه الدعم المسرحي في تكاثر الإنتاجات المسرحية، فضلاً عن  ظهور عقلية تولي أهمية لوضعية الفنان المغربي الاجتماعية والصحية، حيث أصبح للفنان المغربي تعاضدية صحية وبطاقة مهنية.

وإذا كانت تعاضدية الفنانين المغاربة قد انطلقت انطلاقة فعلية وقوية، وأصبح لها دور واقعي في حياة الفنان الصحية والاجتماعية، ويقول بوشتى إن بطاقة الفنان لا زالت في حاجة لترسانة من الاتفاقيات الإجرائية لتصبح ذات دور فاعل في الحياة الاجتماعية واليومية للفنان المغربي.

اختيار مدروس

حوار راديو صوت العرب مع الفنان “الزبير بن بوشتى” تطرق أيضًا إلى أعماله، فالمتابع لأعماله يدرك أنه عادة ما يتعامل مع فنانين من خارج الفرقة في مسرحياته الفنية، وهو اختيار مقصود ومدروس، وفق ما أكده بوشتى، لأنه يطمح إلى الاستفادة من إضافات الآخرين من الفنانين، لأن المسرح في النهاية هو بيت للجميع، وتحت سقفه يلتئم الجميع. مع العلم أن هناك اعتبارات تنظيمية تحث الإنتاجات المسرحية أن تتعامل مع خريجي المعاهد المسرحية  حاملي بطاقة الفنان.

اختيار مقصود

وعن اختيار بوشتى الاستقرار في مدينة طنجة، يقول كاتبنا المسرحي أنها اختيار مقصود لأنها مسقط رأسه. فباستثناء إقاماته المتقطعة في باريس قصد التكوين لمدد متفاوتة ومتقطعة لا يفكر في مكان غير طنجة للاستقرار النهائي.

وفي هذا الصدد يقول بوشتى: “هي طريقة حياة، وقد اخترت أن أظل مرتبطًا بتربتي حيث ترعرعت وتلقيت أبجديات الحياة”.

مرحلة تأمل وتساؤل

بوشتى تطرق إلى مشاريعه المستقبلية بعد “طنجيتانوس” و”رجل الخبز”، حيث يقول إنه على مستوى الكتابة بصدد مرحلة التأمل والتساؤل حول دور المسرح في حياة المجتمعات العربية بشكل خاص.

ولعل هذه الأسئلة حذت بي إلى أن أطلق مشروع إحداث الفضاء الثقافي والفني رياض السلطان بحي القصبة في طنجة.. وذلك بدعم من المديرية الجهوية للثقافة بطنجة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة.

ولعله المشروع النواة الذي من خلاله أعيد طرح السؤال على المجتمع بكل مكوناته عن ماهية المسرح والثقافة والفنون بشكل عام في حياة الإنسان المغربي اليوم.

العمل على الترجمات

ويعمل بوشتى حاليًا على عدة ترجمات نشرت مؤخرًا بفرنسا وإسبانيا لنصوصه المسرحية، مثل “للاجميلة” عن المنشورات الجامعية لجامعة جان جوريس بتولوز، ترجمها إلى الفرنسية سعيد بنجلون، «أقدام بيضاء» عن منشورات كانطارابيا بمدريد، ترجمتها إلى الإسبانية أنّا ماريا خيمينث، «رجل الخبز الحافي» عن المنشورات الجامعية لجامعية مونتيني ببوردو، ترجمها إلى الفرنسية سعيد حمّود.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين