أخبارأخبار أميركااقتصاد

كيف جعلت الضرائب العقارية أصحاب المنازل الأمريكيين مستأجرين لدى الحكومة؟

تتصاعد في الولايات المتحدة حركة شعبية تطالب بإلغاء الضرائب العقارية أو خفضها، وسط ارتفاع تكاليف السكن وزيادة الفواتير الضريبية، في موجة امتدت إلى أكثر من 20 ولاية خلال العامين الماضيين.

ووفقًا لموقع “بوليتكو” يعتبر أنصار هذه الحركة أن استمرار فرض الضريبة على منزل سدد صاحبه ثمنه بالكامل يجعله، عمليًا، «مستأجرًا لدى الحكومة»، إذ قد يفقد عقاره إذا عجز عن دفع المستحقات.

لكن هذه المطالب تثير جدلًا واسعًا بشأن مستقبل تمويل الخدمات المحلية، من المدارس والشرطة إلى الإطفاء والإسعاف وصيانة الطرق.

غضب أصحاب المنازل

في ولاية أوهايو، يقود برايان ماسي، البالغ 79 عامًا، حملة لإلغاء الضرائب العقارية، وقال إنه جمع نحو 300 ألف توقيع لدعم مبادرة قد تتيح طرح تعديل دستوري على الناخبين في عام 2027.

ويتبنى راي وارنر، البالغ 72 عامًا، موقفًا مشابهًا، معتبرًا أنه لا ينبغي أن يستمر في دفع الضرائب على منزل انتهى من سداد ثمنه. وتعكس هذه المواقف شعورًا متزايدًا لدى بعض المالكين بأنهم يتحملون أعباء مالية متصاعدة رغم امتلاكهم منازلهم.

ووفقًا لمعهد لينكولن لسياسات الأراضي، ارتفع متوسط مدفوعات الضرائب العقارية السنوية في الولايات المتحدة بنحو 25% بين عامي 2019 و2024، بزيادة تجاوزت 600 دولار. وفي أوهايو، يبلغ متوسط الضريبة نحو 3 آلاف دولار سنويًا.

تمويل الخدمات المحلية

تجمع الضرائب العقارية قرابة 800 مليار دولار سنويًا، وتمثل نحو 70% من إيرادات الضرائب المحلية. وتُستخدم هذه الأموال في تمويل خدمات أساسية، من بينها المدارس العامة وأجهزة الشرطة والإطفاء والإسعاف، إلى جانب صيانة الطرق والمرافق.

وتتراوح معدلات الضريبة في كثير من المناطق بين 0.5% وأقل من 2% من قيمة العقار، لكن المبلغ الفعلي يختلف بحسب الولاية والمدينة وقيمة المنزل.

ويحذر معارضو الإلغاء من أن خسارة هذه الإيرادات ستجبر الحكومات المحلية على تقليص الخدمات أو البحث عن مصادر تمويل بديلة، مثل رفع ضرائب المبيعات أو الرسوم الأخرى، وهو ما قد ينقل العبء إلى فئات مختلفة من السكان.

درس كاليفورنيا

تستند بعض الحملات المناهضة للضرائب العقارية إلى تجربة كاليفورنيا، التي أقرت عام 1978 المبادرة المعروفة باسم «الاقتراح 13»، وحدّت بموجبها من الضرائب العقارية ووضعت قيودًا على زيادة التقييمات السنوية للمنازل.

وأسهمت هذه الخطوة في خفض إيرادات الضرائب العقارية بنحو 60%، لكنها أدت أيضًا إلى تفاوت بين المالكين القدامى والجدد؛ إذ قد يدفع أصحاب المنازل التي احتفظوا بها لسنوات ضرائب أقل من المشترين الذين اشتروا عقارات مماثلة بأسعار أحدث وأعلى.

ويستشهد مؤيدو التخفيضات بهذه التجربة باعتبارها نموذجًا لتخفيف الأعباء، بينما يرى منتقدون أنها تكشف الصعوبات التي قد تواجهها الحكومات المحلية عندما تتراجع إيراداتها بصورة كبيرة.

تخفيضات وانقسامات

شهدت ولايات عدة، بينها مونتانا وأيوا، خطوات لخفض الضرائب العقارية، فيما تستمر المناقشات بشأن إجراءات مماثلة في أوكلاهوما وتكساس وفلوريدا.

وأثار الملف خلافات داخل الحزب الجمهوري بين تيار شعبوي يدعم تخفيض الضرائب استجابةً لشكاوى أصحاب المنازل، ومحافظين يحذرون من أن الإعفاءات الواسعة قد تضر بالخدمات العامة وتفرض أعباء جديدة على الموازنات المحلية.

وفي أوهايو، تُقدّر الخسائر المحتملة من إلغاء الضرائب العقارية بنحو 24 مليار دولار، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة الحكومات المحلية على الحفاظ على مستوى الخدمات الحالي.

وتظهر آثار الضغوط المالية بالفعل في بعض المناطق؛ ففي مدينة تشارلستون بولاية إنديانا، أدى نقص الميزانية إلى تقليص ساعات العمل في حديقة عامة، كما واجهت المدينة صعوبات في إزالة الثلوج بالسرعة المعتادة.

وفي داكوتا الشمالية، رفض الناخبون عام 2024 مبادرة لإلغاء الضرائب العقارية بفارق كبير، رغم استمرار الجهود الرامية إلى تخفيف العبء الضريبي من خلال إجراءات جزئية.

مكاسب لا تكفي

تتزامن هذه التحركات مع ارتفاع كبير في قيمة العقارات الأمريكية؛ إذ زادت حقوق الملكية العقارية بنحو 88% منذ عام 2020، وفق بيانات للاحتياطي الفيدرالي، بزيادة تُقدّر بنحو 17 تريليون دولار.

لكن ارتفاع قيمة المنزل لا يعني بالضرورة امتلاك صاحبه سيولة نقدية إضافية يستطيع استخدامها لسداد الضرائب والفواتير، وهو ما يفسر جانبًا من غضب المالكين الذين يجدون أنفسهم أمام أعباء متزايدة رغم ارتفاع قيمة ممتلكاتهم.

وفي المقابل، تشير دراسة نُشرت عام 2024 بشأن جورجيا إلى أن تخفيض الضرائب العقارية قد يسهم في رفع أسعار المنازل، مع استفادة المالكين الحاليين بدرجة أكبر من المشترين الجدد، خصوصًا الشباب الذين يحاولون دخول سوق الإسكان.

معضلة الإلغاء

تواجه الحركة المناهضة للضرائب العقارية معضلة أساسية: كيف يمكن تخفيف الأعباء عن أصحاب المنازل من دون الإضرار بالخدمات التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية؟

فإلغاء الضريبة قد يمنح المالكين راحة مالية مباشرة، لكنه قد يترك فجوة كبيرة في الميزانيات، بينما يمكن أن تؤدي البدائل، مثل زيادة ضرائب المبيعات أو الرسوم، إلى توزيع العبء بطريقة مختلفة بدلًا من إلغائه بالكامل.

وبين المطالب باعتبار ملكية المنزل حقًا لا ينبغي أن يخضع لضريبة مستمرة، والتحذيرات من تداعيات تقليص الإيرادات العامة، يتواصل الجدل في الولايات المتحدة حول حدود الضرائب العقارية، وكيفية تحقيق التوازن بين حماية أصحاب المنازل وضمان استمرار الخدمات الأساسية.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى