الأمريكيون يواصلون الإنفاق رغم الغلاء.. إلى متى سيتحمل المستهلك ارتفاع الأسعار؟
بيانات اقتصادية تظهر ارتفاع التضخم خلال سبتمبر مع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الوقود إلى قطاعات أخرى
يواصل المستهلكون الأمريكيون الإنفاق رغم الارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، في مفارقة تدعم النمو الاقتصادي مؤقتًا، لكنها تثير تساؤلات بشأن قدرة الأسر على تحمل موجة الغلاء لفترة أطول، خاصة مع تسارع التضخم وتراجع الأجور الحقيقية وتباطؤ التوظيف.
ووفقًا لوكالة “أسوشيتد برس” فقد أظهرت بيانات اقتصادية صدرت الخميس أن التضخم في الولايات المتحدة ازداد خلال سبتمبر، مع انتقال تأثير ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى قطاعات أخرى، من بينها النقل والشحن والتخزين، وسط مؤشرات على احتمال ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية خلال الأشهر المقبلة.
وقال جيم بيرد، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بلانت موران» للاستشارات المالية، إن المستهلكين ربما تمكنوا من تحمل ارتفاع أسعار البنزين، رغم استيائهم منها، لكنهم ما زالوا يواصلون الإنفاق، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد الأمريكي على الصمود حتى الآن أمام الضغوط التضخمية.
تكاليف الإنتاج ترتفع
وسجل مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي، الذي يقيس التغير في الأسعار قبل وصول السلع والخدمات إلى المستهلكين، ارتفاعًا بنسبة 6.3% خلال سبتمبر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في أكبر زيادة منذ نحو أربع سنوات. وعلى أساس شهري، صعد المؤشر بنسبة 1.3% مقارنة بأغسطس، مدفوعًا بارتفاع أسعار الغاز بنسبة 20%.
وتؤدي زيادة أسعار الوقود إلى رفع تكاليف نقل البضائع، إذ تعتمد شاحنات النقل لمسافات طويلة وقطارات الشحن على الديزل، كما يستخدم المزارعون هذا الوقود لتشغيل المعدات الزراعية، ما يزيد الضغوط على سلاسل الإمداد وتكاليف إنتاج الغذاء.
وارتفعت أسعار المواد الغذائية بالجملة بنسبة 1.2% بين أغسطس وسبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية منذ فبراير، ما يعزز المخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى متاجر البقالة والأسواق خلال الفترة المقبلة.
وبحسب بيانات جمعية السيارات الأمريكية، بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.32 دولار للجالون يوم الخميس، مقارنة بـ3.66 دولار قبل عام، وهو ارتفاع يزيد الأعباء على شركات النقل والقطاعات التي تعتمد على الوقود في عملياتها اليومية.
التضخم يضغط على الأسر
وجاءت بيانات أسعار المنتجين بعد تقرير أسعار المستهلك الذي أظهر ارتفاع التضخم السنوي إلى 3.7% في سبتمبر، متجاوزًا هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، في مؤشر إلى استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأمريكيين.
وحذر كارل واينبرغ، كبير الاقتصاديين في شركة «هاي فريكونسي إيكونوميكس»، من أن ارتفاع تكاليف النقل ينتقل عبر مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، بدءًا من نقل المواد الخام إلى المصانع، وصولًا إلى شحن المنتجات إلى تجار الجملة والتجزئة، ما يسمح لزيادة أسعار الطاقة بالتسرب تدريجيًا إلى أسعار السلع الأساسية.
ولا تقتصر المشكلة على أسعار الوقود، إذ إن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل قد يجعل الشركات أمام خيارين صعبين: تحمل جزء من الزيادة على حساب هوامش أرباحها، أو تمريرها إلى المستهلكين، بما يزيد الضغوط على ميزانيات الأسر.
الإنفاق يواصل الصعود
ورغم هذه الضغوط، ارتفعت مبيعات التجزئة الأمريكية بنسبة 0.8% في سبتمبر مقارنة بأغسطس، متجاوزة توقعات الاقتصاديين. وجاء جزء من الزيادة نتيجة ارتفاع الإنفاق في محطات الوقود بنسبة 6.4%، إلى جانب زيادة الإنفاق في المطاعم والمقاهي بنسبة 1.1%.
لكن الصورة تبدو أقل قوة عند استبعاد الوقود، إذ لم ترتفع مبيعات التجزئة سوى 0.2%، وهو ما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الزيادة الإجمالية يرتبط بارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة بزيادة حقيقية مماثلة في حجم السلع والخدمات التي يشتريها الأمريكيون.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الإنفاق يرتبط إلى حد كبير ببقاء سوق العمل متماسكًا نسبيًا، إذ تتيح الوظائف والدخول المنتظمة للأسر مواصلة الاستهلاك، حتى مع اضطرارها إلى توخي الحذر في الإنفاق والاعتماد بدرجة أكبر على المدخرات والائتمان.
سوق العمل تحت الاختبار
وأظهرت بيانات طلبات إعانات البطالة الصادرة الخميس أن عدد المتقدمين للحصول على الإعانات ظل أقل من 200 ألف شخص خلال الأسبوع السابق، وهو مستوى منخفض تاريخيًا يعكس استمرار محدودية عمليات التسريح مقارنة بالمعدلات المسجلة في فترات الضعف الاقتصادي.
وقالت كاثي بوستيانسيك، كبيرة الاقتصاديين في شركة «نيشن وايد»، إن بقاء معدل البطالة منخفضًا واستمرار الأمريكيين في الاحتفاظ بوظائفهم يدعمان الإنفاق الاستهلاكي، وإن كان ذلك بحذر أكبر واعتماد متزايد على المدخرات والائتمان.
لكن مؤشرات التوظيف تثير القلق؛ فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة فقط في سبتمبر، مقابل 133 ألف وظيفة في أغسطس بعد مراجعة البيانات، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.2%. وجاءت زيادة الوظائف أقل بكثير من توقعات الاقتصاديين، التي أشارت إلى إضافة نحو 90 ألف وظيفة.
كما تراجعت الأجور الأسبوعية الحقيقية، بعد احتساب التضخم، في سبتمبر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، للمرة الأولى منذ مايو، ما يعني أن ارتفاع الأسعار بدأ يلتهم جزءًا من القوة الشرائية للعاملين.
الفائدة تزيد المخاوف
ويمثل استمرار التضخم تحديًا إضافيًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ قد يدفعه إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية بهدف كبح الطلب والحد من ارتفاع الأسعار، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر، لتصل إلى نحو 3.9%، في أول زيادة منذ ثلاث سنوات. وأشار محضر اجتماعه الأخير إلى أن معظم المسؤولين يرون احتمال الحاجة إلى زيادة أخرى خلال العام لمواجهة التضخم المستمر.
ومن شأن ارتفاع أسعار الفائدة أن يزيد تكلفة الاقتراض المرتبطة ببطاقات الائتمان وقروض السيارات والرهون العقارية، ما قد يضاعف الضغوط على المستهلكين، خصوصًا إذا تزامن مع تباطؤ التوظيف وتراجع الأجور المعدلة وفقًا للتضخم.
وتضع هذه التطورات الاقتصاد الأمريكي أمام معادلة صعبة: فاستمرار الإنفاق يساعد على دعم النمو، لكن ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية قد يجبران الأسر تدريجيًا على تقليص مشترياتها.
وبينما لا تزال الوظائف توفر سندًا مهمًا للاستهلاك، يبقى السؤال الأساسي هو إلى متى يستطيع الأمريكيون مواصلة الإنفاق قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى تراجع ملموس في الطلب والنشاط الاقتصادي.



