أخبارأخبار العالم العربي

اعتداءات المستوطنين تطال صحفية أمريكية ودبلوماسيين أوروبيين وتضع إسرائيل في مواجهة حلفائها

تواجه إسرائيل موجة جديدة من الانتقادات والضغوط الدولية، بعد سلسلة اعتداءات نفذها مستوطنون في الضفة الغربية المحتلة، طالت دبلوماسيين أوروبيين وصحفية أمريكية، إلى جانب مزارعين فلسطينيين، في تصعيد أثار غضب عدد من أبرز حلفاء تل أبيب، وأعاد تسليط الضوء على اتهامات للحكومة الإسرائيلية بالتساهل مع عنف المستوطنين والإفلات من العقاب.

ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” فقد جاءت الاعتداءات خلال أقل من 48 ساعة، بالتزامن مع موسم قطاف الزيتون الذي يشهد سنويًا مواجهات واعتداءات على المزارعين الفلسطينيين، وسط تصاعد التوترات في الضفة الغربية واقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري.

هجوم على دبلوماسيين

شهدت بلدة الطيبة، ذات الغالبية المسيحية شرق رام الله، يوم السبت، هجومًا نفذه مستوطنون ملثمون على وفد أوروبي كان يزور المنطقة للتضامن مع الفلسطينيين خلال موسم حصاد الزيتون.

وضم الوفد القنصل العام الفرنسي في القدس، ودبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية، قبل أن تعترض طريقهم مجموعة من المستوطنين وتعتدي على عدد من المشاركين.

وقال برنار بودو، رئيس بلدية أولنوا-إيميري الفرنسية، البالغ من العمر 78 عامًا، إن عدة سيارات وصلت بصورة مفاجئة، وترجل منها مستوطنون ملثمون وجهوا الشتائم إلى أعضاء الوفد، قبل الاعتداء عليهم بالضرب والركل باستخدام قضبان حديدية.

وأوضح بودو، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، أنه تعرض للاعتداء رغم ارتدائه الوشاح الرسمي بألوان العلم الفرنسي، الذي يوضح صفته بوصفه مسؤولًا منتخبًا، مشيرًا إلى أن الضرب أدى إلى سقوطه أرضًا.

كما أسفر الهجوم عن تحطيم زجاج إحدى السيارات وإلحاق أضرار بمركبة دبلوماسية بلجيكية. واتهم المسؤول الفرنسي الحكومة الإسرائيلية بالتغاضي عن اعتداءات المستوطنين، معتبرًا أن استمرار هذه الممارسات يعكس وجود تسامح رسمي معها.

وأضاف أنه سيتمكن من العودة إلى بلاده، بينما سيبقى الفلسطينيون الذين يعيشون في المنطقة معرضين لهذه الاعتداءات بصورة مستمرة.

وأظهرت مقاطع مصورة نشرها الناشط أميت أورفالي مستوطنين ملثمين يحاصرون السيارات ويطرقون نوافذها مطالبين الركاب بإبراز هوياتهم، فيما حمل آخرون عصيًا. وقال أورفالي إن المهاجمين وجهوا تهديدات بالقتل إلى أعضاء الوفد.

اعتداء على صحفية أمريكية

سبق الهجوم على الوفد الأوروبي اعتداء آخر استهدف المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، يوم الجمعة، أثناء تغطيتها موسم قطاف الزيتون في قرية أبو فلاح بالضفة الغربية.

وليفين مصورة صحفية حائزة جوائز، وعملت مع صحيفة واشنطن بوست، وتتمتع بخبرة تتجاوز أربعة عقود في تغطية النزاعات والأحداث بالمنطقة.

وقالت الصحفية الأمريكية إن مستوطنين أجبروها على الاستلقاء أرضًا وانهالوا عليها بالضرب لأكثر من عشر دقائق، قبل الاستيلاء على كاميرتها وجواز سفرها وهاتفها المحمول.

وأسفر الاعتداء عن إصابتها بكسور في الأضلاع وإصابات أخرى، استدعت نقلها إلى مستشفى في تل أبيب، حيث خضعت لعملية جراحية في اليد.

وأكدت ليفين، في تصريحات لوكالة أسوشيتد برس، أنها لم تشهد طوال أكثر من 40 عامًا من عملها في المنطقة اعتداءات بهذه الصورة، ووصفت ما تعرضت له بأنه «إرهاب يهودي»، مطالبة بإجراء تحقيق كامل وشفاف ومحاسبة المسؤولين.

وأعربت عن صدمتها من وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتداء عليها بأنه «مُدّعى»، معتبرة أن التشكيك في الواقعة يمثل إهانة إضافية بعد الإصابات التي تعرضت لها.

غضب أمريكي

أثارت واقعة الاعتداء على ليفين ردود فعل غاضبة في واشنطن، خصوصًا أن الانتقادات جاءت من مسؤولين أمريكيين معروفين بدعمهم القوي لإسرائيل.

ووصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الهجوم بأنه عمل إرهابي وحشي ودنيء ارتكبه مهاجمون ملثمون، مطالبًا السلطات الإسرائيلية بتحديد هوية المعتدين واعتقالهم ومحاكمتهم.

واكتسب موقف هاكابي أهمية خاصة بالنظر إلى تأييده المعروف للسياسات الإسرائيلية والاستيطان، إذ عكس حجم الغضب الأمريكي بعد تعرض مواطنة أمريكية لاعتداء عنيف في الضفة الغربية.

من جانبه، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن انزعاج واشنطن الشديد من مشاهد العنف، مؤكدًا أن الرئيس دونالد ترامب لا يريد اندلاع توترات جديدة أو أزمة إضافية في الضفة الغربية.

وأوضح روبيو أن الإدارة الأمريكية تلقت شكاوى بشأن حوادث أخرى، وأن وزارة الخارجية طلبت من السفارة الأمريكية في القدس معلومات تفصيلية حول الاعتداء على الصحفية الأمريكية.

وتأتي هذه المواقف في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار عنف المستوطنين إلى إشعال مواجهة أوسع في الضفة الغربية، بما يضيف أزمة جديدة إلى التوترات الإقليمية.

إدانات أوروبية وعربية

امتدت ردود الفعل إلى عدد من العواصم الأوروبية، بعد الاعتداء على الوفد الدبلوماسي في بلدة الطيبة. وأدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو الهجوم، مؤكدًا تعرض مركبة بلجيكية لأضرار، مع سلامة أعضاء الفريق الدبلوماسي.

كما أعربت وزارة الخارجية البولندية عن استيائها الشديد، وأدانت الاعتداء بأقوى العبارات، مجددة رفض بلادها لعنف المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي السياق نفسه، حمّلت وزارة الخارجية الأردنية إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية عن الاعتداءات، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لإلزامها بوقف عنف المستوطنين ومحاسبة المتورطين.

واعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية أن استهداف الدبلوماسيين الأوروبيين يؤكد أن اعتداءات المستوطنين لم تعد تقتصر على المواطنين الفلسطينيين، بل امتدت إلى ممثلي الدول الأجنبية والوفود الدولية، داعية إلى تدخل دولي عاجل.

موسم زيتون دامٍ

تأتي الاعتداءات الأخيرة وسط تصاعد الهجمات على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، الذي يشكل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف الأسر في الضفة الغربية.

ووفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، قُتل أربعة فلسطينيين على الأقل وأصيب أكثر من 100 آخرين منذ بداية موسم القطاف خلال أكتوبر الجاري.

كما تشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى تعرض أكثر من 45 ألف شجرة للقطع أو الإتلاف خلال النصف الأول من عام 2026، بينها أكثر من 26 ألف شجرة زيتون.

وتشمل الاعتداءات إحراق الأشجار والمركبات الزراعية، ومهاجمة المزارعين أثناء عملهم، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، إلى جانب اعتداءات تستهدف المتضامنين الأجانب والصحفيين الذين يوثقون هذه الانتهاكات.

وفي قرية أبو فلاح، أظهرت صور جنودًا إسرائيليين يفحصون هويات نشطاء دوليين وصحفيين ويطالبونهم بمغادرة المنطقة، فيما وثقت صور أخرى احتجاز مزارع فلسطيني أثناء محاولته الوصول إلى أرضه.

إفلات من العقاب

رغم إعلان السلطات الإسرائيلية فتح تحقيقات في عدد من اعتداءات المستوطنين، فإن بيانات حقوقية تثير تساؤلات بشأن جدية الإجراءات المتخذة ومدى قدرة الأجهزة المختصة على محاسبة المسؤولين.

وبحسب منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية، أُغلق نحو 94% من التحقيقات المتعلقة باعتداءات المستوطنين منذ عام 2005 دون توجيه لوائح اتهام، بينما انتهت نحو 3% فقط من القضايا بإدانات كاملة أو جزئية.

وتعزز هذه الأرقام اتهامات منظمات حقوق الإنسان بوجود قصور واسع في تطبيق القانون على المستوطنين المتورطين في الاعتداءات ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وفي أعقاب هجوم الطيبة، أعلنت الشرطة الإسرائيلية فتح تحقيق لتحديد هوية المشتبه بهم وجمع إفادات الشهود.

وأدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الاعتداء، واصفًا منفذيه بأنهم «مثيرو شغب إسرائيليون»، مؤكدًا التعاون مع سفراء الدول المعنية لملاحقة المسؤولين.

لكنه انتقد في الوقت نفسه عدم التنسيق المسبق للزيارة مع الجيش الإسرائيلي، معتبرًا أن التنسيق كان من الممكن أن يوفر الحماية لأعضاء الوفد.

دفاع نتنياهو

من جانبه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض العنف ضد الدبلوماسيين، لكنه حذر من إصدار أحكام مبكرة بشأن المسؤولين عن الهجوم.

واعتبر المكتب أن الاتهامات الخطيرة تتطلب أدلة قوية، وأن المقاطع المصورة المتداولة لا تكشف التسلسل الكامل للأحداث أو تحدد المسؤولية الفردية للمشاركين.

كما تحدث عن وجود حملة منسقة لتشويه صورة إسرائيل والمستوطنين خلال موسم قطاف الزيتون، مشيرًا إلى مواقف سابقة لرئيس البلدية الفرنسي مؤيدة للفلسطينيين.

وأثارت هذه التصريحات انتقادات إضافية، في ظل مطالبات دولية بمحاسبة المعتدين بدلًا من التشكيك في شهادات الضحايا أو تحميل الوفود الأجنبية مسؤولية عدم التنسيق الأمني.

وتضع الاعتداءات المتصاعدة الحكومة الإسرائيلية أمام تحدٍ دبلوماسي متزايد، بعدما امتد العنف من استهداف المزارعين الفلسطينيين إلى الاعتداء على مواطنين أمريكيين ومسؤولين أوروبيين.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة حكومة نتنياهو على كبح جماح المستوطنين، خصوصًا في ظل استمرار الانتقادات الدولية لسجل المحاسبة، والمخاوف من أن يؤدي تصاعد العنف في الضفة الغربية إلى تعميق عزلة إسرائيل وإضعاف علاقاتها حتى مع أقرب حلفائها.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى