أخبارأخبار أميركاالراديوطبيبك الخاص

زكام أم إنفلونزا أم كوفيد.. كيف تميّز بين الفيروسات التنفسية وتحمي أسرتك؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

استضافت الدكتورة ليلى في هذه الحلقة الإذاعية عبر برنامج “صوت العرب من أمريكا” الدكتور باسل الخطيب، الأخصائي في طب الأطفال وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، للحوار حول الفيروسات التنفسية الموسمية الأكثر شيوعًا خلال فصلي الخريف والشتاء.

وتناول اللقاء الفروق الدقيقة بين الزكام الشائع، والإنفلونزا، وكوفيد-19، وفيروس (RSV)، إضافة إلى استعراض سبل التمييز بين الأعراض المتشابهة، ودور اللقاحات والمضادات الفيروسية في الوقاية والعلاج لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر والمجتمع.

الفيروسات التنفسية الشائعة

* مع حلول فصل الخريف واقتراب موسم الشتاء، ترتفع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية كالزكام والإنفلونزا، لا سيما في الولائات التي تشهد مناخًا باردًا مثل ميشيغان. ولتشابه الأعراض من سعال وحُمّى واحتقان، يجد المريض صعوبة في التمييز بين هذه الأمراض وما إذا كانت مجرد زكام أم إنفلونزا أم كوفيد-19 أم فيروس (RSV).

يسعدنا اليوم استضافة الدكتور باسل الخطيب، الأخصائي في طب الأطفال وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، لنوضح الفروق وسبل الوقاية ودور اللقاحات لحماية أطفالنا. مرحبًا بك دكتور باسل، وبدايةً ما هي أكثر الفيروسات التنفسية شيوعًا خلال هذا الموسم؟

** أهلاً بكِ دكتورة ليلى وشكرًا على الاستضافة. تنتشر في الشتاء فيروسات كثيرة، ولكن لتسهيل الأمر سأركز على الفيروسات الأربعة الأكثر أهمية وشيوعًا والتي تدور حولها الحيرة والمقارنات دائمًا: الزكام الشائع (Common Cold)، والإنفلونزا (Flu)، وفيروس (RSV)، وكوفيد-19 (COVID-19).

طبيعة الزكام الشائع

* أعتقد أن أفضل طريقة لتبسيط الموضوع هي إعطاء نبذة سريعة عن كل مرض من حيث أسبابه وأبرز أعراضه وطرق علاجه والتمريض بينه وبين غيره. لنبدأ بالزكام الشائع، ماذا يجب أن نعرف عنه؟

** الزكام الشائع مرض فيروسي تنفسي خفيف. والمفاجأة أنه لا يسببه فيروس واحد محدد، بل هناك أكثر من 200 فيروس قد تسببه، وأكثرها شيوعًا عائلة الفيروسات الأنفية (Rhinovirus). تتمثل أعراضه في انزعاج بالحلق، وسيلان الأنف والاحتقان، والعطاس والسعال، مع صداع وحُمّى وتعب خفيف. ينقل المرض عبر الرذاذ التنفسي المحمول في الهواء أو ملامسة الأسطح الملوثة، وتستمر أعراضه نحو أسبوع، ويُعالج بالراحة والمسكنات وتناول السوائل.

خصائص مرض الإنفلونزا

* إذا كانت الإنفلونزا تختلف عن الزكام الشائع، فما الذي يميزها عنه وهل تكون أعراضها أشد؟

** الإنفلونزا داء فيروسي تنفسي تسببه مجموعة من الفيروسات، وأعراضه أشد من الزكام؛ إذ تشمل الحُمّى، والسعال، وسيلان الأنف، والآلام العضلية، والصداع، وقد تُصاحبها عند الأطفال أعراض إضافية كالإسهال والقيء. طرق الانتقال مشابهة للزكام، والعلاج يعتمد على الراحة والسوائل، وأحيانًا تُستخدم المضادات الفيروسية في أول يومين لتقصير مدة المرض. والفرق الأساسي عن الزكام -إضافة لشدة الأعراض- هو توافر لقاحات مخصصة للوقاية منها.

مستجدات فيروس كوفيد

* كيف تبدو إصابات كوفيد-19 اليوم بعد مرور كل هذه السنوات، وهل ما زالت أعراضه تختلف عن الزكام والإنفلونزا؟

** يختلف كوفيد-19 عن الزكام ولكنه يتشابه كثيرًا مع الإنفلونزا. يسببه فيروس (SARS-CoV-2)، وتتراوح فترة حضانته بين يومين وأسبوعين. معظم الإصابات الحالية خفيفة تشبه الزكام أو أقل شدة من الإنفلونزا، لكن بعض المرضى يتأثرون بأعراض شديدة كالحُمّى، والارتعاش، والسعال، والتعب الشديد، وصعوبة التنفس. وما يميز كوفيد-19 غالبًا هو فقدان حاسّتي الشم والتذوق. يتوفر له علاج بمضادات فيروسية يحدد الطبيب ضرورتها، إضافة إلى المسكنات والسوائل واللقاحات والمحافظة على النظافة العامة.

* بقي الفيروس الرابع وهو (RSV)، هل هذا الاسم جديد حقًا، ومن الفئات الأكثر عرضة لمضاعفاته؟

** ليس فيروسًا جديدًا إطلاقًا؛ فالرمز (RSV) اختصار للفيروس الخلوي التنفسي (Respiratory Syncytial Virus)، وهو فيروس شائع معروف منذ زمن طويل يصيب الأنف والحلق، وقد ينزل إلى المسالك التنفسية السفلية وصولاً للرئتين. تكون الأعراض خفيفة وتشبه الزكام لدى الكبار والأطفال فوق سن الخمس سنوات. ولكن لدى الفئات العالية الخطورة تكون الأعراض شديدة وقد تسبب التهاب القصيبات والالتهاب الرئوي.

وتضم هذه الفئات: الرضع دون 6 أشهر، والخدج، والمسنين فوق 65 عامًا (خاصة مصابي أمراض القلب والرئة)، والمصابين بنقص المناعة. يُعالج في الحالات الخفيفة بالراحة، وفي الحالات الشديدة يستدعي دخول المستشفى وإمداد الأكسجين والمضادات الفيروسية، كما يوجد له لقاح يُعطى لذوي الخطر العالي.

التمييز بين الفيروسات

* تواجه معظم الناس مشكلة تشابه الأعراض، فكيف يمكن للمريض التمييز مبدئيًا بين الزكام العادي والإنفلونزا، خاصة أن الكثيرين لا يفضلون إجراء الفحوصات الطبية؟

** التمييز بين الزكام والإنفلونزا واضح؛ فالإنفلونزا تبدأ أعراضها بشكل سريع ومفاجئ، بينما يأخذ الزكام أيامًا لتكتمل أعراضه. الحُمّى عالية وشائعة في الإنفلونزا (قد تصل إلى 104 فهرنهايت) ونادرة في الزكام. التعب شديد في الإنفلونزا وخفيف في الزكام، بينما سيلان الأنف أكثر شيوعًا في الزكام. والمضاعفات كالالتهاب الرئوي أكثر حدوثًا في الإنفلونزا. لذا يجب قصر استخدام مصطلح الإنفلونزا على المرض الحقيقي المتميز بأعراضه الشديدة وعدم إطلاقه على كل زكام.

* كيف نفرق بين الإنفلونزا وكوفيد-19، وهل الفحص هو الوسيلة الوحيدة لحسم ذلك؟

** بينما يسهل التمييز بين الزكام والإنفلونزا وبين الزكام وكوفيد-19، تكمن الصعوبة في التمييز بين الإنفلونزا وكوفيد-19 لتشابههما الكبير كمرضين فيروسيين تنفسيين. حتى الطبيب يصعب عليه التمييز بينهما إلا من خلال فحص مسحة الأنف (PCR).

وتتركز الفروق النظرية في أن فقدان الشم والتذوق أكثر شيوعًا في كوفيد، وفترة حضانة الإنفلونزا أقصر (1-4 أيام) وأعراضها مفاجئة، بينما حضانة كوفيد أطول (2-14 يومًا) وأعراضه تدريجية وهو أكثر إعداءً. ومع اكتمال الأعراض يصعب التفريق، وتكمن أهمية اختبار (PCR) في اتخاذ القرار الطبي الصحيح بشأن نوع الدواء المضاد للفيروسات الواجب إعطاؤه للمريض.

معدلات انتشار الفيروسات

* من بين الفيروسات الأربعة، ما هو الفيروس الأكثر انتشارًا عادة خلال فصل الشتاء؟

** يصعب تقديم مقارنة أرقام دقيقة بنسبة 100%، ولكن خلال الموسم (من سبتمبر/أكتوبر إلى مارس) يحل الزكام الشائع في المرتبة الأولى بمئات الملايين من الحالات سنوياً في الولايات المتحدة. وتأتي الإنفلونزا بنحو 50 مليون حالة وتؤدي لوفيات تتراوح بين 5,000 و50,000 حالة سنوياً، مما يوضح أن الإنفلونزا مرض خطير لا يجوز الاستهانة به.

أما فيروس (RSV) فيسجل سنوياً بين 4 إلى 7 ملايين حالة، ينجم عنها نحو 250 ألف حالة تنويم بالمستشفى و10 إلى 20 ألف حالة وفاة بين الفئات العالية الخطورة.

وبالنسبة لكوفيد-19، قلّت المتابعة الإحصائية الدقيقة بعد انتهاء الوباء ولكن الحالات مستمرة والأعراض أصبحت أخف عمومًا، وسُجلت نحو 6,000 وفاة مرتبطة بكوفيد في النصف الأول من العام الحالي في أمريكا. العبرة هي عدم الاستهانة بهذه الفيروسات خاصة لمن ينتمون للفئات العالية الخطورة.

دقة الإحصاءات الطبية

* يتساءل البعض عن مدى دقة هذه الإحصاءات الرسمية، لا سيما مع حالة التسييس وتراجع ثقة البعض بالبيانات الصحية، كيف نؤكد دقة هذه الأرقام علميًا؟

** الإحصاءات الصادرة عن الجهات الرسمية مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) دقيقة وعلمية ضمن أطرها. الضبابية في بعض الأرقام تعود لتكلفة الإحصاء الشامل لأمراض خفيفة كالزكام أو التحول لمتابعة الاتجاه العام بالنسبة لكوفيد.

وللأسف، بسبب طغيان بعض وسائل التواصل والإعلام، انقلبت المفاهيم لدى البعض وأصبح الوقاية واللقاح كأنهما العدو بينما المرض هو الصديق! واجب الطبيب تقديم الحقائق العلمية بوضوح وتترك الناس تحلل بعقلانية؛ فالمرض هو العدو الحقيقي المسبب للوفيات، واللقاحات والمعرفة هما سبل الوقاية منه.

اللقاحات وفعاليتها

* مقارنة بوفيات الأمراض، هل هناك إحصاءات تطلعنا على نسبة الوفيات أو الأعراض الجانبية المرتبطة باللقاحات نفسها؟

** لا مجال للمقارنة إطلاقًا؛ فالوفيات الناتجة عن الأمراض الفيروسية واضحة ومسجلة بالآلاف، بينما الوفيات المرتبطة باللقاحات نادرة جدًا وغالبًا غير مباشرة وتُنسب إليها دون علاقة سببية، ونسبتها أقل من حالة واحدة في المليون. اللقاح هو صديقنا لحمايتنا، والمرض هو عدونا الذي يجب أن نتقي خطره.

استخدام المضادات الحيوية

* هل تحتاج هذه الأمراض الفيروسية (الزكام، الإنفلونزا، كوفيد، RSV) إلى أدوية مضادة للفيروسات أو مضادات حيوية كما يعتقد الكثيرون؟

** جميع هذه الأمراض فيروسية ولا تحتاج إطلاقًا إلى مضادات حيوية (جرثومية)، إلا إذا حدثت مضاعفات بكتيرية ثانوية كالالتهاب الرئوي البكتيري. أما المضادات الفيروسية (Antivirals) فهي مختلفة: فالزكام لا يوجد له ولا يحتاج؛ وكوفيد يتوفر له دواء (باكسلوفيد) ويُعطى لذوي الخطر العالي ككبار السن ومضعفي المناعة لتفادي المضاعفات؛ وللإنفلونزا يتوفر دواء (تامي فلو) ويُوصى به للحالات المنومة بالمستشفى أو الفئات العالية الخطورة؛ وللفيروس الخلوي التنفسي (RSV) يتوفر دواء (ريبافارين) للحالات التنفسية السفلية الشديدة. أمّا الحالات الخفيفة لدى الأصحاء فتكتفي بالراحة، والمسكنات، والسوائل.

* يُلاحظ انخفاض نسب التطعيم بين طلاب المدارس نتيجة الإعفاءات، مما أدى لارتفاع إصابات أمراض كالحصبة في ميشيغان، كيف تعلق على ذلك؟

** هذه الأرقام محزنة للغاية؛ فنحن في القرن الحادي والعشرين ونمتلك نعمة اللقاحات المدروسة علميًا، ومن المؤسف رفضها بسبب حملات مناهضة اللقاحات. الرفض لا يضر الطفل وحده بل يضر المجتمع بكامله وكبار السن والمصابين بنقص المناعة؛ فالأمراض التنفسية مجتمعية والحرية الشخصية تتوقف عند حماية الآخرين. الإعفاءات يجب أن تقتصر على الدواعي الطبية الحقيقية. وننصح الأهل بمراجعة أطبائهم واستقاء المعلومات من المصادر العلمية الموثوقة.

توصيات اللقاحات

* ما هي التوصيات التفصيلية للحصول على لقاحات كوفيد، و(RSV)، والإنفلونزا؟

** يُوصى بلقاح كوفيد للفئات العالية الخطورة (كالمرضى فوق 65 سنة والمصابين بأمراض مزمنة فوق 6 أشهر). أمّا لقاح (RSV) فيُعطى لكبار السن فوق 75 سنة، أو بين 50 و74 سنة ممن لديهم أمراض مزمنة، وللحوامل بين الأسبوعين 32 و36 لحماية الجنين، وللرضع بحسب التقييم الطبي. وبالنسبة للقاح الإنفلونزا، فيُوصى به لكل شخص ابتداءً من عمر 6 أشهر فما فوق سنويًا. فهو ينقص نسبة الإصابة، ويخفف حدة الأعراض، ويقلل احتمالية التنويم بالمستشفى والوفاة.

حقائق لقاح الإنفلونزا

* لماذا يصاب البعض بالإنفلونزا رغم أخذهم اللقاح، وهل يسبب اللقاح المرض نفسه؟

** أولاً: لقاح الإنفلونزا يحمي من الإنفلونزا فقط ولا يحمي من الزكام أو كوفيد أو (RSV). ثانياً: الفيروس يتغير سنوياً وفعالية اللقاح تتراوح حول 70%، ولكنه يظل أفضل وسيلة حماية خافضة للمضاعفات والوفيات. أمّا القول بأن اللقاح يسبب الإنفلونزا فغير صحيح علمياً؛ فاللقاح المحقون يحتوي على فيروس مقتول لا يسبب المرض.

وما يحدث من آثار جانبية خفيفة كألم العضلات أو الحمى الخفيفة هي استجابة مناعية مؤقتة. كما أن التأخر في أخذ اللقاح إلى حين انتشار الفيروس قد يؤدي للإصابة قبل اكتمال المناعة التي تتطلب أسبوعين، لذا يُفضل أخذ اللقاح مبكراً في الخريف (سبتمبر/أكتوبر).

نصائح الوقاية العامة

* ختامًا، ما أبرز النصائح للوقاية من الفيروسات التنفسية الموسمية مع دخول فصل الشتاء؟

** النصيحة الأساسية هي زيادة الوعي والقراءة واستقاء المعلومات من المصادر الموثوقة والابتعاد عن الشائعات. وعمليًا: أخذ اللقاحات في وقتها، تجنب التجمعات غير الضرورية في الشتاء، وعزل النفس واستشارة الطبيب فور ظهور الأعراض لمنع نقل العدوى للآخرين. بالنسبة للأطفال، أؤكد بشدة أن كل طفل من عمر 6 أشهر فما فوق يجب أن يتلقى لقاح الإنفلونزا السنوي بحسب توصيات مراكز (CDC) والمؤسسات العلمية.

* نشكرك جزيل الشكر الدكتور باسل الخطيب على هذه المعلومات والتوضيحات القيمة. ختامًا مستمعينا، تشابه الأعراض لا يعني تطابق الأمراض؛ ومعرفة عوامل الخطورة والالتزام بالوقاية واستشارة الطبيب يقي من المضاعفات. نتمنى لكم موسمًا صحيًا وآمنًا، وإلى اللقاء في حلقات قادمة عبر راديو صوت العرب من أمريكا.

** شكراً جزيلاً لكِ دكتورة ليلى ولراديو صوت العرب من أمريكا على دوركم التوعوي المهم، وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى