القيود الجديدة على القروض الطلابية تدفع الطلاب إلى البنوك الخاصة.. ومخاوف من حرمان محدودي الدخل من التعليم
تتجه أعداد متزايدة من الطلاب في الولايات المتحدة إلى البنوك وشركات التمويل الخاصة لتغطية تكاليف تعليمهم الجامعي، بعد دخول القيود الجديدة على القروض الطلابية الفيدرالية حيز التنفيذ خلال خريف 2026، في ظل مخاوف من ارتفاع أعباء الديون وصعوبة حصول أبناء الأسر محدودة الدخل على فرص التعليم العالي.
وتسلط وكالة «أسوشيتد برس» الضوء على تأثير هذه التغييرات من خلال تجارب طلاب اضطروا إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، بعدما لم تعد القروض الحكومية قادرة على تغطية التكلفة الكاملة لبرامجهم الدراسية، خاصة في التخصصات مرتفعة التكاليف مثل الطب وطب الأسنان والقانون.
سقف جديد للقروض
وتعود التغييرات إلى قانون الرئيس دونالد ترامب المعروف باسم «القانون الكبير الجميل»، الذي وضع حدودًا جديدة للاقتراض من برامج القروض الطلابية الفيدرالية، اعتبارًا من الأول من يوليو 2026.
وبموجب القواعد الجديدة، أصبح الحد الأقصى الإجمالي لقروض طلاب الدراسات العليا 100 ألف دولار، مقابل 200 ألف دولار للطلاب الملتحقين ببرامج الدرجات المهنية المؤهلة، فيما يبلغ الحد السنوي 20 ألفًا و500 دولار للدراسات العليا، و50 ألف دولار للبرامج المهنية.
كما حُدد سقف إجمالي للاقتراض الفيدرالي طوال حياة المقترض عند 257 ألفًا و500 دولار، وفرضت قيود جديدة على قروض الآباء لتمويل تعليم أبنائهم، بحد أقصى 20 ألف دولار سنويًا و65 ألف دولار إجمالًا لكل طالب مُعال.
وكان بإمكان طلاب الدراسات العليا، قبل تطبيق التعديلات، الاستفادة من برنامج القروض الفيدرالية «Graduate PLUS» لاقتراض مبالغ تغطي كامل تكاليف الدراسة المؤهلة، لكن البرنامج أُلغي بالنسبة لمعظم المقترضين الجدد، ما ترك فجوة تمويلية يتعين على الطلاب تدبيرها من مصادر أخرى.
نصف مليون مقترض
وتشير تقديرات جوردان ماتسودايرا، مدير مركز أبحاث التعليم ما بعد الثانوي والاقتصاد بالجامعة الأمريكية، إلى أن أكثر من نصف مليون مقترض قد يحتاجون، بعد اكتمال تطبيق التغييرات، إلى توفير نحو 20 ألف دولار إضافية سنويًا من خارج برامج القروض الفيدرالية.
ويتركز التأثير الأكبر، وفق التحليل، على الطلاب الملتحقين ببرامج مرتفعة التكلفة، مثل الطب والقانون وطب الأسنان، التي قد تتجاوز مصروفاتها الحدود الجديدة المسموح باقتراضها من الحكومة.
وتقول إدارة ترامب إن القيود تستهدف الحد من الاقتراض المفرط، والضغط على الجامعات لإعادة النظر في الرسوم الدراسية وتقليل تكاليف البرامج التعليمية. ووفقًا لمعهد المشاريع الأمريكي، خفضت 40 مؤسسة تعليمية على الأقل تكلفة بعض برامجها منذ بدء تطبيق القيود.
لكن منتقدين يحذرون من أن كثيرًا من الجامعات لن يكون بمقدورها خفض الرسوم بالقدر الكافي، وأن القيود قد تجعل الالتحاق بالتخصصات المهنية حكرًا بصورة متزايدة على الطلاب الذين تستطيع أسرهم تحمل التكاليف أو توفير ضمانات ائتمانية للحصول على قروض خاصة.
أرباح شركات التمويل
وبدأت آثار التحول نحو الإقراض الخاص تظهر في نتائج الشركات العاملة بهذا المجال. فقد أعلنت شركة «SoFi» في أواخر أكتوبر أن قيمة قروض الطلاب التي منحتها بلغت 2.9 مليار دولار خلال الربع الثالث من العام، أي ما يقرب من ضعف مستواها خلال الفترة نفسها من العام السابق.
كما كشفت شركة «سالي ماي»، التي تستحوذ على أكثر من نصف سوق قروض الطلاب الخاصة، عن ارتفاع قروض الدراسات العليا لديها بنسبة 119% على أساس سنوي.
وتختلف القروض الخاصة عن الفيدرالية في شروطها ومزاياها؛ إذ توفر القروض الحكومية خيارات أكثر مرونة للسداد، وإمكانية الإعفاء من الرصيد المتبقي بعد 10 سنوات لبعض العاملين في الخدمة العامة، فضلًا عن أسعار فائدة أقل لدى كثير من المقترضين، بينما تعتمد الموافقة على القروض الخاصة بدرجة أكبر على الجدارة الائتمانية، وقدرة المقترض أو الضامن على السداد.
خيارات صعبة
وتعرض «أسوشيتد برس» حالة كلوي فرابوتا، البالغة من العمر 25 عامًا، التي بدأت دراسة برنامج لإعداد مساعدي الأطباء في كلية طب وايل كورنيل بمدينة نيويورك.
واضطرت إلى اقتراض نحو 6 آلاف دولار فقط من القروض الفيدرالية للفصل الدراسي الأول، بينما لجأت إلى قروض خاصة لتغطية بقية التكاليف، بمساعدة والدتها التي وافقت على ضمان القرض.
وكانت حالة عدم اليقين بشأن تصنيف برنامجها ضمن التخصصات المهنية المؤهلة للحصول على سقف اقتراض أعلى قد زادت قلقها قبل بدء الدراسة، خاصة أن تحديد البرامج المؤهلة ظل محل نزاع حتى أسابيع قليلة من تطبيق القواعد الجديدة.
وفي كلية طب الأسنان بجامعة هوارد، واجه الطالب داريان بوغي، البالغ من العمر 25 عامًا، صعوبة في الحصول على قرض خاص بعد رفض طلبه من عدد من جهات التمويل، فلجأ إلى حملة تمويل جماعي لجمع جزء من عشرات الآلاف من الدولارات التي لم تغطها القروض الفيدرالية، ونجح في جمع نحو 76 ألف دولار.
كما اضطرت طالبة أخرى في برنامج مساعدي الأطباء بكلية وايل كورنيل، تُدعى ماديسون جيسن، إلى استخدام معظم مدخراتها الشخصية لتغطية تكاليف الفصل الدراسي الأول، بينما قالت إن عددًا من صديقاتها الأصغر سنًا تراجعن عن خطط الالتحاق بالبرنامج بسبب القيود الجديدة.
الجامعات تتدخل
وفي مواجهة صعوبة حصول بعض الطلاب على التمويل، بدأت مؤسسات تعليمية في توفير بدائل خاصة بها. فقد سجلت مؤسسة قروض الطلاب في ولاية كارولينا الجنوبية ارتفاعًا بنسبة 400% في اقتراض طلاب الدراسات العليا هذا العام، بعد توفير خيارات تمويل إضافية.
كما دخلت بعض الجامعات مجال الإقراض المباشر، ومن بينها كلية الحقوق بجامعة كانساس، التي وافقت على ثمانية قروض حتى الآن، مع وجود طلبات أخرى قيد الدراسة.
وقال ستيفن فريدمان، العميد المساعد لشؤون القبول بالكلية، إن هذه القروض ضرورية للحفاظ على فرص الوصول إلى التعليم القانوني، محذرًا من أن ترك التمويل بالكامل للبنوك الخاصة يعني منحها سلطة تحديد الطلاب القادرين على الالتحاق بكلية الحقوق.
وفي كلية لويس وكلارك بولاية أوريغون، رصد مكتب المساعدات المالية زيادة في القروض الخاصة، فيما بدأت كلية الدراسات العليا للتربية والإرشاد تقديم منحة جديدة خلال الخريف لمساعدة الطلاب المتضررين من القيود.
ارتباك في التصنيفات
وزادت التغييرات المفاجئة في تحديد البرامج المهنية المؤهلة للحصول على سقوف القروض الأعلى من ارتباك الطلاب والجامعات.
واستمر الخلاف القانوني بشأن تصنيف بعض التخصصات حتى الأيام الأخيرة قبل تطبيق القواعد، قبل أن يوقف قاضٍ اتحادي جزءًا من القاعدة التي وضعتها إدارة ترامب، بما أتاح لطلاب التمريض والعلاج الطبيعي وعدد من المجالات الأخرى الاستفادة من حدود اقتراض أعلى في الوقت الحالي.
وقال جون ويتر، الرئيس التنفيذي لشركة «سالي ماي»، إن التعديلات التي طرأت في اللحظات الأخيرة أدت إلى تأخر الجامعات في إرسال حزم المساعدات المالية للطلاب، ما تسبب في امتداد موسم الإقراض إلى شهر أكتوبر.
كما تلقى مسؤولو كلية طب وايل كورنيل عشرات الاتصالات من الطلاب وأسرهم للاستفسار عن التغييرات، بحسب عميد الكلية روبرت هارينغتون، الذي أعرب عن قلقه من أن تتحول البرامج التعليمية إلى فرص متاحة أساسًا لمن تستطيع أسرهم تحمل تكاليفها.
وتعيد القيود الجديدة تشكيل سوق تمويل التعليم العالي في الولايات المتحدة، مع انتقال جزء من الطلب من القروض الحكومية إلى المؤسسات الخاصة، في وقت لا يزال فيه الجدل قائمًا بشأن ما إذا كانت هذه السياسة ستؤدي بالفعل إلى خفض تكاليف الجامعات، أم ستزيد العقبات المالية أمام الطلاب الراغبين في استكمال تعليمهم.



