جائزة نوبل للسلام تذهب إلى قاضية أثبتت ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة

فازت الحقوقية والقاضية الجنوب أفريقية نافانيثيم «نافي» بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لمسيرتها الطويلة في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، وترؤسها لجنة الأمم المتحدة التي خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
وجاء الإعلان عن فوز بيلاي، البالغة من العمر 85 عامًا، اليوم الجمعة، خلال مشاركتها في منتدى نورمبرغ للقانون في ألمانيا، حيث استقبلت الخبر وسط تصفيق الحاضرين.
ومن المقرر تسليم الجائزة رسميًا في أوسلو يوم 10 ديسمبر 2026، في ذكرى وفاة ألفريد نوبل. وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية، أي نحو 1.2 مليون دولار.
شخصية بارزة
ووفقًا للموقع الرسمي لجائزة نوبل للسلام تُعد بيلاي من أبرز الشخصيات القانونية الدولية، إذ امتدت مسيرتها من مقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والدفاع عن حقوق الإنسان، إلى العمل في القضاء الدولي وقيادة لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وقال يورغن واتني فريدنيس، رئيس لجنة نوبل النرويجية، إن بيلاي واحدة من أبرز المدافعين عن مبادئ القانون الدولي في العصر الحديث، مشيرًا إلى أن مسيرتها تمثل تذكيرًا بأهمية حماية سيادة القانون وتعزيز المؤسسات الدولية في مواجهة تصاعد سياسات القوة على حساب الحقوق والقواعد القانونية.
وأضاف أن التزامها بالعدالة والكرامة الإنسانية يمثل مصدر إلهام لكل من يسعى إلى بناء عالم أكثر سلامًا، في إشارة إلى التحديات التي تواجه النظام الدولي والمؤسسات المكلفة بتطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
تعليق ساخر بشأن ترامب
ولم يخلُ الإعلان عن الجائزة من رسالة سياسية لافتة، إذ مازحت بيلاي الحضور بشأن الرئيس دونالد ترامب، الذي عبّر مرارًا عن رغبته في الفوز بجائزة نوبل للسلام.
وقالت بيلاي، بعدما تلقت التهنئة في المنتدى القانوني بألمانيا: «إذا صفقتم أكثر قليلًا، فقد أشارك هذه الجائزة مع ترامب»، وهو تعليق أثار ضحك الحاضرين، في إشارة ساخرة إلى مساعي الرئيس الأمريكي للحصول على الجائزة.
وكان ترامب من بين 287 مرشحًا لجائزة نوبل للسلام لعام 2026، وفقًا للمعلومات المنشورة عن الترشيحات، إلا أن إدراج اسم شخص ضمن المرشحين لا يعني بالضرورة أنه كان من الأوفر حظًا للفوز.
وقال ترامب في وقت سابق من الأسبوع إنه لا يعرف ما إذا كانت اللجنة ستختاره، مضيفًا أن الجائزة ربما لا تُمنح لأشخاص مثله.
ويأتي هذا التعليق في سياق سياسي متوتر بشأن دور المؤسسات القانونية الدولية، خصوصًا المحكمة الجنائية الدولية، التي تعرضت لانتقادات وعقوبات من إدارة ترامب.
وكانت الفائزة بالجائزة في العام الماضي، ماريا كورينا ماتشادو، قد طرحت أيضًا فكرة مشاركة ترامب الجائزة معها، في ظل سعيها للحصول على دعم أمريكي لقضية المعارضة الفنزويلية.
مواجهة الفصل العنصري
وُلدت نافانيثيم بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لعائلة من أصول تاميلية هندية، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي فرض التمييز على السكان غير البيض.
وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتبًا للمحاماة في إقليم ناتال، قبل أن تواصل مسيرتها في الدفاع عن الحقوق المدنية والسجناء السياسيين، ومن بينهم نيلسون مانديلا.
وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري، عُينت عام 1995 أول امرأة غير بيضاء تتولى منصب قاضية في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا.
وانتقلت بيلاي لاحقًا إلى العمل القضائي الدولي، حيث ترأست المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وأسهمت في ترسيخ مبادئ قانونية مهمة تتعلق بالاغتصاب والعنف الجنسي باعتبارهما جرائم قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، فضلًا عن المسؤولية الجنائية عن التحريض على الإبادة الجماعية من خلال الدعاية.
كما شغلت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وعملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008.
وتواصل عملها القضائي الدولي بصفتها قاضية مؤقتة في محكمة العدل الدولية ضمن القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بشأن اتهامات بارتكاب إبادة جماعية بحق أقلية الروهينجا.
وبفوزها بالجائزة، أصبحت بيلاي خامس مواطن من جنوب أفريقيا يحصل على نوبل للسلام، بعد ألبرت لوتولي، وديزموند توتو، ونيلسون مانديلا، وفريدريك ويليم دي كليرك.
جدل الجائزة وتقرير غزة
يُعد دور بيلاي في لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل من أبرز جوانب مسيرتها التي ارتبطت بفوزها بالجائزة.
فقد ترأست اللجنة التي خلص تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، مستندًا إلى تقييم أفعال قالت اللجنة إنها استهدفت تدمير الفلسطينيين في القطاع كليًا أو جزئيًا.
وعقب إعلان فوزها، عادت بيلاي إلى القضية الفلسطينية، وقالت للحاضرين في ألمانيا إن تقرير غزة كان آخر ما عملت عليه، مضيفة أن ما يحدث في القطاع يمثل إبادة جماعية، وفقًا لتقييمها القانوني.
لكن التقرير واجه رفضًا إسرائيليًا شديدًا؛ إذ نفت إسرائيل الاتهامات ووصفت نتائج اللجنة بأنها منحازة، كما انتقد مسؤولون إسرائيليون قرار منح بيلاي الجائزة.
ووصف السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في جنيف، دانيال ميرون، القرار بأنه مخزٍ، معتبرًا أنه يمنح شرعية لمواقف معادية لإسرائيل.
وفي المقابل، رأت جهات حقوقية أن منح الجائزة لبيلاي يمثل دعمًا لمساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية، في وقت تواجه فيه المؤسسات القضائية الدولية ضغوطًا سياسية متزايدة.
لماذا تُعد الجائزة رسالة إلى العالم؟
قالت لجنة نوبل النرويجية إن اختيار بيلاي يأتي تأكيدًا لأهمية تعزيز النظام القانوني الدولي في وقت تتعرض فيه مؤسساته لضغوط متزايدة، وتتراجع فيه الثقة بقدرة القواعد الدولية على تقييد استخدام القوة.
وتكتسب الجائزة دلالة إضافية في ظل الخلافات بين إدارة ترامب والمحكمة الجنائية الدولية، بعدما فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة وانتقدت اختصاصها، خصوصًا في القضايا المتعلقة بإسرائيل.
ومع ذلك لم تذكر اللجنة ترامب أو إسرائيل بالاسم في بيانها الرسمي، بل ركزت على أهمية القانون الدولي والعدالة.
وقالت بيلاي، عقب تلقيها الجائزة، إنها تهديها إلى الناجين من الجرائم الدولية وإلى العاملين والمدافعين عن العدالة الدولية، الذين يواصلون جهودهم لمنع الإفلات من العقاب. كما وجهت رسالة إلى قادة العالم بضرورة الالتزام القانوني بحماية حقوق الإنسان والامتناع عن الحروب.



