أخبارأخبار أميركاالراديو

التغير المناخي وصحة الإنسان.. كيف تهدد الحرارة وتلوث الهواء حياتنا؟

معلومات ونصائح هامة مع الدكتور طارق قندقجي

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

استضافت الإعلامية ليلى الحسيني عبر راديو “صوت العرب من أمريكا” الدكتور طارق قندقجي، الباحث والمتخصص في العلوم الجيومكانية والصحة العامة والبيئية في جامعة ييل، للحديث عن التغير المناخي وتأثيراته المباشرة على صحة الإنسان.

وناقش الحوار الفرق بين التقلبات الجوية العابرة والتغيرات المناخية طويلة الأمد، والتداعيات الصحية لارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء، إضافة إلى الآثار العلمية والصحية المترتبة على انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ وإلغاء قيود الانبعاثات.

المسيرة العلمية والمهنية

* مستمعينا ومتابعينا عبر منصات راديو “صوت العرب من أمريكا”، أهلاً وسهلاً بكم. لم يعد الحديث عن التغير المناخي مجرد كلام عن ارتفاع درجات الحرارة أو ذوبان الجليد في مناطق بعيدة من العالم، بل أصبحنا نتحدث عن قضية تمس صحة الإنسان بشكل مباشر؛ بدءاً من الهواء الذي نتنفسه، والمياه التي نشربها، وصولاً إلى موجات الحر والفيضانات والحرائق والأمراض التي تظهر في مناطق لم تكن مألوفة فيها سابقاً.

ضيفنا اليوم هو الدكتور طارق قندقجي، الباحث والعالم المتخصص في العلوم الجيومكانية والاستشعار عن بعد وعلم الأوبئة البيئية والصحة العامة، والذي يعمل حالياً باحثاً مشاركاً في كلية الطب بجامعة ييل.

تركز أبحاثه على دراسة العلاقة بين العوامل البيئية والجغرافية وصحة الإنسان، من خلال توظيف نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وتحليل البيانات والمناهج الكمية المتقدمة.

شغل الدكتور قندقجي سابقاً عدة مواقع أكاديمية وبحثية، منها العمل في كلية بايلور للطب، وإدارة مركز ييل لمراقبة الأرض، كما يشغل منصب نائب رئيس البيانات الجيومكانية لتطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة الكوارث والتنبؤ بالمخاطر البيئية.

أهلاً بك دكتور طارق، نناقش معك اليوم العلاقة بين التغير المناخي وصحة الإنسان، ومدى استعداد أمريكا والعالم لمواجهة هذه المخاطر. هل لك أن تحدثنا في مستهل هذا اللقاء عن خلفيتك الأكاديمية ومسيرتك العلمية؟

** شكراً لكِ دكتورة ليلى، يسعدني ويشرفني جداً أن أكون ضيفاً في برنامجك عبر أثير هذه الإذاعة التي تعد من أهم الإذاعات الناطقة بالعربية في أمريكا والعالم، وأرجو أن يحقق هذا اللقاء الفائدة والمتعة للمستمعين الأفاضل.

إن السيرة الذاتية هي نتاج سنوات من العمل التراكمي والخبرة والتجربة. خلال دراستي في كلية الزراعة، لمست اهتماماً واسعاً بالعلوم الجيومكانية، ليس فقط في المجال الزراعي بل وفي مجالات البيئة والأوبئة، ومن هنا كان شغفي بالاستشعار عن بعد.

قدمتُ إلى الولايات المتحدة وواصلت المسيرة في هذا التخصص وتصميم الخرائط. في البداية كان التركيز تقنياً، لكن كانت لدي رغبة شديدة في التخصص بمجال الصحة العامة وأثر المناخ والبيئة على الصحة.

ومع تراكم الخبرات، عملتُ في جامعة ييل، ثم انتقلتُ إلى كلية بايلور للطب في هيوستن، وأعدتُ التعاون مع جامعة ييل ووزارة شؤون المحاربين القدامى لدراسة تأثير التعرض البيئي والاستدلال السببي على الصحة العامة وصحة المحاربين القدامى والمجتمع عموماً.

التأثير الصحي اليومي

* دكتور طارق، أنت من أصول سورية ونحن نعتز بكافة الكفاءات المهاجرة. متى قدمت إلى الولايات المتحدة وحصلت على درجة الدكتوراه؟ وما الذي يعنيه التغير المناخي فعلياً لصحة الإنسان اليومية من منظور الصحة العامة، بعيداً عن الفكرة التقليدية المقتصرة على ارتفاع الحرارة والفيضانات؟

** أتيتُ إلى الولايات المتحدة في يونيو من عام 2013 بموجب منحة لدراسة الدكتوراه في جامعة “تكساس تك”، وحصلتُ على الماجستير ثم الدكتوراه في نهاية عام 2020.

أما بالنسبة للتغير المناخي، فلم يعد خطراً مؤجلاً يقاس بالسنوات والعقود القادمة (كالحديث عن 20 أو 50 سنة)، بل أصبح له بُعدٌ صحيٌّ يوميٌّ مباشر يمس حياة الناس من خلال عدة مسارات. فعندما نتحدث عن المناخ، نتحدث عن الحرارة والهواء والماء وندرة الغذاء وانتشار الأمراض المعدية.

وتشير التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة الهيئات الصحية إلى أن الوفيات الناجمة عن موجات الحرارة المرتفعة بلغت نحو نصف مليون وفاة سنوياً، بزيادة تتجاوز 60% مقارنة بالتسعينيات، وهو ما يعادل وفاة شخص كل دقيقة بسبب الحرارة.

يُضاف إلى ذلك تلوث الهواء الخارجي بالمواد العالقة والحاملة للفيروسات، حيث تشير تقارير عام 2025 ومنظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء الخارجي وحده مسؤول عن وفاة نحو 4 ملايين شخص سنوياً، وتزداد هذه الأرقام مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حرائق الغابات.

السببية والارتباط العلمي

* دكتور طارق، هل وصلنا إلى مرحلة يجب أن نتعامل فيها مع التغير المناخي باعتباره قضية صحية بقدر ما هو قضية بيئية وعلى نفس الدرجة من الخطورة؟

** نعم بكل تأكيد؛ فكبرى المجلات الطبية والمستشفيات والمعاهد البحثية أصبحت تتعامل مع التغير المناخي على هذا الأساس، وتصنفه كأحد أكبر التهديدات التي تواجه البشرية. ولكن تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز بين المبالغة في أثر الظاهرة وبين التقليل منه، والاعتماد دائماً على الأدلة العلمية الثابتة والمناهج المنهجية الرصينة.

فالارتباط أو الاقتران بين ظاهرتين لا يعني بالضرورة أن إحداهما سبب للأخرى؛ والمثال الشهير الذي يُضرب للطلاب: زيادة تناول المثلجات تقترن بارتفاع حالات الغرق صيفاً، ولكن تناول المثلجات لا يسبب الغرق، وإنما يجمعهما موسم الصيف حيث تكثر السباحة والإقبال على المثلجات.

وكذلك الحال مع المناخ؛ فعندما نلاحظ اقتران ظاهرة صحية بالحرارة أو العواصف الرملية، لا ينبغي التسرع بالجزم بأن التغير المناخي هو السبب المباشر إلا بعد إجراء دراسات منهجية دقيقة للتحقق من وجود علاقة سببية حقيقية.

أسباب التطرف الجوي

* نشهد مؤخراً موجات حر أكثر شدة وتقلبات جوية متطرفة لم نعتدها، كما هو الحال في ولاية ميشيغان وغيرها. ما الأسباب العلمية وراء هذا التباين والتطرف الجوي؟ وما الذي يحدث داخل جسم الإنسان خلال موجات الحر الشديدة ومن الأكثر عرضة للخطر؟

** يعود الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والتطرف الجوي إلى عوامل متعددة تجمع بين الظواهر الطبيعية والانبعاثات الناتجة عن النشاط البشري. فمن الأسباب الطبيعية: حركة الأرض، وحركة المحيطات والتيارات الهوائية والبحرية الباردة والساخنة، وذوبان الجليد في القطبيين.

أما العوامل البشرية فترتبط بالانبعاثات التي تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. ومن أبرز الأدلة العينية المرصودة عبر صور الأقمار الصناعية على ارتفاع حرارة الكوكب: ذوبان الجليد القطبي، وانحسار المساحات المائية في عدة مناطق حول العالم، مثل الانحسار المقلق لمياه البحر الميت وتقلص مساحات بحيرات في ولايات أمريكية كأوهايو ويوتا.

كما أظهر مشروع أعدته إحدى طالباتي في جامعة ييل تراجع مساحة أحد الكتل الجليدية الرئيسية في القطب الشمالي بنسبة تتجاوز 50%.

الطقس مقابل المناخ

* قد يقول البعض إننا شهدنا موجات حر وأعاصير وثلوجاً منذ عقود. فما الجديد اليوم؟ وكيف نميز علمياً بين التقلب الطبيعي للطقس والتغير المناخي طويل الأمد؟

** هذا التمييز جوهري جداً؛ فالطقس يصف الحالة الجوية اليومية أو القصيرة المدى كارتفاع الحرارة أو انخفاضها أو قدوم منخفض جوي أو تساقط الثلوج في موسم معين. أما المناخ فيعني دراسة الأنماط الجوية المتكررة على مدى عقود طويلة تصل إلى 30 أو 50 سنة أو أكثر.

ويعتمد العلماء في دراسة المناخ التاريخي على السجلات الزمنية الطبيعية الممتدة لآلاف السنين، كجليد ألاسكا والقطبين الشمالي والجنوبي. وبمقارنة هذه السجلات التاريخية بالبيانات المسجلة خلال الـ100 إلى 200 سنة الماضية، نلاحظ أن تسارع ارتفاع درجات الحرارة اتخذ منحنى تصاعدياً حاداً وغير مسبوق منذ انطلاق الثورة الصناعية والتكنولوجية، مما يؤكد وجود أثر مباشر للتدخل البشري.

الدور البشري والسياسات

* هل نستطيع علمياً ربط التغير المناخي طويل الأمد بشكل مباشر بما يفعله الإنسان على كوكب الأرض؟

** إلى حد كبير جداً نعم، من خلال مقارنة التغيرات التي مرت على الأرض في الفترة التي سبقت الثورة الصناعية بالحقبة المعاصرة خلال الـ100 إلى 150 سنة الماضية. ومع ذلك، ولكي نكون دقيقين علمياً، فإن باب البحث ما زال واسعاً والأدلة تزداد قوة يوماً بعد يوم.

ولكن الموضوع يحمل أيضاً حساسية سياسية واقتصادية؛ إذ إن الحد من الانبعاثات يتطلب تقليل بعض الأنشطة الصناعية، وهو ما قد يؤثر سلباً على المصالح الاقتصادية لبعض القطاعات، مما يدخل القضية في تجاذبات وتفسيرات سياسية قد تحاول التشكيك في النتائج العلمية أو تقليل أثرها.

تبعات اتفاق باريس

* بالحديث عن الجانب السياسي والعلمي، انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من اتفاق باريس للمناخ ودخل الانسحاب حيز التنفيذ في 27 يناير 2026 بعد إبلاغ الأمم المتحدة بقرار الانسحاب في 2025. بعيداً عن السياسة وفي الشق العلمي والصحي، كيف يؤثر انسحاب دولة عظمى كالولايات المتحدة على البحث العلمي وصحة السكان والتغيرات المناخية؟

** لهذا الانسحاب أثران رئيسيان من الناحية العلمية والصحية: الأول هو تأخير جهود خفض الانبعاثات الكربونية، مما يتسبب في عبء صحي يُقدر بملايين الوفيات سنوياً على مستوى العالم. والثاني هو التراجع عن تمويل مشاريع التكيف مع التغير المناخي، مثل الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والبيئة التحتية والقطاع الصحي.

كما أن قطع التمويل الأمريكي يؤثر بشكل مباشر على دول “الجنوب العالمي” الأكثر تضرراً من الكوارث المناخية، رغم أنها الأقل إسهاماً في الانبعاثات مقارنة بالدول الصناعية الكبرى كالصين وروسيا والولايات المتحدة؛ إذ كان الاتفاق يوفر إطاراً لحماية مجتمعات هذه الدول وتخفيف الأضرار الناجمة عن التلوث الصناعي.

إلغاء قيود الانبعاثات

* أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية إلغاء القيود الفيدرالية المفروضة على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لمحطات الكهرباء العاملة بالفحم والغاز. كيف تعلّق من الناحية العلمية والصحية على هذه الخطوة وتأثيرها على جودة الهواء وصحة السكان؟

** تكمن الخطورة في أن الآثار الصحية والبيئية لتلويث الهواء ليست فورية، بل تراكمية تظهر على مدى سنوات طويلة قد تصل إلى 10 أو 15 سنة وتنتقل عبر الأجيال. وتماثل هذه الحالة ما تعرض له بعض الجنود الذين تعرضوا لملوثات بيئية في العراق وأفغانستان ولم تظهر المشاكل الصحية المعقدة لديهم إلا بعد عقود من التعرض.

وبالتالي، فإن إلغاء الضوابط والقيود على الانبعاثات يفتح الباب أمام أزمات صحية متراكمة ستتطلب مستقبلاً أموالاً طائلة لمعالجتها.

* تقول الإدارة الحالية إن تخفيف القيود يقلل التكاليف ويزيد إنتاج الطاقة، بينما يحذر المعارضون من أضرار صحية وبيئية كبيرة. كيف يمكن علمياً الموازنة بين الحاجة إلى الطاقة والنمو الاقتصادي من جهة، وبين الكلفة الصحية للتلوث وتغير المناخ من جهة أخرى؟

** التحقيق العلمي الدقيق وفتح المجال لتمويل الأبحاث المستقلة هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا التوازن. فالأموال التي قد تُوفر حالياً جراء خفض القيود البيئية والتوسع في الانبعاثات بحجة المكاسب الاقتصادية، ستُنفق لاحقاً أضعافاً مضاعفة على القطاع الصحي لعلاج الأمراض والتداعيات الناتجة.

ومن خلال التقييم العلمي الدقيق للسلبيات والإيجابيات بالأرقام، يمكن للمجتمعات الوصول إلى توازن يستند إلى الأدلة ويحقق المصالح الاقتصادية والصحية في آن واحد.

محاور وأسئلة هامة

* هذا الملف أكبر من أن نختصره في حلقة واحدة، ونحن لا نزال في بداية النقاش والمقدمة فقط. لا يزال أمامنا محاور وأسئلة مهمة لم نصل إليها اليوم، خاصة ما يتعلق بتأثير التغير المناخي على جودة الهواء والمياه واستعداد المجتمعات لمواجهة هذه التحديات.

أتمنى أن نستكمل هذا الحوار الهام في حلقة قادمة قريباً، فليس هناك أهم من صحة المواطن. أشكرك جزيل الشكر الدكتور طارق قندقجي، الباحث المتخصص في العلوم الجيومكانية والصحة العامة والبيئة. إلى اللقاء في حلقة قادمة، استودعكم الله، وهذه ليلى الحسيني تحييكم.

** لي الشرف بالتأكيد، فهذه من الموضوعات المهمة جداً، وأشكركِ جزيل الشكر دكتورة ليلى.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى