التوحّد بين أسئلة العائلة وإجابات الطب.. لماذا ارتفعت أعداد الحالات وهل له علاقة باللقاحات؟
أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر
موضوعنا اليوم يمس ملايين العائلات حول العالم، ومع ذلك لا يزال محاطاً بالكثير من الغموض والمعلومات المتناقضة. سنتحدث اليوم عن اضطراب طيف التوحد: ما حقيقته؟ ولماذا ارتفعت أعداد الحالات المشخصة؟ وهل ازداد التوحد فعلاً أم تحسنت قدرتنا على اكتشافه؟ وما حقيقة العلاقة التي يروج لها البعض بين التوحد واللقاحات؟
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية المنشورة عام 2025 إلى أن نحو شخص واحد من بين كل 127 شخصاً حول العالم مصاب بالتوحد، مع وجود تفاوت كبير بين البلدان والدراسات.
وفي أمريكا، أظهرت أحدث بيانات شبكة المراقبة التابعة لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أن نحو طفل واحد من بين كل 31 طفلاً في عمر الثامنة شُخّص باضطراب طيف التوحد ضمن المجتمعات التي شملتها الدراسة، وأن التشخيص كان أكثر من ثلاثة أضعاف لدى الذكور مقارنة بالإناث.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة وجود سبب واحد وراء هذا الارتفاع، بل تفتح باباً مهماً للحديث عن اتساع معايير التشخيص، وتحسن الوعي والكشف المبكر، إلى جانب عوامل أخرى ما زال العلم يدرسها.
لنفهم هذا الموضوع بهدوء وبلغة مبسطة، يسعدنا أن نستضيف اليوم للحديث عن التوحد من الناحية التاريخية والطبية والإنسانية، وعن التشخيص والعلاج وأهم النصائح التي تحتاج إليها الأسرة، الدكتور باسل الخطيب الغني عن التعريف.
الدكتور باسل هو من أبرز أطباء الأطفال، وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ويعد من أبرز الخبراء على المستوى الوطني في مجال صحة الأطفال واللقاحات.
وهو محاضر في العديد من المؤتمرات الطبية داخل أمريكا، بما فيها مؤتمرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في أتلانتا. كما نشر مئات المقالات الطبية في الصحف العربية والأمريكية، وأُجريت معه مقابلات في وسائل إعلامية كثيرة تقديراً لإنجازاته وإسهاماته في صحة الأطفال.
يوميات من عيادة طبيب
* أهلاً بك دكتور باسل مجدداً على منصات راديو صوت العرب من أمريكا، في هذه الحلقات الهامة جداً والتي يتابعها الكثيرون باهتمام كبير نظراً لأهمية المواضيع المطروحة.
** أهلاً بكِ دكتورة ليلى، صباح الخير، وأتمنى لكم وافر التوفيق والنشاط في جميع جهودكم.
* دكتور باسل، كنت أقرأ الفصل المتعلق بموضوع التوحد في كتابك “يوميات من عيادة طبيب أطفال في أمريكا”، ولفت نظري عدة أمور: الأولى: أنك وصفت التوحد باللغز الغامض. الثانية: أنك خصصت فصلاً طويلاً جداً لهذا الموضوع يقع في سبع عشرة صفحة. الثالثة: أنك بدأت الفصل بمقطع من قصيدة لشاعر أمريكي.
وسأقرأ هذا المقطع المؤثر فعلاً: “منذ لحظة الطفولة لم أكن كما كان الآخرون لم أستطع أن أرى ما كانوا يرون لم أعرف أن أستخرج عواطفي من الينبوع الكبير لم أتمكن من أن أحمل حزني ولا أن أوقظ قلبي للفرح وكل ما أحببت، أحببته وحدي”
لمن هذه القصيدة دكتور؟ وما هو السبب في اختيارك لها كمقدمة لفصل التوحد في كتابك؟ وحدثني قليلاً من فضلك بإيجاز عن خلفية هذا الكتاب الجامع الرائع الذي اقتبست منه هذه المقدمة؟
** أولاً، هذه القصيدة هي للشاعر إدغار آلان بو، وهو شاعر عاش أربعين سنة فقط (بين عامي 1809 و1849)، وهو من مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس. وهو مشهور بقصائده الغامضة والدقيقة والمعبرة جداً، ويعد من الذين أسسوا لمفاهيم الشعر الحديث في أمريكا.
إن سبب اختياري للقصيدة هو أن الشعر يستطيع أحياناً التعبير عن بعض المشكلات النفسية والتطورية بصورة أفضل بكثير من النثر ومصطلحاته العلمية الجافة.
أما بالنسبة لكتابي “يوميات من عيادة طبيب أطفال في أمريكا”، فهو عبارة عن كتاب يلخص تجربتي في طب الأطفال عبر السنوات. لقد كنت أنشر مقالات متعلقة بالأمور الطبية، وكان الكثير من الناس يطلبون مني جمع هذه المقالات في كتاب، وهذا ما حدث بالفعل.
ولكن عندما شرعت في جمعها، اضطررت إلى إعادة كتابة جميع المقالات مجدداً؛ لأن الطب كما هو معلوم يتطور باستمرار. فالمقالة التي تُكتب اليوم تصبح قديمة بعد سنتين أو ثلاث سنوات، ولا بد من تحديث معلوماتها.
وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً، لكني سعيد بنشره وبالأصداء الإيجابية والتعليقات التي تلقيتها من القراء والمرضى، فهو يلخص تجربتي العامة في طب الأطفال.
* هل هذا الكتاب متاح؟ أعني لمن يريد الحصول عليه، هل هو متاح بنسخة ورقية أو إلكترونية؟
** الكتاب متاح بالنسختين الورقية والإلكترونية على موقع أمازون، وكذلك عن طريق مكتبة الإيمان، ويمكن شراؤه عبر الإنترنت بكل سهولة، وتُباع منه نسخ باستمرار سواء في أمريكا أو في الوطن العربي.
* دكتور، هل كنت تقصد باختيارك لهذه القصيدة وصف تجربة الشخص المصاب بالتوحد، أم أردت وصف شعور الاختلاف والوحدة بصورة إنسانية أوسع؟
** في الواقع، القصيدة تعبر عن الأمرين معاً. فهي تصف تجربة مريض التوحد بدقة من واقع تعاملي معهم، كما تعبر عن رؤية الأهل لاختلاف طفلهم. وعلى الرغم من أن الشاعر لم يكن يقصد التوحد بعينه بكل تأكيد، إلا أن عباراته الرقيقة تصف بدقة ورومانسية حالة المصاب بالتوحد.
التوحد.. اللغز الغامض
* إذا سألتك ببساطة: ما هو التوحد؟ ولماذا وصفته باللغز الغامض؟
** دكتورة ليلى، كما تعلمين، يلاحظ المقيم في أمريكا ظهور موجات من الاهتمام الشديد أو الهوس الجماعي ببعض المواضيع بين الحين والآخر. قد يكون هذا الاهتمام متعلقاً بحمية غذائية معينة، أو بنوع من الفيتامينات، وعادة ما يستمر هذا الهوس لفترة قصيرة ثم يختفي ليحل محله اهتمام آخر.
لكن الأمر اللافت في موضوع التوحد أنه مستمر في لعب هذا الدور منذ سنوات طويلة وحتى هذه اللحظة، ولا تزال الأسئلة فيه أكثر من الأجوبة، ولهذا اخترت له عنوان “التوحد ذلك اللغز الغامض”.
اضطراب طيف التوحد
* تصف منظمة الصحة العالمية التوحد بانه مجموعة متنوعة من الحالات المرتبطة بنمو الدماغ، وتختلف القدرات والاحتياجات بصورة كبيرة من شخص إلى آخر. هل من الأدق أن نقول “اضطراب طيف التوحد” بدلاً من “مرض التوحد”؟ وماذا تعني كلمة “طيف” دكتور؟ هل تعني أن شخصين يحملان التشخيص نفسه قد يختلفان تماماً في قدراتهما واحتياجاتهما؟
** نعم، هذا صحيح تماماً. في البداية، عندما شُخص التوحد في أربعينيات القرن الماضي من قبل الدكتور ليو كانر الذي شخّص المرض ووصافه لأول مرة، وضع له وصفاً عاماً ينطبق على جميع المصابين، وهو عبارة عن: نقص عميق في العلاقات الاجتماعية. مشكلة في مهارات التواصل اللغوي. استجابة غير طبيعية للمؤثرات البيئية. الإصرار على اتباع روتين ثابت في الحياة.
لكن مع الدراسات والأبحاث الحديثة، تبين أنه لا يمكن وضع جميع المصابين بالتوحد في إطار واحد. لذا أصبح يُوصف بأنه “اضطراب طيف التوحد” لوجود أشكال متعددة له. وهناك أربعة أشكال رئيسية على الأقل:
- الاضطراب التوحدي الكامل (Autistic Disorder): وهو الشكل الكامل من التوحد.
- متلازمة أسبرجر (Asperger’s Syndrome).
- اضطراب التفكك الطفولي (Childhood Disintegrative Disorder).
- الاضطراب التطوري الشامل غير المصنف (PDD-NOS).
سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقاً، لكن الفكرة العامة هي أن مرضى التوحد ليسوا متشابهين تماماً في أعراضهم. وما يجمعهم هو معايير التشخيص التي تقاربت مع ما وصفه الدكتور ليو كانر سابقاً ولكنها اتسعت وأصبحت أكثر دقة تحت مسمى “طيف التوحد”.
الناحية التاريخية
* إذا تحدثنا من الناحية التاريخية، هل التوحد مرض طارئ وجديد؟ متى بدأ الحديث عنه علمياً؟ وهل كان الأشخاص المصابون بالتوحد موجودين قبل ظهور التشخيص الطبي ولكن تحت مسميات وتشخيصات أخرى؟
** التوحد ليس مرضاً جديداً على الإطلاق. وقد بدأ الحديث عنه علمياً لأول مرة عام 1943 من قبل الطبيب النفسي من أصل نمساوي “ليو كانر”، وهو أول اختصاصي في الطب النفسي للأطفال في التاريخ (وتوفي عام 1981)، ويعد رائد أبحاث التوحد. وقد قدم حينها تقريراً يصف فيه بدقة حالة إحدى عشرة حالة وجد لديهم ما سماه “الاضطرابات التوحدية للتواصل العاطفي”.
وتطور الأمر بعد ذلك بأبحاث جديدة، ولكن المؤكد أن التوحد كان موجوداً قبل الأربعينيات، وكان يُصنف تحت أطر أخرى كالتأخر العقلي أو التأخر اللغوي وغيرها. ويعد توحيد هذا التشخيص أمراً عظيماً لأنه يساعد على تركيز العلاج ومساعدة الأهل والمريض.
تعريف التوحد اليوم
* هل لا يزال هذا الوصف ينطبق على تعريف التوحد اليوم؟ وكيف تغير تعريف التوحد بين التصنيفات الطبية القديمة والتصنيفات الحديثة؟
** الوصف الأساسي لا يزال ينطبق، ولكن التطور الجديد هو ما جعلنا نستخدم مصطلح “طيف التوحد” ونلغي بعض التصنيفات المنفصلة السابقة مثل الاضطرابات الكلامية أو التأخر اللغوي أو الاجتماعي، لندمجها جميعاً تحت مظلة التوحد.
* هل اختفى تشخيص متلازمة أسبرجر كتشخيص مستقل وأصبح جزءاً من اضطراب طيف التوحد اليوم؟
** نعم، لقد تم دمج متلازمة أسبرجر ضمن اضطراب طيف التوحد في التصنيفات الطبية الحديثة، حيث تتغير هذه التصنيفات باستمرار لتنضوي الحالات تحت طيف التوحد.
أرقام مخيفة
* دعنا نتحدث عن موضوع مهم وهو انتشار التوحد ونسبه. تشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك شخصاً واحداً مصاباً بالتوحد من بين كل 127 شخصاً حول العالم.
أما أحدث بيانات المراقبة المنشورة عام 2025 والمبنية على سجلات عام 2022، فتشير إلى تشخيص التوحد لدى طفل واحد من بين كل 31 طفلاً في سن الثامنة في المناطق التي شملتها الدراسة، وهي ليست بالضرورة نسبة تمثل أمريكا بأكملها. أليست هذه الأرقام مخيفة دكتور؟
** هي بالفعل أرقام تثير القلق، ولكن يجب أولاً أن نوضح أن الإحصاءات تختلف باختلاف العينات المدروسة، وهذا ليس تناقضاً بل طبيعة الدراسة الإحصائية.
أما عن نسبة انتشار طيف التوحد في أمريكا التي أتبناها، فهي تتراوح بين 1% إلى حالة واحدة لكل 150 شخصاً. والاضطراب الأكثر انتشاراً في القائمة هو التوحد غير المصنف، يليه أسبرجر، ثم الاضطراب التوحدي الكامل.
والسؤال الأهم هنا هو: هل ازدادت حالات الإصابة بالتوحد فعلاً؟ كانت التقارير قبل عام 1980 تشير إلى أن نسبة الانتشار هي حالة واحدة لكل 2500 طفل. واليوم نتحدث عن 1% أو حالة لكل 150 شخصاً. فهل يعني ذلك زيادة الانتشار بمقدار خمس عشرة مرة؟
- في الواقع، معظم هذه الزيادة غير حقيقية، بل تعود لعدة عوامل:
- زيادة الوعي: زيادة وعي الأهل والمعلمين والأطباء بأعراض التوحد.
- توفر الخدمات: توفر الخدمات الطبية والنفسية الكفيلة بتشخيص الحالات.
- تطور أدوات الفحص المبكر: تطور أدوات الفحص المبكر لدى الأطباء.
تغير معايير التشخيص وتطبيقاتها: فالكثير من الحالات التي كانت تُشخص في الماضي كتأخر لغوي أو تأخر عقلي أصبحت تُصنف اليوم تحت مظلة التوحد. لذلك فهي زيادة تصنيفية وإحصائية أكثر من كونها زيادة فعلية في حدوث المرض.
أسباب الانتشار
* هل يفسر هذا الاختلاف بين نسب الانتشار العالمية والأرقام المسجلة في أمريكا؟ أعني توفر الخدمات والقدرة على الوصول للمختصين؟ فثمة تساؤل دائم عن سبب انتشار هذا الاضطراب في مناطق معينة دون غيرها.
** نعم، بالتأكيد. تختلف النسب حسب تقدم البلد، وتوفر إمكانيات الكشف والتشخيص، ومستوى الوعي. على سبيل المثال، قد يصاب طفل بالتوحد في بلد نامٍ ولكن لا يعرضه أهله على الطبيب فلا يُشخص ولا يدخل في الإحصاءات.
بينما في دول مثل أمريكا أو الدول الأوروبية، يعرض الأهل طفلهم على الطبيب عند ظهور أولى الأعراض ليُشخص مبكراً، مما يرفع النسب الإحصائية المسجلة. فالأمر مرتبط بالرعاية والتشخيص وليس بوجود المرض الفعلي.
* هل ازداد حدوث التوحد عالمياً؟ فالحديث المستمر في وسائل الإعلام والتواصل يوحي بزيادة هائلة في الحالات، فهل هذا صحيح؟
** لا أعتقد أن هناك زيادة فعلية في حدوث المرض، بل هناك زيادة في تشخيص الحالات. لو عدنا مئة عام إلى الوراء حين لم تكن كلمة التوحد معروفة وسألنا عن نسبة الانتشار، لقلنا إنها 0%، وهذا مستحيل بالطبع بل كانت الحالات موجودة دون تشخيص. وحتي إحصائية عام 1980 التي ذكرت حالة واحدة لكل 2500 لم تكن دقيقة لوجود حالات لم تُشخص.
وأرى أن الأرقام الحالية في أمريكا والتي تتراوح بين 1% وحالة لكل 150 طفلاً هي الأقرب للواقع في ظل التقدم العلمي وأدوات الفحص الحديثة، دون وجود زيادة فعلية للمرض.
* ما هي نسبة الزيادة التي يمكن عزوها إلى اتساع معايير التشخيص وتحسن الكشف المبكر؟ وهل أصبحنا نشخص اليوم حالات كانت تُغفل سابقاً، وخصوصاً لدى الإناث والبالغين والأطفال ذوي القدرات اللغوية الجيدة؟
** أعتقد أن تطور أدوات التشخيص واتساع معاييره هو المسؤول الأساسي عن الأرقام المرتفعة الحالية. وقد تكون هناك زيادة طفيفة حقيقية مرتبطة ببعض الأدوية أو التغيرات المرضية، ولكن من المستحيل أن تكون الزيادة من حالة لكل 2500 إلى 1% زيادة فعلية بالكامل.
أسباب التوحد
* يقودنا هذا إلى السؤال الأهم: ما هي أسباب التوحد؟ وهل توجد علاقة بين اللقاحات والإصابة بالتوحد، كما يروج البعض في الجدل المستمر هنا في أمريكا؟
** التوحد هو اضطراب متعدد العوامل. ومنذ أبحاث الدكتور ليو كانر عام 1943 والدراسات تبحث في مسبباته، وقد تم تحديد عدة فئات من الأسباب العضوية والجينية:
الأسباب الوراثية والجينية: وتُعزى إليها نسبة تتراوح بين 10% إلى 20% من حالات التوحد. وتشمل حدوث طفرات جينية كحذف أو تضاعف بعض الجينات، أو ارتباطه بمتلازمات وراثية معروفة كمتلازمة الصبغي إكس الهش (Fragile X Syndrome) أو التصلب الحدبي، والتي تعد مظاهر التوحد من ضمن أعراضها العصبية.
الأسباب البيئية والحملية: هناك أدلة على أن تعرض الجنين في الرحم لبعض المؤثرات يزيد خطر الإصابة، مثل تناول الأم لأدوية معينة كحمض الفالبرويك أو الثاليدومايد أثناء الحمل، أو ارتفاع مستويات هرمون السيروتونين لدى الأم، أو تناول الكحول، أو إصابتها ببعض الأمراض كالحصبة الألمانية.
الأسباب الخلقية والولادية: يرتفع الخطر لدى الأطفال الخدج (المولودين مبكراً)، أو من يولدون بوزن منخفض جداً بالنسبة لعمرهم الحملي (SGA)، أو من يعانون من نقص الأكسجين أثناء الولادة، أو اعتلال الدماغ الوليدي.
الأسباب العصبية: مثل التغيرات الهيكلية في الدماغ كفرط نمو قشرة الفص الجبهي، أو مشكلات في المخيخ واللوزة المخية. والدراسات مستمرة وتكشف يومياً عن مسببات جديدة.
عوامل ومسببات
* هل هناك عوامل تزيد من الاحتمالية لكنها لا تُعد سبباً مباشراً وحتمياً غير تلك العوامل الوراثية والبيولوجية والبيئية؟ وهل يمكن للأبوين فعل أي شيء أثناء الحمل لمنع الإصابة، أم أن هذا الحديث يحملهما شعوراً غير مبرر بالذنب؟
** من المهم جداً ألا يشعر الآباء بالذنب على الإطلاق؛ فالكثير من هذه الأمور خارجة عن إرادتهم. وكل ما يمكن فعله هو اتخاذ تدابير وقائية عامة مثل: تجنب تناول أي أدوية دون ضرورة طبية قاطعة أثناء الحمل، والامتناع التام عن تناول الكحول، والحرص على تلقي الأم لقاح الحصبة الألمانية قبل الحمل، وإجراء الولادة في ظروف طبية ملائمة بالمستشفى مع المتابعة المستمرة للحمل. أما العوامل الجينية والعصبية فلا يد للاهل فيها، وشعورهم بالذنب لا أساس له ويزيد من معاناتهم.
التوحد واللقاحات
* هل هناك عوامل أخرى تزيد الاحتمالية؟ ودعنا ننتقل إلى المحور الهام: هل يرتبط التوحد باللقاحات، وتحديداً اللقاح الثلاثي (MMR)؟
** قولاً واحداً وبصورة حاسمة: لا توجد أي علاقة من قريب أو بعيد بين اللقاح الثلاثي (MMR) والتوحد.
* فلنوضح من أين بدأت هذه المخاوف واللغط الإعلامي حول اللقاحات والتوحد.
** بدأت هذه المخاوف بعد نشر دراسة عام 1998 في مجلة “لانست” (The Lancet) من قبل طبيب يُدعى أندرو ويكفيلد. وقد تبيّن لاحقاً أن هذا الطبيب كانت لديه مصالح مالية وشخصية في توجيه هذه التهمة، وسُحب البحث لاحقاً لعدم كفاية البيانات وافتقارها للمصداقية العلمية. وهناك دراسات علمية رصينة نفت هذا الادعاء تماماً، ومنها:
دراسة الدنمارك عام 2002: التي أجراها الدكتور مادسن وشملت أكثر من نصف مليون طفل تلقوا لقاح (MMR) بين عامي 1991 و1998، وخلصت الدراسة نصاً إلى تقديم دليل قوي على عدم وجود أي صلة بين اللقاح والتوحد.
دراسة عام 2008: التي أجراها مستشفى ماساتشوستس العام بالتعاون مع مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، والتي أعادت تطبيق خطوات دراسة ويكفيلد وأثبتت أن نتائجه كانت مفبركة ومزيفة بالكامل.
وقد صرح الدكتور ريتشارد هورتن، رئيس تحرير مجلة لانست، عند سحب المقال بأن الطريقة التي أُجري بها البحث كانت من أسوأ ما يمكن واصفاً إياها بالمرعبة والمشينة. وأود استغلال هذه الفرصة لتأكيد سلامة اللقاح وأهميته القصوى لحماية الأطفال، خصوصاً مع ظهور بؤر تفشٍ صغيرة لمرض الحصبة في أمريكا نتيجة تراجع معدلات التطعيم.
* للتوضيح فقط، لقاح (MMR) هو اللقاح الثلاثي الذي يحمي من الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، أليس كذلك؟
** نعم، هو لقاح مشترك يجمع بين الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية في حقنة واحدة.
* في نصف دقيقة دكتور، يقول بعض الأهالي إن أعراض التوحد ظهرت على طفلهم مباشرة بعد تلقي اللقاح. كيف يفسر العلم هذا التقارب الزمني؟ وكيف نميز بين المصادفة والسببية؟
** هذه نقطة جوهرية؛ فوجود تقارب زمني بين حدثين لا يعني إطلاقاً أن أحدهما سبب للآخر. وأضرب دائماً مثلاً بسيطاً: إذا شرب شخص كوباً من الماء ثم تعرض لحادث سير بعد عشر دقائق، فهل شرب الماء هو سبب الحادث؟ بالتأكيد لا.
يتلقى الأطفال عادة لقاح (MMR) في عمر سنة واحدة تقريباً، بينما تبدأ أعراض التوحد بالوضوح والتشخيص في عمر 14 إلى 15 شهراً. ومن هنا يربط الأهل ذهنياً بين اللقاح وبدء الأعراض بسبب التقارب الزمني، لكن الأبحاث الطبية أثبتت بشكل قاطع عدم وجود أي علاقة سببية، ولا داعي للقلق في هذا الشأن.
* أشكرك جزيل الشكر دكتور باسل على هذه التوضيحات القيمة والمعلومات الهامة. هذا الملف واسع جداً، وأسئلة العائلات لا تنتهي، وهناك محاور تستحق نقاشاً أعمق. ونعد مستمعينا الكرام باستكمال هذا الحوار والإجابة على أسئلتهم في حلقة ثانية نخصص لها مساحة أكبر.
** الشكر لكم، وأتمنى السلامة لجميع أطفالنا.






