غارات الأردن على جنوب سوريا تُشعل خلافًا بين البلدين وتحركات لاحتواء الأزمة
الأردن يعتذر لسقوط ضحايا مدنيين ومساعي لتشكيل لجنة تحقيق مشتركة

أثارت الغارات الجوية التي نفذها الجيش الأردني على مناطق في جنوب سوريا، مساء الاثنين، توترًا بين عمّان ودمشق، بعدما أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وإصابة ثلاثة آخرين، وفق السلطات السورية.
وبينما أكد الأردن أن العملية استهدفت مواقع لتنظيم داعش بهدف إحباط تهديدات إرهابية لأمن المملكة، اعتبرت سوريا القصف انتهاكًا غير مقبول لسيادتها، مؤكدة أنه نُفذ دون تنسيق مسبق، في وقت بدأ فيه البلدان اتصالات لاحتواء تداعيات الحادث وتشكيل لجنة مشتركة لمنع تكراره.
وتكشف التصريحات الرسمية الصادرة عن الجانبين، اليوم الثلاثاء، عن خلاف واضح بشأن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف ومدى التنسيق الذي سبق العملية، رغم تأكيد الحكومتين حرصهما على استمرار العلاقات الثنائية والتعاون الأمني، خصوصًا في مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود المشتركة.
حصيلة الضحايا
أعلنت مديرية الصحة في محافظة درعا ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات الأردنية إلى سبعة قتلى وثلاثة مصابين، بعدما استهدفت الطائرات مواقع في منطقة الطف ومحيط بلدتي نصيب والمزيريب بريف درعا، إلى جانب موقع في ريف السويداء.
ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مدير صحة درعا، الدكتور خالد العميان، أن القتلى هم ثلاثة أطفال وامرأة وثلاثة رجال، بينهم مسن، فيما شملت الإصابات رجلين وطفلًا، مشيرًا إلى أن الجهات المختصة تواصل متابعة ملابسات الغارات وحصر أضرارها.
وكشفت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية أن فرق الدفاع المدني استجابت لأربعة مواقع تعرضت للقصف في ريفي درعا والسويداء، حيث أسفرت غارة استهدفت خيمة في قرية الطف بمنطقة اللجاة شمال شرقي درعا عن مقتل خمسة مدنيين من عائلة واحدة وإصابة ثلاثة آخرين.
كما قُتل رجل يبلغ من العمر 80 عامًا في مزارع الشياح قرب بلدة نصيب، فيما لقي رجل آخر يبلغ 60 عامًا مصرعه في بلدة شهيب بريف السويداء، بينما لم تُسجل إصابات في غارة استهدفت منزلًا في المزيريب غربي درعا.
ونقلت الجزيرة نت شهادات من المناطق المستهدفة، تضمنت مطالبات من السكان بتفسير أسباب القصف، خصوصًا بعد سقوط ضحايا مدنيين. وأشارت التغطية إلى أن سكان أحد المنازل المستهدفة كانوا خارجه لحظة الغارة، ما حال دون وقوع إصابات، فيما عملت قوى الأمن الداخلي على التعامل مع صاروخ غير منفجر في المزيريب.
دمشق ترفض القصف
أعربت الحكومة السورية عن رفضها الغارات الجوية الأردنية، مؤكدة أنها جرت دون تنسيق مسبق مع السلطات السورية، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، في مناطق جنوب البلاد.
وذكرت الحكومة، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) أن الجهات المعنية تتابع التطورات الميدانية باهتمام بالغ، وتعمل على تقديم الدعم للمتضررين، بالتزامن مع إجراء تحقيقات للوقوف على ملابسات القصف وتحديد طبيعة المواقع المستهدفة.
وأوضحت أن وزارة الخارجية والمغتربين أبلغت الجانب الأردني تحفظها الكامل على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية دون تنسيق مسبق، مشددة على ضرورة احترام السيادة السورية واعتماد القنوات الرسمية لمعالجة التحديات الأمنية المشتركة.
وفي موقف أكثر وضوحًا، أعلنت دمشق استنكارها ورفضها القصف الأردني وما رافقه من اختراق للأجواء السورية، معتبرة أن مثل هذه العمليات تمثل انتهاكًا غير مقبول للسيادة الوطنية.
وأكدت وزارة الخارجية السورية في بيان لها أن مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة تمثل مصلحة مشتركة للبلدين، لكنها شددت على أن مواجهة هذه التحديات يجب أن تتم من خلال التنسيق والتعاون، وليس عبر عمليات عسكرية أحادية الجانب.
وأعلنت سوريا العمل على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة عاجلة مع الأردن، بهدف معالجة تداعيات الحادث ووضع آليات تمنع تكرار الخروقات، وتحافظ على أمن البلدين واستقرارهما.
الأردن: نفد صبرنا
في المقابل، دافعت الحكومة الأردنية عن العملية العسكرية، مؤكدة أنها استهدفت مواقع لتنظيم داعش داخل الأراضي السورية، استنادًا إلى معلومات ميدانية بشأن تهديدات إرهابية مؤكدة تستهدف أمن المملكة.
وقال وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، إن القوات المسلحة الأردنية نفذت الغارات بعد أن «نفد صبر الأردن» إزاء تحركات التنظيمات الإرهابية وتهديداتها المتواصلة للأمن الوطني.
وأوضح في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن النتائج الأولية للعملية تشير إلى مقتل أكثر من 20 عنصرًا من تنظيم داعش، وتدمير مستودع أسلحة ضخم تابع للتنظيم، مشددًا على أن الغارات استهدفت تحييد تهديدات فعلية ومنع تنفيذ عمليات إرهابية ضد الأردن.
وتُعد هذه الأرقام جزءًا من الرواية الرسمية الأردنية، ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، خصوصًا في ظل الخلاف بين عمّان ودمشق بشأن طبيعة المواقع المستهدفة والضحايا الذين سقطوا خلالها.
وأشار المومني إلى أن العملية جاءت في سياق مواجهة تهديدات إرهابية استهدفت المملكة، من بينها الهجوم الذي وقع قبل أيام في قرية حمود بمحافظة الكرك، مؤكدًا أن تنظيم داعش يشكل خطرًا مشتركًا على الأردن وسوريا.
اعتذار عن الضحايا
ورغم دفاع الحكومة الأردنية عن العملية، أعرب المومني عن أسف بلاده لسقوط ضحايا مدنيين، مؤكدًا أن القوات الأردنية امتنعت عن استهداف مواقع أشارت المعلومات المتوافرة إلى وجود مدنيين فيها.
وشدد على أن الأردن يتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإضرار بالمدنيين، وأنه يولي حياة الأبرياء خارج حدوده الأهمية نفسها التي يوليها لحياة المواطنين الأردنيين، انطلاقًا من احترام حياة الإنسان وكرامته.
وأضاف أن الجهات الأردنية المختصة تتابع ملف الضحايا مع نظيراتها السورية، في إطار الاتصالات الجارية لمعالجة تداعيات الغارات.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، أكد المومني اعتزاز الأردن بالعلاقات الأخوية مع سوريا، وحرص المملكة على تطوير التعاون الثنائي، مشيرًا إلى أن التنسيق المؤسسي بين البلدين في مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات مستمر منذ سنوات.
وقال في تصريحات له إن الأردن وقف إلى جانب السوريين واستضاف أعدادًا كبيرة منهم، ولا يزال ملتزمًا بدعم أمن سوريا ووحدتها واستقرارها، مضيفًا أن المملكة تنسق مع الأطراف الدولية لحماية الأراضي السورية، خصوصًا في الجنوب.
الداخلية السورية تحقق
وفي أحدث المواقف الرسمية السورية، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن الوزارة تواصل التنسيق مع الجهات المختصة لكشف ملابسات القصف الأردني على مناطق في درعا، مشددًا على أن حماية المدنيين تمثل أولوية لا يمكن تجاوزها.
وقال البابا، في تدوينة نشرها اليوم الثلاثاء، إن وزارة الداخلية السورية تواصل جهودها في مكافحة الإرهاب وملاحقة تجار المخدرات والتصدي للجريمة العابرة للحدود، لكنها ترى أن التنسيق بين البلدين يمثل السبيل الأفضل لمعالجة التحديات الأمنية دون تعريض حياة الأبرياء للخطر.
ووفقًا لوكالة الأنباء السورية (سانا) فقد قدم البابا تعازيه إلى أسر الضحايا الذين سقطوا في الغارات، متمنيًا الشفاء العاجل للمصابين، ومؤكدًا استمرار العمل لمعرفة تفاصيل الحادث.
ويعكس هذا الموقف حرص دمشق على الفصل بين رفض القصف الذي استهدف أراضيها واستمرار التعاون الأمني مع الأردن، بما يسمح بمعالجة الخلاف عبر القنوات الرسمية بدلًا من التصعيد.
خلاف بشأن التنسيق
أبرزت الغارات خلافًا بين الروايتين السورية والأردنية حول التنسيق الأمني السابق للعملية، إذ أكدت دمشق أن القصف نُفذ دون إخطار أو تنسيق مسبق، بينما تحدثت عمّان عن تعاون أمني مؤسسي ومستمر مع الجانب السوري.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد أشار بيان للجيش الأردني إلى وجود تنسيق مع سوريا في سياق العملية، وهو ما يتعارض مع الموقف السوري الرسمي الذي نفى حدوث تنسيق مسبق بشأن الغارات نفسها.
ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات التي سبقت القصف، وما إذا كانت هناك ترتيبات أمنية عامة بين البلدين دون اتفاق محدد على العملية العسكرية الأخيرة.
كما يسلط الضوء على أهمية اللجنة المشتركة التي أعلن الجانبان العمل على تشكيلها، خصوصًا أن مهمتها لن تقتصر على متابعة تداعيات القصف، بل قد تشمل تحديد آليات تبادل المعلومات والتعامل مع التهديدات الأمنية المستقبلية.
تداعيات أمنية وسياسية
تأتي الغارات في ظل تحديات أمنية مستمرة على الحدود الأردنية السورية، التي شهدت خلال السنوات الماضية محاولات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب نشاط جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود.
ويعتبر الأردن أمن حدوده الشمالية قضية مرتبطة مباشرة بأمنه الوطني، خصوصًا مع المخاوف من تسلل عناصر مسلحة أو انتقال تهديدات إرهابية من الجنوب السوري إلى داخل المملكة.
في المقابل، تواجه السلطات السورية تحديًا يتمثل في تعزيز سيطرتها الأمنية على المناطق الجنوبية، ومنع استخدام أراضيها في أنشطة تهدد دول الجوار، مع الحفاظ على سيادتها ومنع تنفيذ عمليات عسكرية أجنبية دون موافقتها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن استمرار الغارات دون ترتيبات واضحة قد يضع العلاقات الثنائية أمام اختبارات جديدة، خصوصًا إذا تكررت الخسائر المدنية أو اتسعت العمليات العسكرية.
كما أن سقوط أطفال ونساء بين الضحايا يزيد الضغوط على الحكومتين لتقديم توضيحات بشأن طبيعة الأهداف المستهدفة، والتحقيق في ملابسات مقتل المدنيين، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالعملية.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين الرواية الأردنية التي تتحدث عن استهداف عناصر من داعش، والرواية السورية التي تؤكد سقوط مدنيين، إذ لا تتوافر حتى الآن نتائج تحقيق مستقل تحسم جميع الملابسات أو تثبت هوية كل من قُتل في المواقع المستهدفة.
ردود الفعل الشعبية
على المستوى الشعبي، أثار سقوط الضحايا حالة من الحزن والغضب في المناطق السورية المستهدفة، خصوصًا قرية الطف التي فقدت خمسة أفراد من عائلة واحدة.
ونقلت وسائل إعلام شهادات لسكان طالبوا بتوضيح أسباب القصف وتحديد المسؤولين عنه، فيما أظهرت التغطيات الميدانية آثار الدمار الذي خلفته الغارات في بعض المواقع.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية مع استمرار التحقيقات، إذ ينتظر الأهالي معرفة طبيعة المعلومات التي استند إليها الجيش الأردني في تحديد أهدافه، وما إذا كانت هناك أخطاء في المعلومات الاستخباراتية أو في تنفيذ الضربات.
السيناريوهات المقبلة
تضع التطورات الأخيرة العلاقات الأردنية السورية أمام ثلاثة احتمالات رئيسية، أولها نجاح الاتصالات السياسية والأمنية في احتواء الأزمة، من خلال تشكيل اللجنة المشتركة والتحقيق في ملابسات الغارات، والاتفاق على قواعد واضحة للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في استمرار الخلاف حول طبيعة الأهداف والتنسيق المسبق، بما قد يؤدي إلى توتر دبلوماسي مؤقت، رغم تأكيد الطرفين أهمية العلاقات الثنائية.
ويظل الاحتمال الثالث مرتبطًا بإمكانية تكرار العمليات العسكرية إذا استمرت التهديدات التي تتحدث عنها عمّان، وهو ما قد يفاقم التوتر ويزيد المخاوف من سقوط مزيد من الضحايا المدنيين.
ومع ذلك، تشير التصريحات الرسمية الصادرة عن الحكومتين إلى وجود رغبة مشتركة في تجنب التصعيد، إذ حرص الأردن على التأكيد أن سوريا دولة شقيقة وأن أمن البلدين مترابط، بينما شددت دمشق على أهمية استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وتبقى نتائج التحقيقات واللجنة الأمنية المشتركة العامل الأهم في تحديد مسار الأزمة، خصوصًا مع الحاجة إلى التوفيق بين حق الأردن في حماية أمنه الوطني وضرورة احترام السيادة السورية وحماية المدنيين
وبينما تتمسك عمّان بروايتها بشأن استهداف مواقع لتنظيم داعش، تصر دمشق على رفض العمليات العسكرية غير المنسقة داخل أراضيها، لتتحول الغارات الأخيرة إلى اختبار جديد لقدرة البلدين على إدارة التحديات الأمنية المشتركة دون الإضرار بالعلاقات السياسية أو تعريض سكان المناطق الحدودية لمزيد من المخاطر.



