أخبارأخبار أميركاهجرة

تحقيق صحفي يكشف احتجاز 65 رجل دين في عهد ترامب وترحيل 18 منهم

كشف تحقيق صحفي عن احتجاز سلطات الهجرة ما لا يقل عن 65 من رجال الدين والقيادات الدينية من مختلف الطوائف منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، بينهم قساوسة وأئمة وحاخامات ورهبان، في إطار حملة واسعة لتشديد إجراءات الهجرة وترحيل المهاجرين من الولايات المتحدة.

ووفقًا لتحقيق حصري نشرته مجلة «نيوزويك»، اليوم الأحد، استنادًا إلى وثائق قضائية وتقارير إعلامية وسجلات عامة، أُفرج عن 30 شخصًا على الأقل من المحتجزين، بينما رُحّل 18 آخرون، ولا يزال 14 رهن الاحتجاز، فيما توفي إمام إريتري داخل أحد مراكز احتجاز الهجرة في ولاية بنسلفانيا.

وأثار التحقيق تساؤلات بشأن مدى احترام الحقوق الدستورية والإجراءات القانونية خلال عمليات الاحتجاز، وسط مطالبات من منظمات حقوقية ودينية بفتح تحقيق في الكونغرس، في حين تؤكد إدارة ترامب أن تطبيق قوانين الهجرة يستند إلى الوضع القانوني للأفراد وليس إلى معتقداتهم الدينية.

أرقام صادمة

أظهر التحقيق أن المحتجزين ينتمون إلى ديانات وطوائف متعددة، بينهم 51 من القيادات الدينية المسيحية، ينتمون إلى الكنائس الكاثوليكية والأنجليكانية والمعمدانية والمشيخية والسبتية، إلى جانب 10 مسلمين وثلاثة بوذيين ويهوديين اثنين.

وطلبت المجلة من إدارة ترامب السجلات المتعلقة بتاريخ الهجرة والسجل الجنائي لجميع الأشخاص الذين شملهم التحقيق، وقدمت الإدارة معلومات عن 42 منهم، مشيرة إلى أن 14 لديهم سوابق اعتقال أو إدانات جنائية.

وشملت الحالات أشخاصًا صدرت بحقهم أوامر ترحيل، وآخرين تجاوزوا مدد تأشيراتهم، إلى جانب طالبي لجوء ومقيمين دائمين بصورة قانونية وأشخاص يتمتعون بتصاريح عمل أو أشكال مختلفة من الحماية القانونية.

كما كشفت الوثائق أن عددًا من عمليات الاحتجاز جرى خلال مواعيد دورية مع سلطات الهجرة أو أثناء التوقف المروري أو في إطار تعاملات اعتيادية مع أجهزة إنفاذ القانون.

احتجاز قس أوغندي

من أبرز الحالات التي وثقها التحقيق القس ستيفن تيندو، وهو رجل دين من الكنيسة الخمسينية ينحدر من أوغندا، وتقدم بطلب لجوء إلى الولايات المتحدة.

وقال تيندو إنه كان يغادر عمله في ولاية فيرمونت يوم 4 فبراير 2026، عندما حاصر عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية سيارته، قبل أن يسحبوه منها ويطرحوه أرضًا ويقيدوا يديه.

وأضاف أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لديه، معتبرًا أن المحتجزين داخل مراكز الهجرة يفقدون شعورهم بالكرامة الإنسانية ويتحولون إلى مجرد أرقام في ملفات السلطات.

واستمر احتجازه 16 يومًا، قبل أن يأمر قاضٍ فيدرالي بالإفراج عنه، بعدما خلص إلى أن سلطات الهجرة خالفت لوائحها الخاصة بعدم تقديم مبررات فردية كافية لإعادة احتجازه في الوقت المحدد.

وسبق أن احتجزت السلطات تيندو خلال عام 2023، قبل عودته إلى الاحتجاز مجددًا في ظل حملة إنفاذ قوانين الهجرة الحالية.

وفاة إمام

سلط التحقيق الضوء على وفاة الإمام فؤاد سعيد عبد القادر، البالغ من العمر 46 عامًا، وهو مواطن إريتري يحمل بطاقة الإقامة الدائمة الأمريكية «غرين كارد».

وتوفي عبد القادر في ديسمبر 2025 أثناء احتجازه في مدينة فيليبسبرغ بولاية بنسلفانيا، ليكون من بين الحالات التي أثارت تساؤلات بشأن أوضاع المحتجزين داخل مراكز الهجرة.

ولم يقدم التحقيق تفاصيل كافية بشأن الأسباب الطبية لوفاته أو الظروف الدقيقة المحيطة بها.

مطالبات بالتحقيق

دعا مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» الكونغرس إلى فتح تحقيق بشأن احتجاز القيادات الدينية، ولا سيما الأئمة المسلمين الذين شملتهم الإجراءات.

وقال إدوارد أحمد ميتشل، نائب المدير الوطني للمجلس، إن الولايات المتحدة يجب ألا تستهدف المهاجرين بالترحيل على أساس العرق أو الدين أو نشاطهم في الدفاع عن حقوق الإنسان.

وأعرب عن قلق المنظمة من احتجاز ما لا يقل عن عشرة أئمة خلال العام ونصف العام الماضي، مطالبًا الكونغرس بالتحقيق في أي دوافع تمييزية محتملة وراء هذه الحالات.

كما دعا إلى إقرار مشروع قانون «NO Ban Act»، الهادف إلى منع التمييز العنصري والديني في سياسات الهجرة الأمريكية.

من جانبها، قالت الحاخامة سارة باسن، من منظمة «هياس» المعنية بدعم اللاجئين والمهاجرين اليهود، إن أهمية هذه الحالات لا تكمن في أن رجال الدين يستحقون معاملة مختلفة عن بقية المهاجرين، وإنما في أنها تكشف، بحسب رأيها، عن الأبعاد الأخلاقية لسياسات الهجرة التي تتبعها الإدارة.

رد إدارة ترامب

رفضت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية الاتهامات التي تربط عمليات الاحتجاز بالانتماء الديني، مؤكدة أن العامل الحاسم في تطبيق قوانين الهجرة هو الوضع القانوني للشخص داخل الولايات المتحدة.

وقال متحدث باسم الوزارة إن ما يجعل الفرد هدفًا لإجراءات إنفاذ قوانين الهجرة هو وجوده بصورة غير قانونية في البلاد، وليس انتماؤه الديني.

وتأتي هذه التصريحات في ظل حملة واسعة أطلقتها إدارة ترامب لتشديد الرقابة على الحدود الجنوبية، وتوسيع عمليات الترحيل داخل الولايات المتحدة، إلى جانب فرض قيود إضافية على بعض مسارات الهجرة القانونية.

وفي المقابل، اتخذت الإدارة إجراءً لتخفيف أحد القيود المفروضة على العاملين الدينيين الأجانب الذين يحملون تأشيرات «R-1».

ففي يناير 2026، ألغت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية شرط بقاء العامل الديني خارج الولايات المتحدة لمدة عام كامل بعد استنفاد الحد الأقصى للتأشيرة، البالغ خمس سنوات، قبل التقدم للحصول على وضع جديد من الفئة نفسها، مع استمرار اشتراط مغادرة البلاد.

أزمة كاهن فنزويلي

جاء تعديل قواعد التأشيرات الدينية عقب تدخل رئيس أساقفة ميامي، توماس وينسكي، بعد احتجاز كاهن كاثوليكي فنزويلي.

وكانت سلطات الهجرة قد احتجزت الكاهن غوستافو أندريس سانتوس هيغيرا لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 19 أغسطس 2025.

وطالب رئيس الأساقفة بالإفراج عنه، مؤكدًا أنه يحمل تأشيرة سارية للعمل الديني من فئة «R-1».

وذكرت الدعوى القضائية المقدمة نيابة عنه أنه حُرم من التواصل مع محاميه، وطالبت المحكمة الفيدرالية بمنع نقله خارج فلوريدا أثناء نظر الطعن في احتجازه.

حاخام مهدد بالترحيل

شملت الحالات أيضًا الحاخام يهوناتان عوفاديا، البالغ من العمر 35 عامًا، وهو أب وناشط سياسي احتجزته سلطات الهجرة في مدينة نيويورك يوم 28 أغسطس 2026، ويواجه احتمال الترحيل.

وقال محاميه إريك لي إن السلطات رفضت تمديد وضعه القانوني لأسباب تقديرية، مستندة إلى واقعة اعتقال تعود إلى عام 2023 خلال احتجاج مناهض للصهيونية شارك فيه يهود بمقاطعة روكلاند في نيويورك.

وأوضح المحامي أن أحد المشاركين في الاحتجاج أزال علمًا إسرائيليًا من مبنى حكومي محلي، بينما عارض عوفاديا هذا التصرف.

وأشار إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية جددت تأشيرة موكله الدينية عام 2024، بعد إفصاحه عن الواقعة خلال مقابلة في السفارة الأمريكية بكندا.

واتهم المحامي الإدارة بالخلط بين معارضة الصهيونية ومعاداة السامية، معتبرًا أن التعديل الأول للدستور الأمريكي يحمي حق موكله في انتقاد الحكومات الأجنبية والتعبير عن معتقداته الدينية.

في المقابل، قالت وزارة الأمن الداخلي إن السجل الجنائي لعوفاديا يتضمن اتهامات تتعلق بالإتلاف والسرقة البسيطة والتآمر المصنف ضمن جرائم الكراهية، إلى جانب السلوك غير المنضبط.

وأضافت الوزارة أنه دخل الولايات المتحدة بصورة قانونية في أبريل 2024، مع تصريح بالبقاء حتى نوفمبر 2025، لكنه تجاوز المدة المسموح بها ولم يغادر البلاد.

إمام نيجيري

وثق التحقيق أيضًا حالة جليلي قدوس، وهو رجل دين مسلم من نيجيريا، يؤدي الصلوات الأسبوعية ويزور المرضى ويوزع الطعام على المحتاجين.

وأُعيد احتجازه في 23 أكتوبر 2025، عندما حضر موعده السنوي المعتاد مع إدارة الهجرة والجمارك في شيكاغو.

ووفقًا للوثائق القضائية، كان قد أمضى نحو 17 عامًا ملتزمًا بشروط أمر إشراف صادر عن سلطات الهجرة، قبل إعادته إلى الاحتجاز ونقله إلى مركز كامب إيست مونتانا في إل باسو بولاية تكساس.

وفي 20 يناير، أصدر قاضٍ فيدرالي أمرًا بالإفراج الفوري عنه تحت الإشراف، بعدما خلص إلى أن السلطات انتهكت حقوقه في الإجراءات القانونية الواجبة، من خلال إعادة احتجازه دون تقديم الإخطار المطلوب أو منحه فرصة للرد.

احتجاز أثناء المراجعة

لم تكن حالة الإمام النيجيري الوحيدة التي شهدت احتجاز رجل دين خلال موعد رسمي مع سلطات الهجرة.

ففي 16 أكتوبر 2025، أُعيد احتجاز ثوك دي دانغ نغوين، وهو شماس ومدرس بمدرسة الأحد في كنيسة بمدينة لورنسفيل بولاية جورجيا، بعدما استدعته السلطات إلى مكتب إدارة الهجرة في أتلانتا لمراجعة ملفه.

وكان المواطن الفيتنامي قد أمضى نحو 12 عامًا خاضعًا لأمر إشراف، مع التزامه بالمراجعات الدورية.

وقال محاموه إن السلطات ألغت قرار الإفراج عنه دون توضيح الأسباب أو منحه فرصة للاعتراض، قبل نقله إلى مركز ستيوارت للاحتجاز في جورجيا.

كما احتجزت السلطات القس المشيخي الكوري الجنوبي كوي نام كو خلال مقابلة مع دائرة خدمات المواطنة والهجرة في كاليفورنيا يوم 27 فبراير 2026، قبل الإفراج عنه لاحقًا مع إخضاعه للمراقبة باستخدام جهاز تحديد المواقع، بينما استمرت إجراءات قضيته.

اعتقالات يومية

امتدت عمليات الاحتجاز إلى رجال دين كانوا يمارسون أنشطتهم اليومية المعتادة، بعيدًا عن المواعيد الرسمية مع سلطات الهجرة.

فقد اعتُقل خوان أنطونيو مايا توريس، وهو مسؤول عن التبشير وشماس في كنيسة السبتية، خلال توقف مروري أثناء توجهه إلى عمله في ولاية ماريلاند.

وأمرت محكمة فيدرالية لاحقًا بالإفراج عنه وعقد جلسة للنظر في إمكانية إطلاق سراحه بكفالة.

وفي ولاية تكساس، احتجزت السلطات القس المتطوع أدولفو غوتيريز أثناء اصطحابه ابنته إلى المدرسة، قبل ترحيله لاحقًا من الولايات المتحدة.

وتعكس هذه الحالات تنوع الظروف التي جرت فيها عمليات الاحتجاز، بين مراجعات الهجرة الروتينية والتوقيفات المرورية والمقابلات الرسمية والأنشطة اليومية.

جدل متصاعد

يضع التحقيق إدارة ترامب أمام انتقادات جديدة بشأن اتساع نطاق حملة الترحيل وتأثيرها على أفراد يتمتعون بمكانة دينية واجتماعية داخل مجتمعاتهم.

وبينما تؤكد الحكومة الأمريكية أنها تطبق قوانين الهجرة دون تمييز، ترى منظمات حقوقية ودينية أن بعض الوقائع تستدعي مراجعة قضائية وتشريعية للتأكد من احترام الضمانات الدستورية، وعدم استخدام إجراءات الهجرة بصورة تنطوي على تمييز ديني أو انتهاك للحقوق الأساسية.

وتكشف الأحكام القضائية التي أمرت بالإفراج عن عدد من المحتجزين أن بعض إجراءات إعادة الاحتجاز خضعت بالفعل لانتقادات قانونية، خصوصًا في الحالات التي لم توفر فيها السلطات مبررات فردية كافية أو فرصة للاعتراض.

ومع استمرار حملة الترحيل التي تنفذها إدارة ترامب، تظل أوضاع رجال الدين المحتجزين جزءًا من نقاش أمريكي أوسع بشأن حدود سلطة أجهزة الهجرة، وحقوق المقيمين وطالبي اللجوء، ومدى التزام السلطات بالإجراءات القانونية التي يكفلها الدستور.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى