أخبار العالم العربي

الشعب التونسي يطلق حملة مقاطعة لمواجهة غلاء الأسعار

تونس- هاجر العيادي

تشهد تونس ارتفاعًا ملحوظًا لأسعار المنتجات الاستهلاكية.. وهو الارتفاع الذي أفرغ جيوب المواطنين، وجعلهم غير قادرين على توفيرها لأسرهم، حيث قررت شريحة من التونسيين منذ أكثر من أسبوع مجابهته بممارسة ضغوط على السلطات بهدف إيجاد حل للأزمة.

وفي هذا السياق أطلق عدد من الشباب حملة مقاطعة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. وجاءت هذه الحملة تحت شعار ”قاطع الغلاء تعيش بالقدا”، بما معناه قاطع الغلاء تعيش أفضل، وهي ليست الحملة الأولى من نوعها، ممّا يعني أنها أمام اختبار للنجاح.

وجاءت هذه المبادرة بهدف التخلّص من جشع التجار الذين يراكمون الأرباح بطرق عشوائية، مما تسبّب في تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، ولاسيما الطبقة الفقيرة والشرائح الاجتماعية محدودة الدخل.

ومن هذا المنطلق ضمّت الحملة عددًا كبيرًا من المشاركين الذين دعوا إلى مقاطعة منتجات معيّنة تتسم بالارتفاع الكبير في الأسعار بسبب ندرتها، نظرًا إلى عمليات الاحتكار التي يقوم بها التجار.

كما أنها تعكس هذه الحملة حالة الاحتقان الاجتماعي في ظلّ ضبابية المشهد السياسي حتى الآن مدى التخبّط في معالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ سنوات.

تفاعل كبير

يشار إلى أن هذه الحملة لاقت تفاعلاً كبيرًا من جانب المواطنين، وسرعان ما استجاب التونسيون لها، حيث اضطروا في ظلّ الأوضاع السائدة، وانعدام السبل الكفيلة بزيادة النمو، وتحسين الأوضاع الاجتماعية، إلى سلاح المقاطعة للمنتجات التي تشهد ارتفاعًا في أسعارها، كالبطاطا والموز والتمور.

كما أجبرت الأزمات المتراكمة المواطنين على مراجعة عاداتهم الغذائية، فتخلّوا أيضًا عن الاستهلاك المرتبط بالمناسبات الدينية، فقاطع عدد كبير منهم مادة الزقزقو التي يكثر الإقبال عليها أثناء الاحتفالات بالمولد النبوي.

ضغط على الحكومة

وفي هذا الصدد قالت نور السعفي وهي إحدى المشاركات في حملة ”قاطع الغلاء تعيش بالقدا”، لراديو صوت العرب من أمريكا إن المقاطعة تهدف إلى الضغط على الحكومة للضرب بقوة على أيادي المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وإجبار التجار على خفض الأسعار.

مقاطعة اجتماعية

فيما ينفي احد الناشطين في حملة المقاطعة وجود أيّ تدخل سياسي فيها، مؤكدًا أنّ الحملة عفوية ويقودها مجموعة من الشباب، وأظهرت تجاوبًا كبيرًا من روّاد فيسبوك، مما شجع على مواصلتها لتحقيق مطالب الآلاف ممن تبنّوا الفكرة.

الحملة مستمرة

من جهة أخرى أكد الناشط الذي طلب عدم ذكر اسمه أن الحملة متواصلة إلى حين خفض الأسعار بما يلائم كافة الشرائح الاجتماعية، وهو أمر مشروط بتجاوب السلطات وفرضها لرقابة اقتصادية أكثر صرامة لحماية المستهلكين.

طريقة جديدة للاحتجاج

وينظر البعض إلى هذه المبادرة باعتبارها نوعًا جديدًا من الاحتجاج، لاسيما وأنّ التحرّكات الاحتجاجية من قبل النقابات العمالية والجهات التي تهتم بالدفاع عن المستهلكين لم تعُد تُجدي نفعًا في أغلب الأحيان.

كما يرى خبراء اقتصاديون أن المقاطعة سلاح فعّال، يعبّر عن وعي اقتصادي، ومن شأنه دفع الحكومات إلى تدارك سياساتها الاقتصادية الخاطئة.

ارتفاع نسب التضخّم

وفي هذا الصدد كشفت عدة بيانات مؤخرًا ارتفاع نسب التضخّم التي استقرت خلال أكتوبر الجاري عند 6.7%، إضافة إلى انعدام النموّ ونقص الإنتاجية الذي دفع بالأسعار إلى الارتفاع.

وترجع بعض التقارير هذا الارتفاع  إلى الفوضى التي ضربت تونس في يناير 2011، والتي أدت إلى تراجع نسبة شريحة الطبقة الوسطى نتيجة غلاء المعيشة، وفق ما أشارت إليه دراسة للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، مشيرة إلى أن نسبة الطبقة الوسطى تراجعت من نحو 70% في 2010 إلى لتصل إلى 50% في العام الماضي.

الاستقرار الاجتماعي مهدد

في الأثناء يقول خبراء إن تقلّص حجم الطبقة الوسطى يهدّد الاستقرار الاجتماعي، باعتبارها صمام الأمان المجتمعي، وهي التي تتأثر بالهزّات الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

ومن هذا المنطلق تأتي حملة المقاطعة في إطار تصعيد الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل على الحكومة نظرًا إلى عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تحسين أوضاعها.

على صعيد آخر تعاني الأسواق من فوضى شاملة على أساس استفحال ظاهرتيْ التهريب والتجارة الموازية، اللتين أخلّتا بقواعد المنافسة التجارية وفق خبراء اقتصاديون.

تغيير الوجهة

من جهة أخرى دفع غليان الأسعار وضعف القدرة الشرائية الكثير من الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود لتغيير وجهتها نحو الأسواق الموازية، وأسواق الملابس المستعملة لتوفير المستلزمات بأقلّ التكاليف.

وتتجه أصابع اللوم نحو الحكومة في انتعاش السوق الموازية على حساب القطاعات المنظمة، ممّا ضرب القدرة الشرائية للمواطنين وحتى حركة التسوّق والتبضّع.

الحكومة عاجزة

ومن هذا المنطلق يشير خبراء إلى أن الحكومة، ورغم ترسانة التشريعات والقوانين التجارية والجمركية، لم تتمكّن من القضاء على التهريب، وفكّ عزلة السلع المحلية التي قلّ الإقبال عليها لارتفاع أسعارها.

ومن المتوقع أن يهدّد استمرار المقاطعة قطاعات التصنيع والإنتاج، لاسيّما في ذروة نشاط السوق، مما يفرض على السلطات والمصنّعين المحشورين في الزاوية مراجعة حساباتهم وفق متابعين.

على منوال المغرب والجزائر

يذكر أن حملة “قاطع الغلاء تعيش بالقدا” ليست الأولى في الوطن العربي، فهي تأتي على منوال ما حصل في المغرب والجزائر خلال الأشهر الماضية، وسبق وأن أثبتت المقاطعة فعاليتها في المغرب، حيث بدأت الحملة تتشكّل من فيسبوك لتكبر وتخرج إلى الشارع.

وقد تضررت منها شركات كبرى تعمل في صناعة الوقود والألبان والمياه المعلّبة، لتنسحب فيما بعد إلى منتجات أخرى، لتنتقل العدوى في ما بعد إلى الجزائر، الدولة التي تعتمد على النفط بشكل مفرط، إثر حملة مقاطعة للوقود التي أجبرت المورّدين على خفض أسعاره بشكل معقول.

من الواضح، وفق مراقبين أن الوضع في تونس شبيه بجاريتها المغرب والجزائر، لاسيما على مستوى غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، فهل سيكون لهذه المقاطعة نتيجة إيجابية في تونس، أم ستظل مجردة مقاطعة على ساحة الفيسبوك الافتراضية.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين