شركات الطيران تفضل رفع أسعار التذاكر حتى لو اضطرت إلى تسيير رحلات بمقاعد فارغة
الارتفاع الحاد لتكاليف الوقود يلتهم جانبًا كبيرًا من الإيرادات رغم استمرار الطلب على السفر
تتبنى شركات الطيران الأمريكية استراتيجية جديدة تقوم على رفع أسعار التذاكر والحفاظ على هوامش الربح، حتى لو اضطرت إلى تسيير رحلات بمقاعد فارغة، في ظل الارتفاع الحاد لتكاليف الوقود الذي يلتهم جانبًا كبيرًا من الإيرادات، رغم استمرار الطلب على السفر.
ووفقًا لوكالة رويترز فقد حققت شركات الطيران الكبرى زيادات قوية في إيرادات الركاب، مدفوعة بارتفاع أسعار التذاكر، إلا أن القفزة التي بلغت نحو 90% في أسعار وقود الطائرات منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي دفعت عددًا من الشركات إلى خفض توقعاتها للأرباح.
وتفضل شركات الطيران حاليًا الحفاظ على مستويات مرتفعة للأسعار بدلًا من تقديم خصومات لملء المقاعد الشاغرة، في تحول عن النهج التقليدي الذي كان يركز على تحقيق التوازن بين أسعار التذاكر ونسب إشغال الطائرات.
ارتفاع الأسعار
أظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية ارتفاع أسعار تذاكر الطيران بنحو 23% على أساس سنوي خلال الأشهر السبعة المنتهية في سبتمبر، مقارنة بزيادة بلغت 3.6% في مؤشر أسعار المستهلكين، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المسافرون.
ورغم هذه الزيادات، تواصل الشركات محاولة رفع الأسعار، إذ أعلنت شركة جيت بلو زيادة قدرها 10 دولارات على أسعار رحلات الاتجاه الواحد داخل الولايات المتحدة، بعد خطوة مماثلة اتخذتها يونايتد إيرلاينز، وتبعتها ساوث ويست.
وقال ديفون ماي، المدير المالي لشركة أمريكان إيرلاينز، إن استمرار ارتفاع أسعار الوقود يفرض على شركات الطيران زيادة العائدات من كل راكب حتى تتمكن من تحقيق أرباح.
وتشير البيانات إلى أن شركات دلتا ويونايتد وأمريكان وساوث ويست وألاسكا حققت مجتمعة زيادة في إيرادات الركاب بنحو 8.8 مليار دولار خلال الربع الثالث، بارتفاع نسبته 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم نمو حركة الركاب بأقل من 1%.
وتعكس هذه الأرقام اعتماد شركات الطيران بصورة متزايدة على تحصيل إيرادات أعلى من كل مسافر، بدلًا من زيادة أعداد الركاب، مع مساهمة خدمات السفر المتميزة في دعم الإيرادات.
مقاعد فارغة
أصبحت شركات الطيران أكثر استعدادًا لقبول انخفاض نسب إشغال الطائرات مقابل الحفاظ على الأسعار المرتفعة، إذ تراجعت نسبة المقاعد المشغولة لدى يونايتد بمقدار 1.3 نقطة مئوية خلال الربع الثالث.
واعتبر أندرو نوسيلا، الرئيس التجاري للشركة، أن هذا التراجع يعكس استجابة محدودة من المسافرين لارتفاع الأسعار، لكنه أكد أن الشركة تفضل هذه النتيجة على خفض أسعار التذاكر.
واتبعت أمريكان إيرلاينز النهج نفسه، بعدما سجلت انخفاضًا في نسبة إشغال المقاعد بالتزامن مع ارتفاع عائدات الركاب بأكثر من 18%، فيما أكد الرئيس التنفيذي لدلتا، إد باستيان، أن الشركة تركز على إدارة عملياتها بما يحافظ على هوامش الربح.
وفي المقابل، أظهرت بيانات إدارة أمن النقل انخفاض أعداد المسافرين الذين خضعوا للفحص الأمني في المطارات بنسبة 2.9% خلال الربع الأخير مقارنة بالعام السابق، ما أثار تساؤلات بشأن تأثير الأسعار المرتفعة على الطلب.
ورغم ذلك، يؤكد مسؤولو شركات الطيران أن الطلب لا يزال قويًا، إذ قال بوب جوردان، الرئيس التنفيذي لساوث ويست، إن ارتفاع أسعار التذاكر لم يؤدِ إلى تراجع ملموس في حجم أعمال الشركة، التي رفعت متوسط أسعار تذاكر الركاب بنحو 22% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
أزمة الوقود
لم تنجح الإيرادات القياسية في تعويض الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل، خاصة مع صعود أسعار وقود الطائرات على ساحل الخليج الأمريكي من 2.43 دولار للجالون قبل اندلاع الحرب في فبراير إلى 4.63 دولار في 20 أكتوبر، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ودفعت هذه الزيادة شركتي دلتا وساوث ويست إلى خفض توقعاتهما للأرباح السنوية، بينما تتوقع أمريكان إيرلاينز تسجيل خسارة على مدار العام، رغم النمو الكبير في إيرادات الركاب.
وتواجه الشركات تحديًا يتمثل في قدرتها على مواصلة رفع الأسعار دون التأثير بصورة كبيرة على الطلب، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية على المستهلكين وارتفاع تكاليف السفر.
تحديات 2027
تستعد صناعة الطيران الأمريكية لاختبار جديد خلال العام المقبل، مع توقعات بزيادة عدد المقاعد المتاحة على الرحلات الداخلية، ما قد يؤدي إلى اشتداد المنافسة بين الشركات ويحد من قدرتها على فرض زيادات إضافية في الأسعار.
وبحسب بيانات منظمة «إيرلاينز فور أمريكا»، استنادًا إلى جداول الرحلات التي ترصدها شركة «سيريوم»، تخطط ست شركات طيران أمريكية كبرى لزيادة طاقتها الاستيعابية المحلية بنسبة 3% خلال الربع الأخير من العام الجاري، و3.8% في الربع الأول من عام 2027، مقارنة بنمو لم يتجاوز 0.2% خلال الربع الثالث.
وفي مواجهة هذه التوقعات، بدأت الشركات مراجعة خطط التوسع، إذ تعتزم أمريكان إيرلاينز إبطاء نمو عملياتها خلال العام المقبل، مع إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية للرحلات الإضافية ومدى قدرتها على تغطية تكاليف التشغيل.
كما أكدت ساوث ويست أنها لن تتوسع على حساب الربحية، بينما حذرت يونايتد من أن خطط زيادة الرحلات المعلنة لعام 2027 قد لا تُنفذ بالكامل.
ويرى مسؤولو شركات الطيران أن ضبط الطاقة الاستيعابية قد يساعد على استمرار ارتفاع أسعار التذاكر، لكن تقليص عدد الرحلات يحمل مخاطر زيادة تكلفة التشغيل لكل مقعد، في حين قد تدفع الزيادات الجديدة في الأسعار بعض المسافرين إلى تقليل رحلاتهم.
ورغم هذه التحديات، تتمسك شركات الطيران الأمريكية باستراتيجيتها القائمة على تعظيم العائد من كل راكب، وسط توقعات باستمرار ارتفاع تكاليف الوقود، ما يرجح بقاء أسعار تذاكر الطيران عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة.



