اقتصاد

ملفات اقتصادية صعبة تنتظر الحكومة التونسية المقبلة

تونس- هاجر العيادي

مع تولي الرئيس المستقل قيس سعيد رئاسة تونس، تكتب تونس صفحة جديدة من تاريخها.. صفحة قد يرى فيه البعض بصيصًا من الأمل نحو الأفضل، فيما يرى آخرون أن الأمور ستزداد غموضًا في الفترة المقبلة، لاسيما على المستوى قطاع الاقتصاد، الذي يعيش تدهورًا واضحًا، وفق خبراء اقتصاديين.

ولعل أكثر ما يتفق عليه التونسيون هو أن الإصلاح الاقتصادي الفعلي لن يحصل إلا إذا توفرت الإرادة السياسية، وهذه النقطة تبدو مفقودة في ظل التجاذبات بين الأحزاب التي وصلت إلى البرلمان الجديد، حيث يقع على عاتقها تشكيل حكومة تحظى بتوافق.

تحديات الحكومة القادمة

وفي هذا السياق تنتظر الحكومة القادمة، التي يتوقع أن يتم تشكليها خلال أسابيع، ملفات صعبة وعهدة جديدة مزدحمة بالتحديات الاقتصادية، وخاصة الاستجابة لطموحات الشباب الطامح إلى الخروج من حصار البطالة، وفق مراقبين.

ملفات اقتصادية

ومن هذا المنطلق يجمع اقتصاديون على أن الحكومة الجديدة تنتظرها ملفات اقتصادية على غاية من الأهمية إلى درجة أن هامش تحركها لن يكون كبيرا، وأنه يتعين عليها منذ اليوم الأول الانكباب على حلها.

كيفية تنفيذ موازنة 2020

واعتبر الخبير عزالدين سعيدان في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية التونسية (وات) أن أهم تحدّ يتمثل في كيفية تنفيذ موازنة 2020 التي بيّن أن بناءها غير متوازن، لاسيما وأن حوالي نصفها سوف يخصص لبند الأجور.

وستكون فاتورة الأجور حوالي 19 مليار دينار ما يعادل 6.74 مليار دولار من أصل حجم الموازنة البالغ قيمتها 16.67 مليار دولار وفق  وثيقة الموازنة القادمة.

كما يرى سعيدان أن حجم الموازنة يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي والحال أن المعايير الدولية تشترط ألا يتجاوز حجمها العشرين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

تحدي الدين والاقتراض

وإلى جانب هذا نجد من التحديات الهامة التي تنتظر الحكومة المقبلة وفق سعيدان، مسألة الاقتراض المبرمج لتمويل الموازنة، الذي سيناهز 4.26 مليار دولار بزيادة بنحو 16% عن توقعات الموازنة الحالية، وهو ما يزيد تكاليف الاقتراض وانعكاساته السلبية على خدمة الديون.

من جهة أخرى حذّر سعيدان الحكومة القادمة من خطورة تفاقم مستوى الدين العام والذي سيبلغ 89 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام المقبل، بينما سيفوق الدين الخارجي 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ما سيضاعف حجم الصعوبات.

الملفات الطارئة

وفيما يخص الملفات العاجلة والتي تتطلب حلاً في القريب نجد مسألة السيطرة على التضخم البالغ 6.7%، والمزيد من التحكم في عجز الميزان التجاري الذي بلغ نحو 5 مليارات دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2019، فضلاً عن العمل على التحكم في نفقات الدولة.

وفي هذا الصدد يرى مراقبون ضرورة التشخيص الحقيقي والموضوعي للأوضاع الاقتصادية، والدخول مباشرة في برنامج إصلاح هيكلي يدوم عامًا ونصف العام ثم الشروع الفعلي في إنجاز الإصلاحات الكبرى التي تستغرق قرابة أربعة أعوام.

طرح مبادرات جديدة

من جانبه يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي أن الحكومة المقبلة عليها طرح مبادرات جديدة تصل إلى مستوى النضج الاقتصادي، حتى ترفع من منسوب النمو الذي سجل مستويات منخفضة لم ترتق إلى حجم التطلعات، ولاسيما مكافحة البطالة التي بقيت عند مستوى 15.3%.

عراقيل وصعوبات

وفي هذا الصدد قال الشكندالي إن “الحكومة القادمة ستعترضها تعقيدات المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، حيث ينتهي اتفاق الصندوق الممدّد في شهر أبريل المقبل”.

كما أوضح أن الحكومة الحالية لم تتمكن من الوصول إلى أي من هذه الأهداف المضمّنة في هذا الاتفاق، ممّا سيرفع من سقف شروط الصندوق في المفاوضات القادمة، وهو “ما يتطلب برنامجا حكوميًا في غاية الوضوح والواقعية”.

على صعيد آخر أشار خبير الاقتصاد، عبد الرحمن اللاحقة إلى أن التحديات الاقتصادية لم تتغير وسترافق الحكومة القادمة التي يتعين عليها الحسم فيها بصفة جذرية.

حزمة من الإصلاحات

وفي هذا السياق قال عبد الرحمن اللاحقة لوكالة وات “يجب أن تكون الإصلاحات الاقتصادية جدية وتؤخذ مرة واحدة بقرار شجاع وقوي” موضحًا أن الحكومات السابقة شرعت في سنّ حزمة من الإصلاحات لكن سرعان ما توقفت عن تنفيذها بسبب تراخيها في معالجة الأمر.

واعتبر اللاحقة على أن إعادة تحفيز النشاط الاقتصادي من أهم أولويات الحكومة القادمة، مشيرا إلى أنه حتى اليوم لم يتمكن أحد من إيجاد “الوصفة لدفع الأنشطة التجارية على الوجه الأكمل خلال السنوات الأخيرة” مشيرًا إلى  تدني الخدمات حيث التراجع اللافت للخدمات الصحية والتعليم والنقل والتي ستكون تحدّيا هاما للحكومة القادمة.

كما أكد أن الإصلاحات الضريبية ستكون من الملفات المطروحة على طاولة رئيس الحكومة القادم وذلك من منطلق أن هذا الإصلاح لم يتم حتى الآن معتبرا أنه من الضروري إعادة الأمل للجهات الداخلية لاسيما المناطق المحرومة والمهمّشة بالتسريع في نسق إنجاز مشاريع البنية التحتية.

إضرابات واعتصامات

يذكر أن تونس عرفت منذ  2014 العديد من الإضرابات والاعتصامات شلّت عددا من القطاعات الحيوية على غرار قطاع الفوسفات.

ومن المترقب أن تنكب الحكومة القادمة على ملفّين يعتبران الشعار الأبرز في انتخابات 2019 وهما مكافحة الفساد وتكريس دولة القانون، وفق مراقبين.

وفي هذا الإطار يعتبر الخبراء أن الخسائر المالية الكبيرة التي تسجلها معظم مؤسسات القطاع العام لم تكن إلا نتيجة لسوء الحوكمة وتفشي ظاهرة الفساد فيها.

ولدى الأوساط الاقتصادية قناعة بأن تلكؤ الدولة في تنفيذ القوانين من أهم الأسباب التي عطلت الإنتاج في أغلب القطاعات ما عدا السياحة.

في الأثناء يتوقع صندوق النقد نمو الاقتصاد التونسي بنحو 1.5% بنهاية هذا العام، وهو أقل من توقعات الحكومة والبالغة 3.1% رغم الحصاد الزراعي القياسي والموسم السياحي الاستثنائي.

وفي سياق متصل تحدثت وكالة موديز عن التصنيف الائتماني على أن يتسارع النمو في الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ مستوى 2.4% بنهاية العام المقبل.

نمو غير كاف

واعتبرت الوكالة هذا النمو غير كاف لخفض البطالة “بصورة كبيرة”، وأن السلطات مطالبة بتنفيذ البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد.

وفي هذا الإطار قالت موديز في مذكرة نشرتها الثلاثاء الماضي إن تلك الخطة “أمر ضروري حتى تتمكن الحكومة من تلبية احتياجاتها التمويلية بمعدلات مقبولة، مع الحفاظ على استقرار مستوى الدين العام والخارجي وصولاً في نهاية الأمر إلى تخفيضه”.

من الواضح، وفق خبراء اقتصاديين ومراقبين للوضع في تونس، أن الملفّات الاقتصادية الحارقة تعد أكبر التحديات التي ستواجهها الحكومة التونسية المقبلة، لاسيما بعد أن عجزت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 عن تغيير النظرة البيروقراطية في التعاطي مع أزمات البلاد الكثيرة والمزمنة.. فهل ستظل دار لقمان على حالها؟، أم أن المستحيل سيصبح ممكنًا؟

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين