عاد ارتفاع أسعار السلع اليومية وتكاليف المعيشة إلى صدارة النقاش الاقتصادي في الولايات المتحدة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في وقت لا يزال فيه التضخم يمثل مصدر قلق رئيسيًا للأمريكيين، بعد أن أصبح ملف الأسعار والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة من أبرز القضايا في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
ووفقًا لموقع “نيوزويك” فقد أظهرت أحدث البيانات ارتفاع معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 3.4%، وهو أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% على المدى الطويل، وسط تأثيرات مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.
فيما أظهرت استطلاعات الرأي تراجع ثقة الأمريكيين في الاقتصاد وفي طريقة تعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع ملف الأسعار.
وجاء ذلك بعدما أظهر استطلاع جديد أن 55% من الناخبين المسجلين يرون أن سياسات ترامب «أضرت بالأوضاع الاقتصادية».
رد البيت الأبيض
وفي تعليق لـ«نيوزويك»، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز إن ترامب «لا يزال ملتزمًا بإطلاق العنان للهيمنة الأمريكية على الطاقة، وخفض التكاليف، وإعادة المزيد من الأموال إلى جيوب الأسر الأمريكية العاملة بجد».
وعند طلب تعليق إضافي، قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن بيانات الإنفاق الاستهلاكي ومبيعات التجزئة تظهر أن المستهلك الأمريكي «لا يزال يتمتع بالمرونة» بفضل البرنامج الاقتصادي للإدارة، الذي يشمل خفض الضرائب وإلغاء القيود التنظيمية.
وأضاف ديساي أن استمرار السياسات الاقتصادية والصفقات التجارية والاستثمارات التي تتبناها الإدارة من شأنه أن يتيح للأمريكيين، بحسب قوله، تحقيق مزيد من التقدم خلال الفترة المقبلة.
وكان ترامب قد حاول بدوره طمأنة الأمريكيين إلى أن أوضاعهم المالية أصبحت أفضل مما كانت عليه خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
وكتب ترامب في منشور على منصته «تروث سوشيال» أن أسعار البنزين كانت «أعلى بكثير» خلال عهد بايدن، مضيفًا أن أسعار جميع المنتجات الأخرى تقريبًا كانت كذلك.
سلة السلع
ولفحص هذه التصريحات، قارنت «نيوزويك» أسعار مجموعة من السلع اليومية خلال فترتي رئاسة بايدن وترامب، بالاعتماد على بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي التي جمعها الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس.
وشملت السلة تسع سلع أساسية، هي: اللحم البقري المفروم، محسوبًا للرطل؛ والبيض من الدرجة الأولى للدزينة؛ والخبز الأبيض للرطل؛ والحليب الطازج المدعم للجالون؛ والموز للرطل؛ والطماطم المزروعة في الحقول للرطل؛ وصدور الدجاج منزوعة العظم للرطل؛ ولحم الخنزير المقدد المقطع للرطل؛ والقهوة المحمصة والمطحونة بنسبة 100% للرطل.
وأظهرت البيانات أن الأسعار ارتفعت بشكل ملحوظ خلال فترتي رئاسة بايدن وترامب، مع تفاوت واضح بين السلع. وسجلت أسعار اللحم البقري والقهوة بعض أكبر الزيادات خلال فترة ولاية ترامب الثانية.
وفي المقابل، شهدت أسعار البيض انخفاضًا كبيرًا، إذ تراجعت بأكثر من 50% منذ عودة ترامب إلى منصبه في يناير 2025.
لكن الصورة كانت مختلفة في السنوات السابقة؛ إذ ارتفع سعر البيض بنحو ثلاثة أمثال بين يناير 2021 ويناير 2025، كما ارتفعت أسعار اللحم البقري خلال فترة إدارة بايدن.
التضخم يغير المقارنة
وتشير «نيوزويك» إلى أن مقارنة الأسعار المعلنة بين فترتي الرئاسة لا تعطي الصورة كاملة، لأن قيمة الدولار نفسها تغيرت بفعل التضخم.
فعندما تولى بايدن الرئاسة في يناير 2021، كانت الأسعار ترتفع بالفعل في ظل استمرار تعافي الاقتصاد الأمريكي من تداعيات جائحة كورونا. ثم قفز التضخم إلى أكثر من 9% في يونيو 2022، في وقت تسببت فيه الحرب الروسية على أوكرانيا في اضطرابات بسلاسل الإمداد العالمية وارتفاع كبير في تكاليف الطاقة.
وبحسب تحليل «نيوزويك»، كانت الأسعار الاسمية للسلع التسع محل المقارنة، في المتوسط، أقل خلال فترة إدارة بايدن، وهو ما يتعارض مع تصريح ترامب بأن أسعار «جميع» المنتجات تقريبًا كانت أعلى في عهد بايدن.
لكن «نيوزويك» تلفت في الوقت نفسه إلى أن هذه المقارنة تحتاج إلى تعديل يأخذ التضخم في الاعتبار، إذ ارتفع المستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة بنحو 28% منذ يناير 2021 وفق مؤشر أسعار المستهلك.
وهذا يعني أن السلعة التي ارتفع سعرها بنسبة أقل من معدل التضخم العام يمكن أن تكون أرخص بالقيمة الحقيقية، حتى لو كان سعرها المعلن بالدولار أعلى مما كان عليه في السابق.
ماذا تقول البيانات؟
وتكشف المقارنة أن تأثير السياسات الاقتصادية والتضخم لا يظهر بالطريقة نفسها على جميع السلع. فقد شهدت أسعار بعض المنتجات زيادات كبيرة خلال إدارة بايدن، بينما ارتفعت أسعار سلع أخرى بصورة أكبر خلال ولاية ترامب الثانية، في حين تراجعت أسعار منتجات مثل البيض بصورة حادة بعد وصولها إلى مستويات مرتفعة في السنوات السابقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يظل فيه التضخم وأسعار الطاقة والغذاء من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للأسر الأمريكية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وبينما تقول إدارة ترامب إن سياساتها المتعلقة بالطاقة والضرائب وإلغاء القيود التنظيمية تهدف إلى خفض تكاليف المعيشة، تشير بيانات الأسعار إلى صورة أكثر تعقيدًا.
فالحكم على تكلفة المعيشة لا يعتمد فقط على مقارنة سعر سلعة في بداية ونهاية فترة رئاسية، وإنما يحتاج أيضًا إلى احتساب الزيادة العامة في الأسعار وتغير القوة الشرائية للدولار خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه المقارنة سبب استمرار الجدل السياسي والاقتصادي حول أسعار السلع في الولايات المتحدة، إذ يمكن استخدام الأرقام نفسها لعرض تطورات مختلفة بحسب الفترة الزمنية وطريقة احتساب التضخم، بينما يظل السؤال الأساسي بالنسبة للمستهلكين مرتبطًا بما يدفعونه فعليًا مقابل الغذاء والطاقة والاحتياجات اليومية.
