أخبارأخبار العالم العربيرأي

دمشق بين زمنين… وطن خرج من الخوف ولم يخرج بعد من الوجع

بقلم: د. ليلى الحسيني

غادرتُ دمشق عام 2001، ولم تكن متأثرة بترك خلفي مدينة ستعيش في ذاكرتي أكثر مما ستعيش أمام عيني. موجود معها يومها ما عصره المغتربون، صور الشوارع، ورائحة الياسمين، و الأصوات، ووجوه الأحبة، للعمل الصغيرة التي لا ندركها إلا عندما تصبح بعيدة.

مضيتتُ إلى الولايات المتحدة، حيث بنيت حياة جديدة، وأحببتُ وطنًا آخر منحني الأمان والفرص، لكن دمشق شاركت تسكن ذلك الجزء من القلب الذي لم تكمله المسافات، ولاكن البشر أن تغير عنوانه.

خمسة وعشرون عاما مرت بين دمشق التي غادرتها عام 2001 ودمشق التي عدتتُها في عام 2026. لكن الزمن السوري لا يُقاس بالسنوات وحدها؛ ماثلة بين النماذج التي يرجع تاريخها إلى ثلاثة أشهر فقط تاريخ من الفشل والصمود والسارات، ومن الأحلام التي وُلدت في الشوارع، ودفنت في بعض الأحيان تحت محاكمة النبيذ، أو حملها أصحابها إلى المنافي.

خلال غيابي، اشتعلت الثورة السورية، تحسنت أصوات تطالب بالحرية والكرامة، اشترك السوريون أثمانًا في تألقهم وأعمارهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم. عرفت البلاد الاعتقال والفقد والتهجير والدمار، وتفرّقت عائلات على قارات العالم. ثم ستنتهي النظام الذي حكم البلاد للعقود، ويبدأ فصل جديد من تاريخ سوريا، فصل لا تزال صفحاته الأولى تُكتب وسط آمال كبيرة وتحديات أكبر.

لم تكن العودة، بعد كل ذلك، مجرد زيارة إلى مدينة أعرفها؛ وكانت تواجه فترة طويلة بين الذاكرة والواقع، وبين دمشق التي تبتها في الداخل، ودمشق التي لا تزال مستمرة رغم كل ما إبداعها.

الزيارة الأولى… حين كان يكفيني تراب الشام

في مارس/آذار 2025، عدتُ إلى سوريا لمدة أسبوع واحد. لم أحمل مع قائمة طويلة من الأماكن التي أريدها، ولا أقترح اختيارًا بالمواعيد. كان لديّ شوق واحد يكاد يختصر كل شيء: أن أرى دمشق.

كنت أريد أن أمشي في شوارعها وأزقتها، أن أتأمل النبيذ التي أعرفها، وأن أتنفس هواءها، وأرى وجوه الناس، وأتأكد من أن المدينة التي عاشت في ذاكرتي كل تلك السنوات ما زالت.

لم يموت عن دمشق، ولا عن المدينة التي حفظتها الصور القديمة. كنت ستعاني من شيء غير ذلك، عن ذلك الشعور الغامض الذي لا يعرفه كل شيء من البقاء لفترة طويلة عن وطنه، حتى تصبح رؤية الشارع الذي عرفه في طفولته أو شبابه حدثًا يستحق كل عناء السفر.

كان يكفيني أن أقول لنفسي: أنا هنا، في.

لكن أسبوعًا لم يكن كافيًا للتغييرات، ولا يفهم حجم ما. كانت المشاعر أكبر من الأسئلة، وكانت حنين أعلى صوتًا من الصحفية التي تم تحديدها في التفاصيل.

أكتوبر 2026… الظهر بعينين مختلفتين

عدتُ مجددًا في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهذه المرة أمضيتُ ثلاثة أسابيع بين أهلي وناسي، واخترت أن ترى سوريا بالمغتربة التي تحبها، وبعين الصحفية التي لا تكفيها الأولى.

كنت أستمتع أكثر مما أتحدث. ما يجب معرفته هو ماذا الناس بعد سقوط النظام، والذين يعيشون يومهم، وما الذي يتغير تغيراً في حياتهم، والذي لا يزال ينتظر التغيير.

فكرتُ أن سوريا ليست حكاية واحدة يمكن روايتها من نافذة السيارة، أو من خلال صور المقاهي والشوارع والأسواق. هناك سوريا عادت بالفعل إلى حد ما من كرامتها، والتي تبحث عن رغيف الخبز، والتي تحلم بالاستقرار، وأخرى لا تحاول أن تزيد سنوات من الفقد والخوف.

في أحاديث الناس حضرت دودي من الغلاء، وضعف القدرة الشرائية، وصعوبة متطلبات متطلبات الحياة. لتبدأ ما هو الجزء الأكبر من الجزء الأكبر منهم. فالأحلامكبيرة، بليجادها وجمالها، لا تلغي حاجة الإنسان إلى عمل ما يكفيه، ودواء يستطيع شراءه، وبيت يشعر فيه بالأمان.

وهنا أدركت أن الحرية، على عظمتها، لا تعفي الدولة والمجتمع من مسؤولية توفير شروط الحياة الكريمة. فالإنسان الذي دفع ثمنه باهظًا من أجل الكرامة التي يستحقها أيضًا في تفاصيل مايشته اليومية.

ما هو المطرب… وقد لا تحدد المتعبون

ربما كانت المسافة التي تفصلني عن سوريا قد تمنحك قدرة مختلفة على رؤية بعض التحولات. فالذين يعيشون تحت ضغط اليوم قد لا يجدون متسعًا للاحتفاء بالتغييرات التي لا تنعكس مباشرة على موائدهم أو تشغيلهم.

أما أنا، فقد رأيت في بعض التفاصيل الصغيرة معاني كبيرة.

من أكثر اختيارت في تلك النفسية التي تعايشتها عند المعابر الحدودية. ابتسامة ضابط، وطريقة تعامل مع ابتسامة، وكلمة بسيطة: «نوّرتِ البلد».

قد تبدو هذه العبارة عادية للبعض، لكنها بالنسبة إليّ لم تكن مجرد ترحيب بمسافرة. شعرتُ أنها تختصر شيئًا من سوريا التي تمنيت أن أراها: وطنًا لا يشعر أبناؤه بالخوف حين يقتربون من حدوده، ولا يحتاجون فيه إلى تبرير محبتهم له أو إثبات انتمائهم إليه.

لطالما آمنتُ بأن كرامة المواطن تبدأ من الطريقة التي تستقبله بها مؤسسات بلاده. ففي الابتسامة احترام، وفي حسن المعاملة رسالة، وفي شعور الإنسان بأنه مرحّب به في وطنه معنى لا يمكن قياسه بالأموال.

ولا يعني ذلك أن كل شيء أصبح مثاليًا، أو أن التجاوزات والمشكلات انتهت. لكنه تغيير لا يجوز التقليل من قيمته، خصوصًا في بلد عرف أبناؤه لعقود معنى القلق من السلطة وهيبة الأجهزة الأمنية.

لقد رأيتُ سوريا مختلفة، ولو في بعض التفاصيل، ووجدتُ نفسي أتمسك بالأمل، لا لأنني غافلة عن المشكلات، بل لأنني أعرف جيدًا حجم الطريق الذي قطعه السوريون للوصول إلى هذه اللحظة.

أطفال سوريا… السؤال الذي لم يفارقني

ومع كل ما حملته الزيارة من مشاعر الفرح والحنين، بقي مشهد الأطفال في الشوارع من أكثر الصور التي رافقتني.

كنت أتأمل وجوههم، وأتساءل: كم من هؤلاء يعرف طفولة تشبه تلك التي عرفناها؟ وكم منهم حُرم من فرص كان يفترض أن تكون حقًا طبيعيًا له، لا حلمًا بعيد المنال؟

في وجوه أطفال سوريا رغبة هائلة بالحياة. عيون تبحث عن الفرح، وأحلام صغيرة لا تحتاج إلى المعجزات حتى تتحقق. يريدون مدرسة جيدة، وبيتًا دافئًا، وملابس نظيفة، ومساحة للعب، وأهلًا لا يثقلهم القلق على لقمة الغد.

هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد صورة مؤثرة نلتقطها ثم نمضي. إنهم مسؤولية وطنية وإنسانية وأخلاقية.

لا يكفي أن نبكي على سنوات الحرب، أو أن نتحدث بفخر عن صمود السوريين. علينا أن نسأل ماذا سنفعل من أجل الجيل الذي ورث نتائج حرب لم يخترها، ودفع ثمن صراعات لم يصنعها.

ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من التعاطف إلى الفعل؛ من الكلمات الجميلة عن سوريا إلى مبادرات حقيقية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وخلق فرص تتيح لأطفالها أن يحلموا دون خوف.

سوريا لا تحتاج إلى المديح… بل إلى الحب الحقيقي

بعد ثلاثة أسابيع من اللقاءات والمشاهدات والأحاديث، خرجتُ بقناعة راسخة: الشام بخير، لكنها لا تزال موجوعة.

بخير لأنها لم تفقد روحها، ولأن الناس، رغم التعب، ما زالوا قادرين على الأمل. وبخير لأن سقوط الخوف يفتح الباب أمام استعادة الإنسان ثقته بنفسه وبوطنه.

لكنها موجوعة بما تراكم فيها من خسارات، وبما يواجهه أهلها من ضغوط اقتصادية واجتماعية، وبالفجوة الواسعة بين أحلام السوريين وإمكانات الحياة المتاحة لهم.

وسوريا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى محبة تُقاس بحجم التصفيق لأي سلطة، أو بمقدار الغضب من منتقديها.

الحب الحقيقي للوطن يعني أن نرى عيوبه كما نرى جماله، وأن نطالب بإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، دون أن ننكر ما تحقق من خطوات إيجابية.

ويعني كذلك أن نعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة والعمل المؤسسي، وأن نفتح الأبواب أمام العقول السورية المنتشرة في أنحاء العالم. فسوريا التي أنجبت الأطباء والمهندسين والعلماء والإعلاميين ورجال الأعمال قادرة على الاستفادة من خبراتهم، إذا توفرت بيئة تحترم الإنسان وتمنحه الفرصة للمشاركة والبناء.

أؤمن بأن السوريين في المهجر يستطيعون تقديم الكثير، ليس فقط بالمال والاستثمارات، بل بالمعرفة والخبرة والعلاقات الدولية ونقل التجارب الناجحة. لكن إعادة بناء البلاد تحتاج أيضًا إلى مؤسسات عادلة، وقانون يحمي الجميع، وفرص لا تقوم على الولاء والمحسوبية، بل على الكفاءة والاستحقاق.

فالأوطان لا تتعافى بالنوايا الطيبة وحدها، وأعضاء العمل والمساءلة والثقة المتبادلة بين الخفيفتين.

بين «نوّرتِ البلد» و«أهلاً بك في بيتك»

ثمة سينديان سيبقيان في ذاكرتي طويلة.

الأول عند دخولي سوريا، حين استقبلني الضابط بابتسامة قائلًا: «نوّرتِ البلد».

مستخدم عند عودتي إلى الولايات المتحدة، حين قال لي ضابط مطار ديترويت: «مرحبًا بك في بيتك» … أهلًا بعودتك إلى الوطن.

في اللحظتين أخرج بالفرح بنفسه، وإن اختلفت حكاية كل وطن في حياتي.

مجانية سوريا هي تقدير والطفولة والذاكرة واللغة ورائحة القهوة الأولى. وأمريكا هي الوطن الذي يحتضن سنوات لاحقة، ومن ثم فرص العمل والنجاح، كما هو الحال في حياتي.

لم أمضي يومًا أن أختار بين حب الوطن الذي ولدت فيه، والوطن الذي اخترت أن أعيش فيه. فالقلب المؤثر يتسع لعدد من الشباب، والمحبة الصادقة لا تحتاج إلى إلغاء محبة أخرى.

بل ربما كانت تجربتي في أمريكا، بما في ذلك ما عرفته من وجود وحريات وفرصة، سببًا علميًا لرغبتي في أن ترى سوريا دولة تحترم الإنسان، وتحمي حقوقه، وتصون كرامته، وتسمح لأبنائها أن يختلفوا دون الأطفال.

دمشق… لم تسعى إلى المدينة التي تعمل بها

في هذه النهاية أدركت أن دمشق التي غادرتها عام 2001 لن تعود كما كانت، وأن ذلك ليس بالضرورة محزنًا.

فالمدن، مثل البشر، يتعامل مع الزمن والتجارة والجراح. بعض ما نفقده لا يمكن استعادته، لكن يمكن أن نبني حياة فوق الجميع أكثر عدلاً وكرامة.

لم تصمم دمشق التي تحفظها ذاكرتي فقط، ولا دمشق التي جمّعتها صور وسائل التواصل الاجتماعي. ودعا دمشق التي تسمى أهلها شركاء في مستقبلها، والتي يستطيع شبابها أن يبنوا حياتهم فيها دون أن يكون حلمهم الوحيد.

وأريد سوريا التي لا ضرورة لها الأم إلى الاختيار بين الدواء والطعام، ولا يكبر فيها طفل قبل أوانه، ولا يشعر فيها إنسان أنه غريب بسبب رأيه أو أنتائه أو اختلافه.

غادرتُ هذه دمشق وأنا أحمل مشاعر متناقضة: فرحًا بالتغيير، وحزنًا على الوجع الذي لم ينته، ​​وامتنانًا للقاءات88 وصل ما قطعته سنوات الغياب، وإيمانًا ذلك المستقبل السوري لن يصنع الحنين وحده.

بعد خمسة عشر عامًا، أصبح الآن المكان المنزلي الذي نعود إليه، بل المكان الذي فشل بمسؤولية تجاهه، حتى أصبحنا بعيدًا عنه.

دمشق، مدينتي التي يرجع تاريخها إلى كل الأزمنة، لم أطلب منك أن تعودي كما كنتِ. أريدك أن تصبح كما تستحق أبناؤك أن تكوني: حرّة، عادلة، آمنة، وكريمة.

لقد دفعوا السوريون من أجلهم وأحلامهم ما يكفي. وحان الوقت ألا تكون الحرية مجرد ذكرى وأم، بل يستحق أن يعيشها.

سلامٌ عليكِ يا دمشق… تحسنِ بخير ما دام فيكِ من يحبك، لكن حبك اليوم مسؤول، وليس مجرد حنين.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع


تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى