قبل عامين، وقف الرئيس دونالد ترامب وسط كميات كبيرة من المواد الغذائية في ناديه للغولف بولاية نيوجيرسي، مستخدمًا ارتفاع الأسعار في عهد إدارة جو بايدن كسلاح انتخابي، ومتعهداً بخفض تكلفة المعيشة إذا عاد إلى البيت الأبيض.
لكن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، عادت الصورة نفسها لتلاحق الجمهوريين، بعدما ظلت أسعار العديد من السلع الأساسية مرتفعة، بينما باتت القدرة على تحمل تكاليف المعيشة القضية الأكثر إلحاحًا لدى الناخبين الأمريكيين، وفقًا لوكالة “رويترز“.
وعد انتخابي لم يتحقق
وفي 15 أغسطس 2024، عقد ترامب مؤتمرًا صحفيًا في ناديه بمدينة بيدمينستر، وأحاط نفسه بطاولات مكدسة بالفاكهة واللحوم والحبوب والحليب وغيرها من السلع الأساسية، عارضًا رسومًا بيانية عن ارتفاع الأسعار، ومحمّلًا إدارة بايدن مسؤولية التضخم.
وكان الهدف من المشهد التأكيد على وعد انتخابي رئيسي لترامب، وهو أنه قادر على خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للأسر الأمريكية.
لكن بعد عامين، تكشف بيانات الأسعار عن صورة أكثر تعقيدًا. فقد أظهر تحليل لرويترز شمل 26 فئة من المواد الغذائية التي يتابعها مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن أسعار هذه السلع ارتفعت في المتوسط بنسبة 3.4% خلال الأشهر الـ19 الأولى من ولاية ترامب الثانية.
ورغم أن هذه الزيادة أقل بكثير من الارتفاع الذي سجلته الأسعار خلال الفترة نفسها من ولاية بايدن، فإنها لا تزال تتعارض مع تعهد ترامب بخفض الأسعار. فقد أدت الزيادات الكبيرة في أسعار بعض السلع، خصوصًا القهوة ولحوم البقر والتفاح، إلى تعويض الانخفاضات التي شهدتها سلع أخرى مثل البيض والزبدة.
تكاليف المعيشة تتصدر اهتمامات الناخبين
أصبحت تكلفة المعيشة القضية الأهم في السباق الانتخابي قبل نوفمبر، وسط شعور متزايد لدى قطاعات من الناخبين بأن الأجور لا تواكب ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تحول مهم في نظرة الناخبين إلى الملف الاقتصادي؛ إذ بات الديمقراطيون يتقدمون على الجمهوريين في ثقة الناخبين بشأن القدرة على إدارة الاقتصاد، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
وفي استطلاع حديث لرويترز وإبسوس، سجل صافي تأييد ترامب في طريقة تعامله مع غلاء المعيشة -47%، مقارنة بـ -6% في بداية ولايته. وأصبح هذا الملف بذلك نقطة الضعف الأكبر للرئيس، متجاوزًا حتى تقييمات الناخبين لأدائه في الاقتصاد والهجرة.
ويشكل ذلك تحديًا خاصًا للجمهوريين في الدوائر الانتخابية المتأرجحة، حيث يمكن لمجموعة صغيرة من الناخبين المترددين أن تحسم نتائج السباقات بفارق ضئيل.
ناخبو ترامب يشعرون بالضغوط
لا تقتصر المخاوف الاقتصادية على الناخبين الديمقراطيين أو المستقلين، بل امتدت إلى بعض مؤيدي ترامب أنفسهم.
وتقول ناخبة جمهورية تبلغ 68 عامًا إنها دفعت نحو 70 دولارًا مقابل كمية محدودة من اللحوم ومسحوق الغسيل وعبوة من الشاي المثلج، معتبرة أن فاتورة مشترياتها تمثل دليلًا ملموسًا على استمرار أزمة تكاليف المعيشة.
وقالت إن ارتفاع الأسعار أمر حقيقي لا يمكن تجاهله، حتى إذا حاول ترامب التقليل من أهميته سياسيًا.
وفي دائرة انتخابية متأرجحة في نيوجيرسي، تحدثت رويترز مع 17 ناخبًا جمهوريًا ومستقلًا، وأظهرت المقابلات أن الضغوط الاقتصادية قد تؤثر ليس فقط على اتجاه التصويت، وإنما أيضًا على الحماس للمشاركة في الانتخابات.
وبعض هؤلاء الناخبين، رغم استمرار تأييدهم لترامب، قالوا إنهم يفكرون في عدم التصويت أصلًا خلال انتخابات نوفمبر بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود وتراجع قدرتهم على تحمل النفقات اليومية.
أسعار السلع ارتفعت بقوة
تكشف التفاصيل عن تفاوت كبير بين أسعار السلع الغذائية المختلفة. فمنذ الفترة التي عرض فيها ترامب المواد الغذائية في مؤتمره الصحفي عام 2024، ارتفع سعر اللحم البقري الطازج بنحو 19.2%، بينما زادت أسعار الأسماك والمأكولات البحرية الطازجة بنحو 8.6%، وارتفعت أسعار التفاح بنحو 14%.
أما القهوة فسجلت زيادة تقارب 23%، لتصبح واحدة من أكثر السلع التي يشعر المستهلكون بارتفاع أسعارها. في المقابل، انخفضت أسعار البيض بنحو 40% منذ بداية ولاية ترامب الثانية، في حين تراجعت أسعار الزبدة ولحم الخنزير المقدد وبعض زيوت الطهي.
ويرتبط جزء كبير من انخفاض أسعار البيض بتراجع أزمة نقص المعروض الناجمة عن إنفلونزا الطيور، والتي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية خلال فترة إدارة بايدن.
البيت الأبيض يدافع عن سياسات ترامب
في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن سياسات ترامب بدأت تحقق نتائج إيجابية، مستشهدًا بتباطؤ التضخم في بعض الأشهر وانخفاض أسعار عدد من السلع والخدمات.
وأشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أن بيانات يوليو أظهرت ارتفاعًا محدودًا في أسعار المستهلكين مقارنة بالشهر السابق، معتبرًا ذلك دليلًا على أن التضخم أصبح تحت السيطرة.
كما يشير أنصار ترامب إلى انخفاض أسعار البيض وبعض المنتجات الغذائية، فضلًا عن تحسن الأجور الحقيقية، باعتبارها مؤشرات على أن سياسات الإدارة بدأت تؤتي ثمارها.
ويحاول الجمهوريون كذلك التأكيد على أن الرئيس لا يتحكم بصورة مباشرة في جميع أسعار السلع، وأن التضخم يتأثر بعوامل عديدة، من بينها الأسواق العالمية وسياسات الاحتياطي الفيدرالي والحروب وسلاسل الإمداد.
حرب إيران والرسوم الجمركية
لكن بعض السياسات التي يتبناها ترامب قد تجعل الدفاع عن سجله الاقتصادي أكثر صعوبة. فالتعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة يمكن أن تزيد تكلفة بعض السلع المستوردة، بينما تسببت الحرب مع إيران في ضغوط إضافية على أسعار الطاقة والنقل.
وتأتي هذه العوامل في وقت يحاول فيه الجمهوريون الحفاظ على أغلبيتهم في الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي.
ويرى محللون أن الناخبين لا يتعاملون مع التضخم باعتباره رقمًا اقتصاديًا مجردًا، بل يواجهونه بشكل متكرر أثناء شراء الطعام أو دفع الإيجار أو تكاليف السكن والوقود.
وقال أستاذ في السياسة العامة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي إن مشتريات البقالة تمثل تذكيرًا متكررًا بالضغوط المالية التي تواجهها الأسر، مشيرًا إلى أن كل زيارة لمتجر البقالة يمكن أن تتحول إلى تجربة تؤثر في موقف الناخب من الإدارة الحالية.
الديمقراطيون يراهنون على الاقتصاد
يسعى الديمقراطيون إلى استغلال هذا الاستياء من خلال تحميل ترامب مسؤولية عدم الوفاء بتعهده بخفض تكلفة المعيشة.
وفي نيوجيرسي، تتنافس الديمقراطية ريبيكا بينيت مع الجمهوري توم كين على مقعد في دائرة انتخابية متأرجحة، وقد جعلت بينيت من غلاء المعيشة محورًا رئيسيًا لحملتها.
وتتعهد بينيت، في حال فوزها، بإلغاء تعريفات ترامب الجمركية، والعمل على إنهاء الحرب مع إيران، واستعادة بعض برامج المساعدات الغذائية لمساعدة الأسر التي تواجه صعوبات في شراء احتياجاتها الأساسية.
وتقول إن ارتفاع أسعار بعض المواد، وعلى رأسها اللحوم، أصبح مسألة شخصية بالنسبة إلى الأسر، وليس مجرد موضوع سياسي.
أزمة انتخابية للجمهوريين
المشكلة بالنسبة إلى الجمهوريين لا تتمثل فقط في أن بعض الأسعار لا تزال مرتفعة، وإنما في تراجع الحماس الانتخابي بين بعض مؤيدي الحزب.
ويحتاج الحزب إلى الحفاظ على مشاركة قوية لقاعدته في انتخابات التجديد النصفي، خصوصًا أن الديمقراطيين أظهروا في الانتخابات التمهيدية الأخيرة مستويات مرتفعة من الحماس والمشاركة.
وفي الوقت نفسه، لا يزال ترامب يتمتع بقاعدة انتخابية قوية، ويؤكد بعض الناخبين الجمهوريين أن قضايا مثل أمن الحدود والتعليم والهجرة أكثر أهمية بالنسبة إليهم من أسعار الغذاء.
لكن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يجعل انتخابات نوفمبر أكثر تنافسية، خصوصًا في الولايات والدوائر التي حُسمت في الانتخابات السابقة بفوارق ضئيلة.
وبينما يحاول ترامب تحويل الحديث الانتخابي إلى قضايا الجريمة والهجرة والأمن القومي، يبدو أن الناخبين يصرون على إعادة النقاش إلى السؤال الأكثر ارتباطًا بحياتهم اليومية: كم تكلفهم المعيشة؟
وهنا تكمن المفارقة التي قد تطارد الجمهوريين في نوفمبر: الصورة التي استخدمها ترامب قبل عامين لإقناع الأمريكيين بأنه قادر على خفض الأسعار أصبحت اليوم تذكيرًا انتخابيًا بوعوده التي لم تتحقق بالكامل.
