أخبارأخبار أميركاالراديوطبيبك الخاص

د. نيكولاس شما يكشف أسرار تراجع الخصوبة وأسباب تأخر الإنجاب مع التقدم في العمر

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

في لقاء إذاعي جديد؛ يطل علينا بعد غياب، الدكتور نيكولاس شما، أخصائي الغدد الصماء وأمراض العقم والتخصيب الاصطناعي، في حوار شيّق أجرته معه الإعلامية د. ليلى الحسيني عبر منصات “راديو صوت العرب من أمريكا”، ناقش الطرفان أسباب تراجع الخصوبة مع التقدم في العمر، والتغيرات البيولوجية التي تطرأ على البويضات والرحم، إضافة إلى أبعاد الأزمة الديموغرافية العالمية ودور التقنيات الحديثة في مواجهتها.

أسباب تأخر الإنجاب

* نرحب بك دكتور نيكولاس شما مجدداً عبر منصاتنا بعد غياب دام عشرة أشهر. يواجه العالم اليوم انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الخصوبة السكانية، وتدق في الولايات المتحدة ناقوس الخطر بشأن تراجع معدلات المواليد في ظل اتجاه النساء للإنجاب في أعمار متقدمة.

ما الذي يحدث بيولوجياً عند تأخر الإنجاب؟ وهل تكمن المشكلة في عدد البويضات أم في جودتها؟ ولماذا تختلف سرعة شيخوخة المبيض من امرأة إلى أخرى؟

** يسعدني التواجد معكِ ومع المستمعين. هذا الموضوع يحتل أهمية بالغة في الدول المتقدمة، ويمكن اختصاره في ثلاثة أرقام ديموغرافية رئيسية:

1. معدل الخصوبة في أمريكا: يبلغ حالياً 1.6 طفل لكل امرأة، بينما كان يتجاوز 3 أطفال قبل خمسين عاماً. وللحفاظ على ثبات عدد السكان يجب ألا يقل المعدل عن 2.1 طفل. ولولا الهجرة المنظمة لكان عدد السكان في انخفاض مستمر.

2. عمر الإنجاب الأول: ارتفع متوسط عمر المرأة عند إنجاب طفلها الأول في الولايات المتحدة إلى 27-28 عاماً، بعد أن كان بين 20-25 عاماً في العقود الماضية.

3. المعدلات العالمية: يبلغ المعدل في الاتحاد الأوروبي نحو 1.35، وفي اليابان 1.1، بينما يسجل في كوريا الجنوبية مستواً خطيراً عند 0.57، مما يعني احتمال انخفاض عدد السكان هناك بنسبة 60% خلال عشرين عاماً.

* لماذا يتأخر التفاعل والوعي بهذه الخطورة الديموغرافية؟

** الوعي موجود، لكن الواقع يفرض تحولات اجتماعية واقتصادية؛ فالنساء اليوم يلتحقن بالتعليم الجامعي وسوق العمل، ويتزوجن في سن متأخرة، أو يفضلن تأجيل الإنجاب بعد الزواج.

وتشهد أمريكا نحو 3.6 ملايين ولادة سنوياً، لكنها تتجه نحو أعمار أكبر وأعداد أقل. الخطورة تكمن في أنه إذا لم يُولد عدد كافٍ من الأطفال، فلن نجد في المستقبل قوى عاملة شابة تدعم الاقتصاد وتتحمل أعباء الرعاية الاجتماعية والمتقاعدين.

* يبدو أن الهجرة المنظمة تشكل دعامة أساسية لمنع التراجع السكاني في أمريكا، بينما تغيب المساعدات والدعم الحكومي المباشر للأمهات مقارنة بدول أخرى.

** هذا صحيح. في دول شمال أوروبا تحصل الأم على إجازة أمومة مدفوعة الأجر لستة أشهر مع تغطية الرعاية الطبية والاجتماعية، بينما ينعدم ذلك في أمريكا.

يمكن للدول تشجيع الخصوبة عبر تقديم حوافز مالية، أو تغطية تكاليف الفحوصات الطبية وعلاجات أطفال الأنابيب والفحوصات الجينية للأجنة لتقليل الأعباء عن الراغبين في الإنجاب المتأخر.

الضغوط الاقتصادية والإنجاب

* هل تلعب التكاليف والضغوط الاقتصادية دوراً في عزوف الشبان عن الإنجاب المبكر؟

** بالتأكيد، فارتفاع تكاليف المعيشة والرغبة في تأمين بيئة مستقرة وموارد مالية كافية لتربية الأطفال والعناية بهم تدفع الكثير من الأزواج إلى تأجيل هذه الخطوة.

أوهام التكنولوجيا الطبية

* يرى البعض أن تطور تقنيات أطفال الأنابيب منح انطباعاً بأن الطب قادر على تعويض تأثير العمر بالكامل، فهل هذا الاعتقاد دقيق؟

** الطب لا يستطيع إيقاف الزمن أو تغيير الجينات الخاصة بالمبايض والبويضات عند التقدم في العمر. كما أن الاعتقاد القديم بأن الرحم لا يتأثر بالعمر أثبتت الأبحاث الحديثة عدم صحته، حيث تبين أن للرحم أيضاً تغيرات تتصل بالشيخوخة.

التناقص البيولوجي للبويضات

* ما الذي يحدث بيولوجياً وبنيوياً داخل المبيض مع التقدم في العمر؟

** تبدأ الأنثى حياتها كجنين في رحم أمها (بعمر 20 أسبوعاً) ويمتلك مبيضها نحو 6 إلى 7 ملايين بويضة. وعند الولادة ينخفض هذا العدد إلى ما بين 1.2 و2 مليون بويضة. وعند البلوغ (بعمر 13-14 سنة) يتراجع المخزون إلى نحو 300 إلى 400 ألف بويضة.

وفي سن الثلاثين ينزل العدد إلى 100 ألف (خسارة 75% من المخزون)، وعند سن 37 ينخفض إلى 25 ألفاً فقط. أما بين سن 37 و40 فيتراجع إلى ما بين 5 و10 آلاف بويضة، ليصل بعد سن 45 إلى أقل من 1000 بويضة. هذه الطبيعة البيولوجية صُممت لحماية المرأة قديماً من مخاطر الحمل المتقدم.

التراجع الجيني للبويضات

* هل تقتصر المشكلة على انخفاض العدد فقط أم تتدنى الجودة الجينية أيضاً؟

** تناقص العدد يختلف بين امرأة وأخرى، ولكن التراجع الجيني للبويضات يسير بمعدل ثابت ومرتبط بالعمر:

في سن 30: تكون 40% من البويضات غير طبيعية جينياً.
في سن 40: ترتفع نسبة البويضات غير الطبيعية جينياً إلى 70%-75%.
في سن 45: تصل نسبة البويضات غير الطبيعية جينياً إلى 90%.

يرتبط هذا التراجع بارتفاع معدلات الإجهاض؛ فبينما تبلغ نسبة الإجهاض 10% لدى النساء بعمر 20-25 سنة، ترتفع إلى 80%-90% لدى النساء بعمر 42-45 سنة.

وتوضح بيانات الجمعية الأمريكية لتقنيات المساعدة على الإنجاب (SART) لعام 2023 أن نسب نجاح الحمل من المحاولة الأولى باستعمال البويضات الذاتية تتراجع كالتالي:

أقل من 35 سنة: 53%.
بين 35 و37 سنة: 40%.
بين 38 و40 سنة: 25%.
بين 41 و42 سنة: 13%.
فوق 42 سنة: 4% فقط.

أسباب التدهور الجيني

* ما الأسباب البيولوجية والخلية التي تؤدي إلى تراجع جودة البويضات؟

** تبدأ البويضات انقسامها الجيني الأول وهي لا تزال جنيناً في رحم الأم، ثم تتوقف حتى مرحلة التبويض. ومع تقدم العمر، تضعف البروتينات الرابطة للكروموسومات (Cohesin)، مما يؤدي إلى انفصال غير منتظم للكروموسومات ونشوء أجنة بخلل جيني.

بالإضافة إلى ذلك، تتراجع قدرة آليات إصلاح الحمض النووي (DNA repair) داخل الخلايا، وتتأثر عشرات الجينات المسؤولة عن سلامة البويضة.

* إلى أي مدى تؤثر الجينات والتاريخ العائلي في سرعة شيخوخة المبيض وانقطاع الطمث؟

** الجودة الجينية للبويضات ترتبط بالعمر الزمني بشكل عام، لكن عدد البويضات يتأثر بالوراثة. فوجود طفرات مثل (FMR1) قد يسبب انخفاضاً حاداً في المخزون.

وإذا كان للأسرة تاريخ في انقطاع الطمث المبكر (قبل سن 40)، فإن ذلك يستدعي إجراء فحص مخزون المبيض (AMH) لتقييم الاحتياطي واتخاذ خطوات سريعة للإنجاب أو التجميد.

* من خلال خبرتك الميدانية، هل تلمس وعياً كافياً لدى النساء بهذه التغيرات؟

** الفئات المتعلمة تدرك أن الخصوبة تقل مع العمر، لكن الكثيرات يجهلون الانخفاض الحاد في الجودة ونسب النجاح. تأتي إليّ أحياناً نساء في سن 44 يطلبن الحمل ببويضاتهن، رغم أن نسبة النجاح الطبيعي لا تتجاوز 4%، أو ينتظرن لسنوات طويلة قبل الاستشارة الطبية.

العمر المناسب للتجميد

* ما العمر الأمثل الذي تنصح به لتجميد البويضات للفتيات الراغبات في استكمال دراستهن وتحقيق طموحاتهن؟

** العمر الأمثل لتجميد البويضات يتراوح بين 31 و33 سنة لمن لا تملك شريك حياة أو لا تخطط للإنجاب القريب. لا أنصح بالتجميد قبل سن الثلاثين لاحتمال الزواج والإنجاب الطبيعي، وقد شجعت ابنتيّ على تجميد بويضاتهما بعمر 31 و34 كخيار أمان مستقبلية.

* ماذا يحدث للبويضات المجمدة إذا تزوجت المرأة وحملت طبيعياً دون الحاجة إليها؟

** تبقى البويضات محفوظة. والنصيحة هنا هي الاحتفاظ بها وعدم استهلاكها فوراً إذا حدث حمل طبيعي أول في سن 32 مثلاً، بل ادخارها للاستخدام عند الرغبة في إنجاب طفل آخر في سن متأخرة (كسن 38 أو 39)، للحماية من مخاطر الإجهاض والتشوهات الناتجة عن كبر سن البويضات حينها.

* ماذا قدمت تقنيات أطفال الأنابيب والفحص الجيني للأجنة لتجاوز المشكلات الجينية المرتبطة بالعمر؟

** الفحص الجيني للأجنة قبل الغرس يُعد تحولاً كبيراً، فهو يرفع نسبة النجاح عن طريق اختيار الأجنة السليمة جينياً. على سبيل المثال، من بين 21 عملية زراعة أجنة أجريتها اليوم، خضعت أجنة 20 امرأة للفحص الجيني المسبق.

تأثير شيخوخة الرحم

* هل يقتصر العائق البيولوجي على جودة البويضات والأجنة أم إن للرحم دوراً في عملية الشيخوخة؟

** الرحم أيضاً يتأثر بالتقدم في العمر؛ حيث تزداد احتمالية ظهور التليفات والالتهابات والإجهاد التأكسدي. وقد كشفت دراسة صينية حديثة (نُشرت في أغسطس) أن بكتيريا نافعة في الرحم تشمل (Lactobacillus) تفرز سكريات متعددة (EPS) تعمل على تقليل التهابات الرحم وتحفيز البروتينات المسؤولة عن انغراس الجنين.

وعند إعطاء هذا المركب للفئران المتقدمة في العمر تحسنت الخصوبة لديها، كما أظهرت الفحوصات البشرية أن النساء اللاتي يمتلكن معدلات أعلى من هذه البكتيريا يحققن نسب حمل أعلى.

الأبحاث المستقبلية

* هل يمكن تحويل هذه النتائج البيولوجية إلى تطبيقات علاجية مستقبلية في مراكزكم؟

** تطبيق ذلك على البشر يتطلب أبحاثاً واختبارات لعدة سنوات لتحديد الجرعات ومدى السلامة. والعمل جارٍ على التخطيط لدراسات في هذا المجال خلال السنوات الخمس القادمة؛ لأن بيئة الرحم هي العامل الرابع الذي يمكن تحسينه علاجياً، بخلاف العمر والجودة الجينية للمبيض.

* الحرمان من الإنجاب يحمل أبعاداً إنسانية ونفسية عميقة لدى الأسر الراغبة في ذلك.

** الأبعاد النفسية والاجتماعية معقدة للغاية؛ فالأزواج يواجهون ضغوطاً عائلية ومجتمعية شديدة، إلى جانب مشاعر الوحدة والكآبة التي تحيط بهم عند التقاعد وكبر السن، لا سيما في المجتمعات الغربية التي تفتقر للروابط الأسرية الوثيقة المتواجدة في مجتمعاتنا العربية.

* هل تستطيع تقنيات أطفال الأنابيب تعويض التراجع السكاني بمفردها أم إن القيود البيولوجية تبقى أقوى؟

** التقنيات الطبية مساعدة وقوية، لكنها لا تستطيع معالجة التراجع الديموغرافي الشامل بمفردها، ما لم تتطور مستقبلاً تقنيات الخلايا الجذعية لإنتاج بويضات جديدة. لذلك يتوجب على المجتمعات والدول توفير التسهيلات والبيئة المشجعة للشباب على الإنجاب المبكر.

نصيحة للشباب بالإنجاب

* ما الرسالة الختامية التي توجهها للشباب الذين يؤجلون خطوة الإنجاب؟

** أنصح الشباب بعدم انتظار الجاهزية المادية التامة أو الرفاهية الكاملة للبدء في الإنجاب؛ لأن قطار الخصوبة البيولوجي إذا مرّ يصعب إرجاعه. السعي للإنجاب المبكر هو الخيار الأفضل، مع اللجوء لحلول مثل تجميد البويضات في السن المناسبة عند وجود أسباب تحول دون ذلك.

* استعرضنا في هذا الحوار موضوع الخصوبة من جوانبه البيولوجية والوراثية والديموغرافية، وأبرز التطورات في تقنيات أطفال الأنابيب وأبحاث بيئة الرحم. نشكر الدكتور نيكولاس شما على هذه الإطلالة الثرية، ونعد المستمعين بلقاءات قادمة.

** شكراً لكِ ولجميع المتابعين، مع أطيب التحيات.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى