أميركا بالعربيرأي

حين يصمت الجيل الثالث: سؤال العربية في بلاد المهجر!

هل تستحق اللغة العربية مكانًا في حياة أبنائنا في أمريكا؟!

تتصل الجدةُ من عمّان أو القاهرة أو بغداد، فيركض الحفيدُ إلى الهاتف ويقول بحماس:”Hi Teta! How are you?” ترد الجدة بحنان وتسأله عن أحوله ومدرسته -وهي شغوفة لسماع أخباره -، لكنه لا يفهم معظم كلامها. فيُمرر الهاتف إلى الأم لتترجم، وتنتهي المكالمة بعد دقيقتين بدل عشرين، بابتسامات مجاملة من الطرفين.

هذا المشهدُ يعبر عن حال معظم الأسر العربية في أمريكا. وهنا نطرح سؤالًا: ماذا يخسر الطفل حين لا يجد لغة يتحدث بها مع جدته؟! وماذا نخسر نحن؟!

اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل: فنبرة الأم وهي تدعو لأبنائها، وأمثال الجدِ، ونكات العم، وحتى أسماء الأطعمة؛ تنسج على مر الأيام رابطًا دافئًا من المودة والحب العميق بين أفراد العائلة، كما يبني هوية ثقافية خاصة بالبيت والعائلة.

وقد أشارت أدبيات الهجرة إلى أن الجيل الثاني يجد صعوبة بالغة في بناء هويته الثقافية الخاصة به، والتي تحفظه من الذوبان في الثقافة العامة. وقد أشارت الدراسات التربوية الحديثة إلى أن لغة الأسرة وروابطها مهمة جدَا في إنشاء روابط وعلاقات أسرية جيدة.

كما أن اختلاف درجة إتقان أفراد العائلة الواحدة للغة الجديدة (الإنجليزية): بين جدِ قد لا يتقنها، وأب وأم متوسطا الإتقان، وأبناء يتقنونها بطلاقة؛ مما يؤدي إلى غياب اللغة المشتركة؛ فيقل التواصل، فحين تغيب اللغة المشتركة، يصير الحديث الأسري محدودًا بالضرورة، فيتحول الكبار إلى مستمعين أكثر منهم محاورين؛ وتبدأ المسافات في الابتعاد، وتكبر الفجوة بين الأجيال. فاختلاف اللغة بين أطراف الأسرة أدى إلى ضعف التواصل العميق بين أفرادها.

الأمثال والأناشيد والقصص وحكايات الأجداد، لا تنتقل بكامل نكهتها من خلال الترجمة، فحين تقول الجدة بصوتها الحنون “الله يرضى عليك” هي لا تدعو قط، بل تمنح بركة ورضى، وتصل جسورًا من الألفة والمحبة.

وحين يقرأ الطفل بيتًا من الشعر أو قصة لجُحا، يدخل عالمًا من الصور والإيقاع لا يعوضه ملخص مترجم. وهذا لا يعني أن التراث العربي يسكن العربية وحدها، فكثير من الأدب العربي مترجم. لكن اللغة تتيح للطفل أن يصل إلى التراث بنفسه، لا عبر وسيط يختار له ما يعرفه.

يخشى بعض الآباء أن يُضعف التركيز على اللغة العربية إنجليزية أطفالهم، فيتردد أو يؤجل. والأبحاث المتاحة لا تدعم هذا الخوف في العموم: فالإنجليزية تأتي من المدرسة والمجتمع والإعلام، ولن يتعثر الطفل فيها لأنه يسمع العربية في البيت.

بينما الخطر الحقيقي يأتي من الاتجاه المعاكس، وقد وصفته لي ويلي فيلمور (1991) في دراستها الشهيرة، حين يؤدي تعلم لغة المدرسة إلى فقدان لغة البيت، فتضعف الصلة بين الطفل ووالديه.

الهدف إذًا ثنائية متوازنة، وليس منافسة بين لغتين. وهذا يتسق مع واقع الحياة الأمريكية نفسه، فكثير من الولايات الأمريكية تمنح “ختم ثنائية القراءة والكتابة” (Seal of Biliteracy) لخريجي الثانوية المتقنين للغتين، وبعضها يشمل العربية.

لا تطلب العربية من الطفل أن يختار بين عالمين. هو يعيش في أمريكا، ويتقن الإنجليزية، ويستطيع أن يحمل معها لغة أهله وحكاياتهم. والعلم لا يعدنا بأن العربية ستزيده ذكاءً، لكن التجربة الإنسانية تقول إن طفلًا يتحدث مع جدته بلغتها يربح شيئًا لا تقيسه الدراسات.

صعوبات في طريق العربية:

1- هيمنة اللغة الإنجليزية.

2- ازدواجية الفصحى والعامية.

3- قلة المدارس والبرامج.

4- ضيق وقت الأسرة.

5- تفاوت مستويات الأولاد.

6- ضعف الدافعية.

اقتراحات وحلول:

1- ابدؤوا مبكرًا حتى لا تُصابوا باليأس إن تأخرتم. السنوات الأولى مهمة، والتعلم ممكن في كل عمر.

 2- حدّدوا وقتًا أو مكانًا للعربية: وجبة العشاء، أو الطريق إلى المدرسة، أو “ساعة الحكايات” مساء الجمعة.

3- اقرؤوا معًا كتبًا مصورة بالعربية، ولو عشر دقائق يوميًا. وتناسب الأطفال المتعثرين قصص مختصرة وصور كثيرة.

4- اتصلوا بالأجداد بانتظام عبر الفيديو، واجعلوا المكالمة ممتعة لا امتحانًا.

 5- الالتحاق بمدارس نهاية الأسبوع والمراكز الثقافية والمساجد والكنائس العربية، خاصة إن قدّمت برامج متنوعة المستويات.

6-  البحث عن برامج اللغة العربية في المدارس العامة والمدارس الثنائية اللغة، وعن مقررات العربية في الثانوية والجامعة.

7- أنشئوا أندية قراءة ومسرحًا وطبخًا بالعربية، فاللغة تُكتسب بالاستخدام لا بالدرس وحده.

8- مقاطع الرسوم المتحركة والبودكاست والألعاب التعليمية بالعربية تضيف تعرضًا يوميًا، بشرط أن تكون مكمّلة لا بديلًا عن التفاعل البشري.

9- تحدثوا معهم بالعربية باستمرار حتى لو أجابوا بالإنجليزية.

10- اجعلوها لغة ممتعة لا لغة عقاب ولا تربطوها بالتوبيخ أو الواجب الثقيل.

11- لا تقارنوا طفلكم بغيره لكل طفل إيقاعه.

12- أعطوه سببًا حقيقيًا: الجدة تنتظر، أو رحلة صيف، أو قصة يريد قراءتها.

13- اقبلوا اللهجة ثم أضيفوا الفصحى تدريجيًا: اللهجة لغة البيت، والفصحى لغة القراءة والكتابة.

14- تعاونوا مع أسر أخرى لتشكلوا مجموعات لعب وقراءة، فالطفل يتحمس حين يرى أقرانه يتكلمون.

15- افخروا بإنجازات صغيرة: كلمة جديدة، جملة صحيحة، رسالة قصيرة لجدته.

16- اربط ابنك بالقرآن الكريم وبهويته العربية والإسلامية وبتاريخه.

عندما تتوقف العربية عن الانتقال بين الأجيال، لا يحدث ذلك فجأة. يفهم الجيل الثاني ولا يتكلم بطلاقة، ثم يفهم الثالث كلمات متفرقة، وفي الرابع تصير العربية ذكرى.

تنقطع معها الصلة بالأدب والتراث الأسري والقدرة على التواصل مع الأقارب في الوطن الأم؛ لذلك فإن تعليم العربية للأبناء أقرب إلى استثمار ثقافي بعيد المدى، تجني ثماره أجيال لم تولد بعد. وهو استثمار لا يأتي من الحماسة وحدها، بل من الاستمرار الهادئ على مدى سنوات.

فلتتعاون الأسر والمدارس والمؤسسات العربية على جعل العربية جزءًا طبيعيًا من حياة الأبناء، بصبر وتنوع ودفء. والدعوة العملية: ابدؤوا هذا الأسبوع بخطوة واحدة صغيرة، كتاب أو مكالمة أو وجبة عربية الحديث.

د. محمد فاروق

خبير في تطوير تدريس اللغة العربية في المدارس العالمية، وبناء قدرات المعلمين والقيادات التربوية.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع


تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى