جمهوريون يبتعدون عن ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي.. خلافات علنية وتحركات لتخفيف الارتباط بالرئيس
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بدأ عدد من الجمهوريين الذين يخوضون سباقات تنافسية في إظهار مسافة أكبر عن الرئيس دونالد ترامب في ملفات محددة، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستفادة من دعم الرئيس وقاعدته الانتخابية، والتركيز على القضايا التي تشغل الناخبين في ولاياتهم ودوائرهم.
ولا يشير هذا التحول إلى قطيعة مع ترامب أو الحزب الجمهوري، إذ لا يزال معظم هؤلاء المرشحين يؤكدون دعمهم للرئيس والعمل معه، لكنهم أصبحوا أكثر استعدادًا لمخالفته في ملفات مثل الهجرة والتجارة والحرب مع إيران والتصويت عبر البريد، وفق تقرير نشره موقع «بوليتكو».
تيفاني يغير موقفه
يبرز النائب الجمهوري عن ولاية ويسكونسن والمرشح لمنصب الحاكم توم تيفاني كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. وكان ترامب قد أعلن دعمه لتيفاني في يناير الماضي، ورد المرشح حينها بالإشادة بالرئيس والتعهد بجعل ويسكونسن «عظيمة مرة أخرى». لكن تيفاني اتخذ خلال الأسابيع الأخيرة مواقف مختلفة عن ترامب في عدد من القضايا.
فعندما أطلق ترامب اسم «بحيرة أمريكا» على بحيرة أونتاريو، قال تيفاني إن «البحيرات العظمى هي البحيرات العظمى».
كما خالف الرئيس بشأن مراكز البيانات، وانتقد تخفيف الرسوم الجمركية على واردات لحوم الأبقار، وتجنب إعلان موقف واضح بشأن إصلاحات ترامب المتعلقة بالتصويت عبر البريد، التي أوقفتها المحكمة العليا الأمريكية.
وفي سبتمبر، قال تيفاني إن جو بايدن فاز في انتخابات 2020، رغم أنه كان في السابق من المشككين في نتائجها ودعم جهودًا للتحقيق في التصويت بولاية ويسكونسن.
وتكتسب هذه المواقف أهمية بالنظر إلى سجل تيفاني السابق؛ فقد وقع على دعوى أيدها حلفاء لترامب وطالبت المحكمة العليا بإلغاء نتائج انتخابات 2020، كما طرح في 2025 مشروع قانون يسمح للسلطات المحلية وسلطات الولايات برفض إعادة توطين اللاجئين، وشارك في رعاية قرار يدعم ترحيل ترامب للمهاجرين إلى سجن ضخم في السلفادور.
وفي الوقت نفسه، يرى بعض الجمهوريين في ويسكونسن أن الابتعاد الحاد عن ترامب قد يبدو انتهازيًا، بينما تحتاج الحملات إلى الحفاظ على دعم القاعدة الجمهورية.
سالازار تفتح ملف الهجرة
في فلوريدا، اتخذت النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار موقفًا أكثر وضوحًا، بعدما أطلقت إعلانًا تلفزيونيًا انتقدت فيه سياسة إدارة ترامب بشأن الهجرة، قائلة إن إنفاذ القوانين «ذهب بعيدًا جدًا».
وقالت سالازار إن بعض الناخبين من أصول لاتينية الذين دعموا ترامب في انتخابات 2024 يشعرون بالخيانة، محذرة من تداعيات سياسة الترحيل والاعتقالات على هؤلاء الناخبين. وأكدت رويترز أن الإعلان يمثل مواجهة علنية نادرة بين عضو جمهوري والرئيس بشأن سياسة الهجرة.
ورغم ذلك، قال ترامب إنه لا يزال يؤيد سالازار، لكنه يختلف معها بشأن الحدود والهجرة. وفي مقابلة لاحقة، قالت سالازار إن علاقتها بترامب «جيدة جدًا»، وإن الرسالة التي وجهتها في الإعلان سبق أن نقلتها إلى البيت الأبيض بصورة خاصة، مضيفة: «أنا لا أنتقده، أنا أحذره».
ويأتي موقفها في وقت تواجه فيه حملتها ردود فعل من ناخبين في جنوب فلوريدا بشأن سياسة الهجرة، بينما يرى جمهوريون محليون أن قضية الاعتقالات والترحيل أصبحت من الملفات التي يثيرها الناخبون بصورة متكررة.
ضغوط في أيوا
وفي ولاية أيوا، تواجه النائبة الجمهورية آشلي هينسون سباقًا تنافسيًا على مقعد في مجلس الشيوخ، وسط حديث داخل الحزب عن حاجتها إلى إظهار قدر أكبر من الاستقلالية عن ترامب في بعض القضايا.
وتركزت المخاوف خصوصًا على الرسوم الجمركية والحرب مع إيران. وكانت هينسون قد قالت في يونيو إن استمرار الحرب قد يتحول إلى «عبء سياسي» إذا طال أمدها، كما انتقدت خطة ترامب المتعلقة بواردات لحوم الأبقار.
وفي الوقت نفسه، أكدت هينسون استعدادها للعمل مع ترامب والديمقراطيين في ملفات مثل الرعاية الصحية. ونقل “بوليتكو” عن جمهوريين في أيوا أن استمرار ارتباط هينسون بسياسات ترامب في القضايا المثيرة للجدل قد يمثل مشكلة في سباقها، فيما قال أحد الجمهوريين إن سياسات الرئيس «تضع أيوا في المنافسة».
خلاف حول إيران
ظهر الخلاف داخل الحزب بصورة أوضح عندما صوت النائبان الجمهوريان عن أيوا زاك نَن وماريانيت ميلر-ميكس لصالح قرار يحد من قدرة ترامب على مواصلة العمليات العسكرية في إيران دون موافقة الكونغرس.
وكان الاثنان قد صوتا في السابق لصالح استمرار النهج العسكري، لكنهما انضما لاحقًا إلى تحرك يطالب بتقييد صلاحيات الرئيس في الحرب.
وقال نَن إن أيوا دفعت بالفعل ثمنًا باهظًا، مشيرًا إلى مقتل جنديين من الولاية، بينما قالت ميلر-ميكس إنها لا تريد إبقاء القوات الأمريكية في حرب مفتوحة بينما يتحمل سكان أيوا تكاليف ارتفاع أسعار الوقود. وأكدت وكالة أسوشيتد برس التصويت ومبررات النائبين.
كما غاب نَن وميلر-ميكس عن تجمع انتخابي لنائب الرئيس جي دي فانس في غرب أيوا، حيث كان فانس يحشد الدعم لهينسون.
ابتعاد عن الحملة
وامتد الابتعاد عن بعض الأنشطة المرتبطة بترامب إلى عدد من المرشحين الجمهوريين في الولايات التنافسية. فقد غاب تيفاني وسالازار وهينسون ونَن وميلر-ميكس، إلى جانب جمهوريين آخرين يخوضون سباقات تنافسية، عن مؤتمر الحزب الجمهوري للتجديد النصفي في دالاس خلال سبتمبر.
كما رصد تقرير “بوليتكو”، استنادًا إلى بيانات شركة AdImpact، أن مرشحين جمهوريين اثنين فقط في ولايات تنافسية بثا إعلانات تلفزيونية تتضمن إشارات إلى ترامب منذ الأول من أغسطس، من بين مئات الإعلانات الجديدة الخاصة بسباقات مجلس الشيوخ ومجلس النواب والحكام.
وبدأت بعض الحملات التي حصل مرشحوها على تأييد ترامب في تقليص الإشارات إلى الرئيس في مواقعها وموادها الدعائية، مع زيادة التركيز على القضايا المحلية والاقتصادية.
حسابات انتخابية
ويربط عدد من الاستراتيجيين الجمهوريين هذه التحركات بالحسابات الانتخابية في الولايات التنافسية. وقال جيسون رو، الاستراتيجي الجمهوري في ميشيغان والمستشار للمرشح توم باريت، إن البيئة السياسية الحالية صعبة، مشيرًا إلى أن الانتخابات قد تتحول إلى استفتاء على أداء الحكومة، وأن ترامب هو رئيس الحكومة في نهاية المطاف.
وأورد “بوليتكو” أن معدلات تأييد ترامب لا تزال دون 40% وفق بيانات نات سيلفر، كما أشار إلى استطلاعات للموقع تفيد بأن نحو نصف الأمريكيين يرون أن برنامج الترحيل شديد القسوة، إلى جانب تراجع صبر بعض مؤيدي حركة «ماغا» تجاه الحرب مع إيران بسبب آثارها الاقتصادية.
وقال أحد الاستراتيجيين الجمهوريين، وفق التقرير، إن المرشحين «يعرفون كيف يقرأون استطلاعات الرأي»، وإن بعضهم يدرك أن الارتباط بترامب قد يمثل نقطة ضعف في دوائر معينة
وتشير بيانات AdImpact أيضًا إلى أن عددًا محدودًا من المرشحين الجمهوريين في الولايات التنافسية يربطون حملاتهم مباشرة بترامب، رغم استمرار الرئيس وحلفائه في تقديم الدعم المالي والسياسي لمرشحي الحزب.
توازن داخل الحزب
وتحاول الحملات الجمهورية تحقيق توازن بين إظهار الاستقلالية والحفاظ على العلاقة مع ترامب. وقال الاستراتيجي الجمهوري بن فولكل إن المرشحين لا يستطيعون إقناع الديمقراطيين بالتوقف عن وصفهم بأنهم أتباع لترامب، بينما يخشى بعض الجمهوريين في المقابل أن يؤدي الابتعاد المفرط عنه إلى تنفير جزء من القاعدة الجمهورية.
وفي ويسكونسن، يرى استراتيجيون جمهوريون أن على كل حملة تحديد القضايا التي يمكنها الاختلاف فيها مع الرئيس، مع الحفاظ على قدر من الانسجام معه في القضايا الأخرى.
وتزداد حساسية هذا التوازن بالنسبة إلى تيفاني، الذي اضطر إلى تأجيل الحديث عن السياسة بعد تعرض طائرته لحادث وهبوط اضطراري في ويسكونسن قبل نحو أسبوع، ما أسفر عن إصابته بإصابات طفيفة، وفق ما أورده التقرير عن حملته.
معادلة صعبة
ويضع ذلك المرشحين الجمهوريين أمام معادلة سياسية دقيقة: الحفاظ على الدعم الذي يمكن أن يوفره ترامب وقاعدته الانتخابية، مع تجنب تحميل المرشح المحلي تبعات السياسات التي قد تكون أقل شعبية بين الناخبين في دائرته أو ولايته.
وقالت ناتالي بالداساري، المتحدثة باسم اللجنة الوطنية الجمهورية، إن الحزب يشجع المرشحين على خوض الانتخابات بالطريقة التي يرون أنها الأنسب لتمثيل ناخبيهم، مشيرة إلى أن المرشحين قد يحتاجون إلى إضافة تفاصيل إلى مواقفهم السياسية من أجل خوض سباقات نوفمبر.
وفي المقابل، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز على أن ترامب لا يزال «الزعيم بلا منازع» للحزب الجمهوري، وحثت الناخبين على دعم المرشحين الجمهوريين في انتخابات نوفمبر.
اختلاف حول المرحلة المقبلة
وتعكس هذه التصريحات اختلافًا في طريقة قراءة المرحلة المقبلة داخل الحزب؛ فبينما يرى مؤيدو ترامب أن الرئيس لا يزال قادرًا على تحريك القاعدة الجمهورية، تحاول بعض الحملات في السباقات التنافسية إبراز استقلالية مرشحيها والتركيز على القضايا المحلية والاقتصادية
وكانت بالداساري قد أكدت في وقت سابق أن ترامب يمثل عامل تعبئة رئيسيًا للناخبين ذوي المشاركة المنخفضة والمتوسطة، محذرة من أن الابتعاد عنه قد يؤدي إلى نفور جزء من الناخبين الجمهوريين الأساسيين.
وفي المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن ترامب هو «أفضل رسول» للحزب و«المحفز الذي لا مثيل له» للناخبين الجمهوريين.
وهكذا، لا يدور الخلاف داخل الحزب حول دعم ترامب من عدمه بقدر ما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة معه في كل سباق انتخابي؛ فبعض المرشحين يسعون إلى الاستفادة من دعمه وقاعدته، بينما يحاولون في الوقت نفسه الاحتفاظ بمساحة سياسية تسمح لهم بالتركيز على القضايا التي يواجهونها مباشرة في ولاياتهم ودوائرهم.




