تتجه جامعات في ولاية ميشيغان إلى إنفاق مئات الملايين من الدولارات على بناء وتجديد مساكن الطلاب، في محاولة لتحديث منشآتها وتعزيز قدرتها على جذب الطلاب والاحتفاظ بهم.
لكن وفقًا لوكالة “أسوشيتد برس” فإن هذه الاستثمارات تأتي في وقت تواجه فيه الولاية تحديًا ديموغرافيًا متزايدًا يتمثل في انخفاض أعداد خريجي المدارس الثانوية وتراجع معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي.
قاعة جديدة في جامعة فيريس ستيت
وتجسد قاعة ستاديوم هول الجديدة في جامعة فيريس ستيت هذا الاتجاه؛ فقد بلغت تكلفة المشروع 38 مليون دولار، وبُني على حافة ملعب كرة القدم بالجامعة، بحيث تطل غرف الطلاب مباشرة على الملعب ومرافقه، وتتيح لهم مشاهدة تدريبات فريق كرة القدم وفرقة التشجيع والفرقة الموسيقية وفعاليات المضمار.
ويضم المبنى 282 سريرًا، ويأتي ضمن خطة الجامعة لتحديث مساكنها القديمة وتحسين تجربة الطلاب. وفي المقابل، أوقفت الجامعة استخدام مبنيين سكنيين، هما بيكيل هول وهاليسي هول، كانا يوفران معًا نحو 300 سرير، ما يعني أن المشروع لا يستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية بقدر ما يستهدف استبدال المساكن القديمة بمنشآت أكثر حداثة وجاذبية.
وقال رئيس جامعة فيريس، بيل بينك، إن الجامعة كانت بحاجة إلى تحسين الأماكن التي تطلب من طلابها الإقامة فيها، مشيرًا إلى أن جزءًا من مساكنها يعود إلى عقود مضت، بينما تعمل جامعات أخرى في الولاية على تحديث منشآتها.
جامعة ويسترن تنفق 110 ملايين دولار
وفي جامعة ويسترن ميشيغان، افتتح هذا الخريف مبنى فالي أوكس الجديد المخصص لطلاب السنة الأولى، بتكلفة بلغت 110 ملايين دولار، ويضم نحو 1000 سرير على أربعة طوابق.
ويتميز المبنى بأن أكثر من نصف غرفه مخصصة للإشغال الفردي، إلى جانب مساحات للصحة والعافية، وصالات للتجمعات، ومساحة خارجية على السطح، وغرف خاصة يمكن للطلاب استخدامها لإجراء مواعيد طبية عن بُعد أو الحصول على قدر من الخصوصية.
كما صُمم المبنى باستخدام الخشب، مع عوارض خشبية كبيرة مكشوفة وتكييف هواء، ليقدم تجربة مختلفة عن المساكن القديمة المبنية بالطوب والخرسانة.
وحل فالي أوكس محل مبنيين سكنيين قديمين هما هاريسون/ستينسون وإلدريدج/فوكس، ليصبح ثالث مشروع سكني كبير تستبدله الجامعة بمبنى حديث خلال العقد الماضي، بعد ويسترن هايتس عام 2015 وأركاديا فلاتس عام 2021.
وتقول الجامعة إنها لا تستهدف فقط جذب طلاب جدد، وإنما تسعى أيضًا إلى الاحتفاظ بالطلاب من خلال توفير خيارات سكن متنوعة، بما فيها مجتمعات تعليمية سكنية تجمع الطلاب ذوي التخصصات المتشابهة وتوفر لهم برامج مرتبطة بدراستهم داخل أماكن إقامتهم.
إيسترن ميشيغان تستثمر 200 مليون دولار
أما جامعة إيسترن ميشيغان، فقد استثمرت نحو 200 مليون دولار بين عامي 2022 و2025 في بناء مساكن جديدة وتجديد مساكن قائمة، شملت إضافة أجهزة تكييف وتحسين خدمة الإنترنت اللاسلكي وهدم مبانٍ قديمة.
ومن أبرز مشروعاتها شقق ليكفيو وويستفيو التي افتُتحت عام 2024، ضمن خطة هدفت إلى تحديث تجربة السكن الجامعي وتحسين قدرة الجامعة على المنافسة في جذب الطلاب.
649 مليون دولار لمشروع «وولفرين فيليدج»
وفي جامعة ميشيغان في آن أربور، تبدو المعادلة مختلفة نسبيًا، إذ افتتحت الجامعة هذا الخريف مجمع وولفرين فيليدج السكني بتكلفة ضخمة بلغت 649 مليون دولار، ويضم خمسة مبانٍ توفر نحو 2300 سرير.
وتختلف جامعة ميشيغان عن عدد من الجامعات الأخرى في الولاية من حيث الطلب على برامجها؛ فقد سجلت أعدادًا قياسية من المتقدمين خلال السنوات الأخيرة، بينما ظل إجمالي أعداد الطلاب المسجلين مستقرًا نسبيًا.
ورفعت الجامعة طاقتها الاستيعابية في السكن بنحو 25%، بهدف ضمان قدرة طلاب السنة الأولى على الحصول على أماكن إقامة داخل الحرم الجامعي المركزي.
انخفاض أعداد الطلاب يثير المخاوف
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت تشير فيه التوقعات إلى أن عدد خريجي المدارس الثانوية في ميشيغان سينخفض بنحو 20%، من 106,883 خريجًا في عام 2023 إلى 85,131 في عام 2041، وفق بيانات اللجنة الغربية المشتركة بين الولايات للتعليم العالي.
كما انخفض إجمالي الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي في الولاية بنسبة 27% خلال نحو عقدين، من 834,682 طالبًا في العام الدراسي 2001-2002 إلى 608,170 طالبًا في 2023-2024.
وانعكس هذا الاتجاه على معظم الجامعات الحكومية؛ فخلال الفترة من 2016 إلى 2025 تراجع صافي عدد الطلاب المسجلين في جامعة فيريس بنحو 30%، وفي جامعة ويسترن ميشيغان بنسبة 25%، وفي جامعة إيسترن ميشيغان بنسبة 42%. وفي المقابل، ارتفع عدد الطلاب في جامعة ميشيغان بنسبة 20% خلال الفترة نفسها.
ويرى الاقتصادي والأستاذ الجامعي ريتشارد فيدر أن الاستثمار في مساكن جديدة كان اتجاهًا بارزًا قبل نحو عقد في الولايات التي كانت تعاني من تراجع أعداد الطلاب، لكنه يحذر من أن بعض الجامعات انتهى بها الأمر إلى تحمل ديون طويلة الأجل بعدما عجزت عن ملء المساكن الجديدة.
ويعتقد فيدر أن المخاطر تظل قائمة في ميشيغان بسبب شيخوخة سكان الولاية وعدم نمو عدد السكان، إلى جانب تراجع أعداد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 22 عامًا، وهي الفئة الأكثر ارتباطًا بالتعليم الجامعي التقليدي.
الجامعات: لا بديل عن تحديث المساكن
في المقابل، يدافع مسؤولو الجامعات عن الإنفاق على السكن باعتباره ضرورة تنافسية، خصوصًا أن كثيرًا من المباني القديمة تحتاج إلى أعمال صيانة مكلفة بعد مرور 40 أو 50 عامًا على بنائها.
وقالت ميا مورفي، كبيرة مسؤولي السياسات في رابطة جامعات ولاية ميشيغان، إن الجامعات لا تستطيع تجاهل حاجتها إلى صيانة المرافق القائمة، وإنها تدرس عدة خيارات، بينها التجديد أو إخراج المبنى من الخدمة أو استبداله بسكن جديد.
وأضافت أن الطلاب اليوم لديهم توقعات مختلفة بشأن الحياة الجامعية مقارنة بما كان متاحًا لآبائهم وأجدادهم، ولذلك تسعى الجامعات إلى تقديم مساكن توفر مزايا إضافية تساعدها على المنافسة في سوق استقطاب الطلاب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن العديد من الجامعات تشترط على طلاب السنة الأولى الإقامة داخل الحرم الجامعي، ما يجعل جودة السكن أحد العناصر التي يراها الطالب عند مقارنة الجامعات قبل اتخاذ قرار الالتحاق.
السكن الجامعي قد يكلف الطالب 16 ألف دولار سنويًا
ولا يمثل السكن مجرد منشأة خدمية للجامعات، بل يشكل أيضًا جزءًا كبيرًا من تكلفة الدراسة على الطلاب. ووفق بيانات مجلس الكلية، تتراوح تكلفة السكن الجامعي، التي تشمل عادة خطط الوجبات، بين 14 ألفًا و16 ألف دولار سنويًا.
ومع إضافة الرسوم الدراسية، التي تتراوح بحسب الجامعة بين نحو 12 ألفًا و45 ألف دولار سنويًا، يمكن أن تصل التكلفة الإجمالية للطالب الذي يعيش داخل الحرم الجامعي إلى ما بين 26 ألفًا و61 ألف دولار سنويًا.
ومن هنا يرى مسؤولو الجامعات أن جودة السكن قد تصبح عاملًا حاسمًا في قرار الطالب، خصوصًا مع احتدام المنافسة على أعداد أقل من خريجي المدارس الثانوية.
لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات الضخمة ستتحول بالفعل إلى ميزة تنافسية طويلة الأجل، أم ستصبح عبئًا ماليًا على جامعات تواجه في الأساس انكماشًا ديموغرافيًا وتراجعًا في أعداد الطلاب.
ويقول رئيس جامعة ويسترن ميشيغان، روس كافالهونا، إن عدم تحديث المساكن القديمة قد يدفع الطلاب ببساطة إلى اختيار جامعة أخرى، وهو ما يلخص جوهر المعركة التي تخوضها جامعات الولاية، وهو: الاستثمار في السكن للحفاظ على القدرة على جذب الطلاب اليوم، مع المخاطرة بوجود منشآت مكلفة في المستقبل إذا استمر عدد الطلاب في الانخفاض.
