أخبارأخبار أميركا

معدل المواليد في أمريكا عند أدنى مستوى بسبب تأجيل الإنجاب وارتفاع تكاليف تربية الأطفال

تراجع معدل المواليد في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي منخفض خلال عام 2025، مع استمرار عزوف عدد متزايد من النساء في العشرينيات عن الإنجاب، في مقابل ارتفاع معدلات المواليد بين النساء في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، في تحول يعكس تغير أولويات الأجيال الشابة وارتفاع تكاليف تربية الأطفال، وفقًا لموقع NPR.

وتجسد تجربة سارة هاريس، المقيمة في ولاية فيرمونت، جانبًا من هذا التحول؛ إذ أنجبت ابنتها بريدجيت العام الماضي عندما كانت تبلغ 36 عامًا، لكنها واجهت بعد أربعة أشهر من الولادة فقدان وظيفتها، لتجد نفسها أمام تحديات تتعلق بمستقبلها المهني والشخصي.

وتقول هاريس إن إنجاب طفل في منتصف الثلاثينيات يمنح الأم قدرًا أكبر من الحكمة والخبرة، لكنه يأتي أيضًا مع تراجع الطاقة، مشيرة إلى أن عدم الاستقرار المالي وارتفاع تكاليف تربية الأطفال دفعاها إلى الاكتفاء بطفل واحد، رغم اعتقادها أنها ربما كانت ستنجب المزيد في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة.

تراجع قياسي

وأظهر أحدث تقرير صادر عن المركز الوطني للإحصاءات الصحية التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها انخفاض معدل الخصوبة العام في الولايات المتحدة بنسبة 1% خلال عام 2025، ليسجل مستوى قياسيًا منخفضًا جديدًا، مواصلًا اتجاهًا ممتدًا منذ نحو عقدين نحو إنجاب عدد أقل من الأطفال.

وكان التراجع أكثر وضوحًا بين النساء الأصغر سنًا؛ إذ انخفض معدل المواليد بنسبة 6% بين النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 عامًا، وبنسبة 7% بين المراهقات في أواخر سن المراهقة.

ووجدت دراسة منفصلة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن نساء الجيل «زد»، خصوصًا في أواخر سن المراهقة والعشرينيات، أقل ميلًا إلى الرغبة في الإنجاب مقارنة بنساء الأجيال السابقة في الولايات المتحدة.

وأرجعت الدراسة هذا الاتجاه إلى مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع التكاليف المالية، وزيادة فرص العمل والاستقلال في اتخاذ القرارات لدى النساء، وتغير الأولويات الشخصية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بمخاطر الحمل والولادة.

وقالت الدكتورة تانيس برانش، المديرة الطبية لقسم الولادة في شبكة «تمبل هيلث» بولاية بنسلفانيا، إن عددًا متزايدًا من مريضاتها الشابات يعيدن النظر في قرار الإنجاب، مع التركيز على ما يمكنهن تقديمه لأطفالهن، وما إذا كانت الأمومة تتوافق مع احتياجاتهن وظروفهن الشخصية.

الأمومة المتأخرة

في المقابل، سجلت معدلات المواليد ارتفاعًا بين النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 30 و45 عامًا، في مؤشر على اتجاه متزايد نحو تأجيل الإنجاب إلى مراحل لاحقة من الحياة.

وترى برانش أن بعض النساء يفضلن بناء مسيرة مهنية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار قبل تكوين أسرة. وهي نفسها حامل بطفلها الرابع، ومن المتوقع أن تبلغ 43 عامًا عند الولادة، بعدما بدأت رحلة الإنجاب في سن 37 عامًا.

وتعكس هذه التجارب اتساع الخيارات المتاحة أمام النساء، لكنها تبرز أيضًا التحديات المرتبطة بتأخير الأمومة، في ظل الضغوط المهنية والاقتصادية التي تؤثر في قرارات تكوين الأسرة.

تكاليف مرتفعة

وأدى تراجع معدلات الإنجاب إلى انخفاض عدد الأطفال في الولايات المتحدة، حيث تشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى تراجع أعداد السكان الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا، مع انخفاض تجاوز مليون شخص بين عامي 2010 و2020.

ويرى خبراء أن ارتفاع تكاليف السكن ورعاية الأطفال والتأمين الصحي يمثل أحد العوامل الأساسية وراء تراجع الإنجاب، مؤكدين أن توفير دعم اقتصادي واجتماعي أكبر قد يساعد بعض الأسر على إنجاب العدد الذي ترغب فيه من الأطفال.

وقالت آنا لوي سوسمان، مؤلفة كتاب «غير معقول» الذي يتناول خيارات الإنجاب والأمومة، إن كثيرًا من الشباب ما زالوا يرغبون في تكوين أسر، لكنهم لا يشعرون بأنهم قادرون على تحمل الأعباء المالية المترتبة على ذلك.

وأضافت سوسمان، التي أجّلت الإنجاب حتى أوائل الأربعينيات من عمرها وجمّدت بويضاتها في وقت سابق، أن الاستقرار المهني والاقتصادي الذي حققته لاحقًا منحها شعورًا بأنها أصبحت أكثر استعدادًا للأمومة.

تداعيات سكانية

ويتزامن تراجع المواليد مع تقدم السكان في العمر؛ إذ ارتفع متوسط العمر في الولايات المتحدة إلى 39.4 عامًا خلال عام 2025، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، كما تواجه ولايات عدة انخفاضًا فعليًا في أعداد سكانها.

وتثير هذه التغيرات مخاوف بشأن مستقبل المجتمعات المحلية والخدمات العامة، خصوصًا في المناطق الصغيرة التي يعتمد استمرار مدارسها ومؤسساتها على وجود أعداد كافية من الأطفال والأسر الشابة.

وفي ولاية فيرمونت، حيث تعيش هاريس، بات الحفاظ على استمرار المدارس الابتدائية أحد أوجه القلق المرتبطة بتراجع المواليد، في ظل تحول ديموغرافي لا يرتبط فقط بتوقيت الإنجاب، بل أيضًا بقدرة الأسر على تحمل تكاليفه.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن انخفاض المواليد في الولايات المتحدة لا يعكس سببًا واحدًا، بل حصيلة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وشخصية، فيما أصبح تأجيل الأمومة إلى سن أكبر جزءًا متزايد الأهمية من المشهد السكاني الأمريكي.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى