
بدأت حكاية إسراء عام 2015، حين كانت طفلة سورية في الحادية عشرة من عمرها تبيع السجائر إلى جانب والدها في شوارع مدينة إزمير التركية، بينما تستعد أسرتها لخوض رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا هربًا من الحرب في سوريا.
ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” لم تكن إسراء تعلم أن لقاءً عابرًا مع مخرجين وثائقيين سيحول حياتها إلى قصة تُروى على الشاشة، وأن الكاميرا سترافقها على مدار عقد كامل، حتى تصبح شابة متزوجة وأمًا لطفلين.
وبعد عشر سنوات من اللقاء الأول، تستعد قصة إسراء للظهور أمام الجمهور من خلال الفيلم الوثائقي «واحدة من مليون» (One in a Million)، الذي يوثق رحلة لجوئها ونشأتها في ألمانيا، والتحولات التي شهدتها حياتها وعلاقاتها الأسرية، وصولًا إلى عودتها إلى سوريا.
لقاء غيّر المسار
في ساحة «باسمانه» بمدينة إزمير، حيث كان اللاجئون يلتقون بالمهربين لترتيب رحلات العبور إلى أوروبا، لفتت إسراء انتباه المخرجين عتاب عزام وجاك ماكينيس بابتسامتها وكثرة حديثها وفضولها تجاه الكاميرا.
كان المخرجان يعملان على مشروع وثائقي عن رحلة اللاجئين إلى أوروبا بتمويل من هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وعندما عرفا أن إسراء تستعد مع أسرتها لمغادرة تركيا، قررا مرافقتها وتوثيق رحلتها بحثًا عن الأمان في ألمانيا.
انطلقت الأسرة، التي تضم الأب طارق والأم نسرين وثلاثة أبناء، عبر البحر على متن قارب مطاطي إلى إحدى الجزر اليونانية، ثم واصلت رحلتها عبر أوروبا بالحافلات والقطارات والسير على الأقدام، وسط البرد والمطر، قبل أن تصل إلى مدينة كولونيا الألمانية.
لكن الوصول لم يكن نهاية الحكاية؛ إذ قرر المخرجان مواصلة متابعة الأسرة، لتتحول التجربة من فيلم يوثق رحلة اللجوء إلى مشروع يرصد حياة إسراء وعائلتها على مدى سنوات.
حياة جديدة وصراعات قديمة
مع مرور الوقت، تعلمت إسراء اللغة الألمانية والتحقت بالمدرسة، وانتقلت من الطفولة إلى المراهقة، بينما كانت علاقاتها الأسرية تشهد تغيرات متلاحقة.
ورصد الفيلم صعوبات واجهها الأب طارق في تقبل استقلال النساء داخل أسرته، خصوصًا زوجته نسرين، التي أصبحت أكثر استقلالًا مع مرور السنوات. وتزايدت الخلافات داخل الأسرة مع اختلاف تصورات أفرادها بشأن الأدوار العائلية والحرية الشخصية.
وتربط المخرجة عتاب عزام جانبًا من هذه التوترات بالتجارب القاسية التي عاشها الأب في سوريا؛ إذ تعرض للعنف على يد والده، واعتُقل خمس مرات في عهد نظام بشار الأسد.
وبحسب روايتها، نشأ طارق على تصورات تربط الرجولة بالسيطرة على المرأة، وترى في ضرب الأطفال وسيلة للتأديب.
ومع انتقال الأسرة إلى ألمانيا، اصطدمت هذه التصورات بواقع اجتماعي وقانوني مختلف، وبأبناء يكبرون في بيئة جديدة ويكتسبون أفكارًا ومساحة أكبر من الاستقلال.
وبذلك، لم يكتف الفيلم بتوثيق الهروب من الحرب والوصول إلى بلد آمن، بل تابع ما يحدث بعد اللجوء، حين تحاول الأسرة بناء حياة جديدة، بينما تظل آثار الماضي حاضرة في علاقاتها اليومية.
من طفلة لاجئة إلى أم
تبلغ إسراء اليوم 22 عامًا، وهي متزوجة وأم لطفلين، وتعيش بالقرب من مدينة كولونيا. وتسعى إلى تحسين لغتها الألمانية، على أمل الحصول على وظيفة في المكاتب الحكومية.
ومن أبرز التحولات التي شهدتها حياتها زواجها من الرجل الذي أحبته، إذ تقول إنها لو بقيت في سوريا لكان زواجها مرتبًا، في إشارة إلى اختلاف الخيارات المتاحة لها بين البلدين.
أما علاقتها بالمخرجين، فقد تطورت تدريجيًا خلال سنوات التصوير. وتوضح إسراء أنها لم تشعر بأن الكاميرا تقتحم خصوصيتها، بسبب الثقة التي نشأت بينها وبين عتاب وماكينيس، كما كانت قادرة على اختيار ما ترغب في مشاركته أمام العدسة، بل كانت تتواصل معهما أحيانًا لتوثيق بعض تفاصيل حياتها.
وكان من المفترض أن ينتهي التصوير عندما تبلغ إسراء 18 عامًا، لكن تطورات لاحقة، بينها سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دفعت المخرجين إلى تمديد العمل.
وأكدت إسراء رغبتها في أن تُروى قصتها كما عاشتها، دون تحريف للأحداث أو تحميل والدها أو والدتها وحدهما مسؤولية الخلافات التي شهدتها الأسرة.
عودة إلى حلب
يمتد الفيلم إلى ما هو أبعد من حياة إسراء في ألمانيا، إذ يبدأ بمشاهد عودتها إلى مدينة حلب لزيارة منزلها، بعد أن أتاح سقوط نظام الأسد فرصة العودة إلى المدينة التي غادرتها طفلة.
وبعد سنوات من بناء حياة جديدة في ألمانيا، تعود إسراء إلى المكان الذي بدأت منه قصتها، لكن هذه المرة بصفتها امرأة شابة وأمًا لطفلين، تحمل ذكريات طفولتها وتجارب سنوات اللجوء.
وتعكس العودة جانبًا آخر من رحلتها؛ فالوطن الذي غادرته في طفولتها لم يعد مجرد ذكرى بعيدة، بل أصبح مكانًا تواجهه من جديد بعد تغيرات كبيرة شهدتها حياتها وحياة أسرتها.
10 سنوات أمام الكاميرا
يرى المخرج جاك ماكينيس أن الفيلم يتجاوز قضية اللجوء إلى موضوعات إنسانية أوسع، من بينها النمو وتغير العلاقات بين الآباء والأبناء، والصعوبات التي تواجه الأسر عندما يبدأ الأبناء في بناء حياة مستقلة تختلف عن حياة الجيل السابق.
وبدلًا من تقديم إسراء في لحظة واحدة من حياتها، يتيح التصوير الممتد على مدى عشر سنوات للمشاهدين متابعة تغير أحلامها وعلاقاتها وخياراتها، إلى جانب التحولات التي طرأت على أسرتها.
ومن المقرر أن يبدأ عرض فيلم «واحدة من مليون» في دور السينما يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد عرضه الأول في مهرجان صندانس السينمائي عام 2026.
وبين طفلة تبيع السجائر في شوارع إزمير وشابة تعيش في ألمانيا وتعود إلى حلب، تختصر حكاية إسراء رحلة طويلة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى بر الأمان؛ فخلف كل رحلة لجوء حياة كاملة تبدأ من جديد، بما تحمله من تحديات وصراعات وأسئلة عن الوطن والانتماء والهوية.



