أخبار أميركاأميركا بالعربيرأي

من جبران إلى صندوق الاقتراع.. أين القوة السياسية للعرب في أميركا؟

د. ليلى الحسيني — كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والعربية الأميركية

قبل أكثر من مئة عام، وصل إلى الولايات المتحدة مهاجرون عرب بإمكانات محدودة، لا يحمل معظمهم سوى رغبة في بدء حياة جديدة في بلد لا يعرفونه جيدًا.

لم تكن لديهم مؤسسات كبيرة، ولا وسائل إعلام واسعة الانتشار، ولا شبكات اجتماعية تختصر المسافات، وكان عددهم أقل بكثير من عدد العرب الأميركيين اليوم. ومع ذلك، لم يظلوا على هامش المجتمع الجديد. أنشؤوا الصحف والمجلات والجمعيات، وكتبوا وترجموا، وبدأوا مبكرًا في تشكيل مساحة عربية داخل الحياة الثقافية الأميركية.

وفي نيويورك ظهرت الرابطة القلمية، وبرزت أسماء مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي، فيما تحرك أمين الريحاني بين الثقافة والسياسة ومحاولة بناء جسور بين أميركا والعالم العربي.

لم تكن الرابطة القلمية تنظيمًا سياسيًا، ومن الظلم أن نحملها وظيفة لم تنشأ من أجلها، لكن ما يلفتني في تجربة أولئك المهاجرين هو أنهم لم ينتظروا طويلًا حتى يعترف الآخرون بوجودهم. صنعوا منابرهم بأنفسهم.

ومن هنا يلح عليّ سؤال كلما تابعت مواسم الانتخابات في الولايات المتحدة: كيف استطاع عدد قليل من المهاجرين العرب، قبل أكثر من قرن وبإمكانات بسيطة، أن يترك أثرًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم، بينما ما زلنا، ونحن بالملايين، نتساءل أين القوة السياسية التي يفترض أن يترجم إليها هذا الوجود؟

العرب الأميركيون اليوم ليسوا جالية صغيرة ولا حديثة العهد. بينهم أطباء ومحامون وأكاديميون ورجال أعمال وإعلاميون ومسؤولون منتخبون، ولديهم مؤسسات مدنية وثقافية ودينية ومنظمات تعمل منذ سنوات على تسجيل الناخبين وتشجيع المشاركة.

كما تتركز أعداد كبيرة منهم في ولايات لها وزن انتخابي مهم، وميشيغان في مقدمتها. ومع ذلك، يتكرر المشهد نفسه في كل موسم انتخابي تقريبًا. عندما تقترب الانتخابات، يتذكر المرشحون ديربورن ومدنًا أخرى ذات حضور عربي واضح. تعقد اللقاءات، وتكثر الزيارات، وتلتقط الصور، وتصدر التصريحات، وتنشط حملات التوعية والتسجيل والتصويت المبكر. ثم تمر الانتخابات، ويهدأ كل شيء.

هنا، في رأيي، تبدأ المشكلة الحقيقية. فالنفوذ السياسي لا يقاس بعدد المرات التي يزور فيها مرشح مطعمًا عربيًا، ولا بعدد الصور التي يلتقطها مع شخصيات من الجالية. النفوذ يبدأ عندما يعرف المسؤول المنتخب أن هناك من سيتذكر ما قاله، وسيتابع ما فعله، وسيحاسبه في الانتخابات التالية. يبدأ عندما لا تكون العلاقة بين الناخب والسياسي موسمية، وعندما يتحول الدعم من حالة عاطفية مؤقتة إلى عمل منظم له ذاكرة وأهداف.

كنت في البداية أميل إلى كتابة هذا المقال انطلاقًا من سؤال: لماذا لا يصوت العرب؟ لكن السؤال بهذه الصيغة غير منصف. كثير من العرب الأميركيين يصوتون، ويعمل بعضهم في الحملات، وهناك ناشطون ومؤسسات يبذلون جهدًا حقيقيًا لزيادة المشاركة. لكنني، في ميشيغان، سمعت أيضًا أسبابًا مختلفة تجعل بعض الناس يبتعدون عن صندوق الاقتراع.

بعضهم يقول إنه محبط. صوت للديمقراطيين في انتخابات سابقة، وانتظر منهم مواقف مختلفة، ثم شعر أنهم خذلوه، خصوصًا في قضايا السياسة الخارجية وما يرتبط بالعرب والمسلمين. بالنسبة إلى هؤلاء، أصبح الامتناع عن التصويت وسيلة للاحتجاج، أو على الأقل تعبيرًا عن رفض منح الصوت مرة أخرى لمن لم يفِ بما كان منتظرًا منه.

من الصعب تجاهل هذا الشعور أو وصفه باللامبالاة. خيبة الناخب الذي شارك ثم شعر أن صوته لم يُسمع حقيقية، لكن المقاطعة بدورها تطرح مشكلة أخرى. عندما لا يذهب الناخب إلى الصندوق، لا يوجد ما يضمن أن السياسي سيفهم الرسالة كما قصدها. قد لا يرى فيها احتجاجًا على موقفه، بل يرى ناخبًا لا يمكن الاعتماد على مشاركته. وبين المعنيين فرق كبير.

ثم إن الإحباط ليس السبب الوحيد. هناك أيضًا، وبصراحة، شيء من الكسل واللامبالاة وضعف المعرفة بالنظام الانتخابي. هناك من يتابع الانتخابات الرئاسية فقط، ولا يعرف الكثير عن الانتخابات التمهيدية أو المحلية. وهناك من يؤجل التسجيل أو التصويت حتى يفوته الموعد، ومن يعتقد أن صوته الفردي لا يمكن أن يصنع فرقًا. العبارة التي تتكرر كثيرًا هي: “وماذا سيفعل صوتي الواحد؟”

لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. عندما يقول شخص واحد إن صوته لا قيمة له، تبدو المسألة بسيطة. وحين يقول الشيء نفسه ألف شخص أو عشرة آلاف، لا نعود نتحدث عن صوت واحد ضائع، بل عن كتلة انتخابية انسحبت بإرادتها من المعادلة. كما أن الانتخابات الأميركية لا تُحسم كلها بفوارق ضخمة، وخصوصًا في المستويات المحلية والتمهيدية حيث يمكن لفارق صغير أن يحدد من يصل أصلًا إلى الانتخابات العامة.

ولذلك فإن الثقافة الانتخابية لا تعني فقط إقناع الناس بالتصويت للرئيس كل أربع سنوات، بل تعريفهم بأن السياسة تبدأ بالقرب من بيوتهم: من مجلس المدرسة والبلدية والانتخابات التمهيدية ومجلس الولاية، قبل أن تصل إلى الكونغرس والبيت الأبيض.

وهذه مسؤولية الناخب، لكنها مسؤولية المؤسسات العربية الأميركية أيضًا. حملات التوعية التي تنشط قبل الانتخابات مهمة، لكنها لا تكفي إذا اختفت بعد إعلان النتائج. لا يمكن بناء قوة سياسية في بضعة أسابيع. المطلوب عمل يستمر بين انتخابات وأخرى، يعرف من سجل للتصويت ومن لم يسجل، ويشرح للشباب كيف يعمل النظام، ويشجعهم على الانخراط في الأحزاب والحملات والخدمة العامة، ويدعم من يريد منهم الترشح للمناصب المحلية قبل أن نبدأ بالبحث عن أسماء عربية عندما يصل السباق إلى الكونغرس.

فوز عبد الرحمن السيد مؤخرًا في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان يعيد هذا النقاش إلى الواجهة. من الطبيعي أن يلفت نجاح مرشح أميركي من أصول مصرية، يحمل اسم عبد الرحمن، اهتمام العرب والمسلمين في ولاية مثل ميشيغان.

لكن أهمية التجربة، بالنسبة إلي، لا تكمن في أن العرب استطاعوا إيصال “مرشح عربي”، لأن السيد لم يفز بأصوات العرب وحدهم أصلًا، ولم يخض حملته بصفته مرشحًا لجالية واحدة. قوته كانت في قدرته على مخاطبة جمهور أوسع حول قضايا الصحة والاقتصاد وتمويل الحملات والسياسة الخارجية، مع احتفاظه بخلفيته وهويته ومواقفه.

وربما يكون هذا جزءًا من الطريق الذي ينبغي التفكير فيه. القوة السياسية للعرب الأميركيين لا تعني أن يصوت العرب للعرب، ولا أن ينغلقوا على أنفسهم في كتلة قومية منفصلة. الأميركي العربي الذي يدخل السياسة يحتاج إلى أصوات العامل غير العربي، والطالب، والأم التي تقلق على تكلفة الرعاية الصحية، والناخب الذي لم يدخل ديربورن في حياته. النجاح الحقيقي هو أن يكون المرشح قادرًا على مخاطبة أميركا كلها من دون أن يضطر في المقابل إلى محو الجزء العربي من هويته.

لكن نجاح شخص هنا أو هناك لا يصنع لوبيًا. لدينا بالفعل عرب أميركيون وصلوا إلى الكونغرس والبلديات ومواقع عامة مؤثرة، ومع ذلك يبقى السؤال: ما المؤسسة التي تبقى بعد الفرد؟ من يكتشف المرشح القادم؟ من يدعمه في بدايته؟ من يجمع له التمويل؟ من يتابع سجله بعد أن يفوز؟ من يتذكر من وعد، ومن أوفى، ومن جاء طالبًا أصوات العرب ثم اختفى بعد الانتخابات؟

ربما أكثر ما يحتاج إليه العرب الأميركيون اليوم هو هذه الذاكرة السياسية. السياسيون لا ينسون بسهولة من موّل حملاتهم، ولا من أحضر الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ولا المجموعة التي يستطيعون الاعتماد عليها أو التي يخشون خسارتها. أما الجالية التي تبدأ علاقاتها السياسية من جديد كل أربع سنوات فستظل، مهما كان حجمها، أقل تأثيرًا من قدرتها الحقيقية.

وهنا أعود إلى جبران ونعيمة والريحاني والمهاجرين الأوائل. لا لأن الماضي كان أفضل بالضرورة، ولا لأن عددًا من الأدباء يستطيع أن يقدم وصفة للعمل السياسي في القرن الحادي والعشرين، وإنما لأن تجربتهم تحمل فكرة بسيطة يصعب تجاهلها: لم ينتظروا أن يصنع الآخرون حضورهم نيابة عنهم. كان عددهم أقل، وأموالهم أقل، وأدواتهم أقل، ومع ذلك بنوا صحافة وروابط ومساحات ثقافية ما زالت آثارها باقية.

اليوم يملك العرب الأميركيون ما لم يكن متاحًا لذلك الجيل. لديهم المال والتعليم والتكنولوجيا والعدد والوصول إلى الإعلام والسياسيين. لديهم أيضًا تنوع هائل؛ فلسطينيون ولبنانيون وسوريون وعراقيون ويمنيون ومصريون وغيرهم، مسلمون ومسيحيون، جمهوريون وديمقراطيون ومستقلون.

وهذا التنوع ليس عيبًا، ولا أعتقد أن المطلوب أن يتحول العرب إلى كتلة تصوت بالطريقة نفسها. لكن التنوع لا يمنع الاتفاق على مصالح أساسية: حماية الحقوق المدنية، مواجهة التمييز، زيادة التمثيل في المؤسسات العامة، دعم الشباب لدخول الحياة السياسية، والمطالبة بأن يُسمع صوت العرب الأميركيين في القضايا الداخلية والخارجية التي تمسهم.

وقد يكون من الخطأ أصلًا انتظار ولادة “لوبي عربي” واحد ضخم. ربما الأنسب هو بناء شبكة سياسية حقيقية من المؤسسات والمانحين والباحثين والناشطين والإعلاميين والمرشحين، تختلف فيما بينها لكنها تعرف متى تتعاون، وتفهم أن التأثير لا يبدأ قبل الانتخابات بشهر ولا ينتهي في الليلة التي تظهر فيها النتائج.

قبل قرن تقريبًا، كان جزء من معركة المهاجر العربي في أميركا أن يثبت أنه موجود. لم تعد هذه مشكلتنا اليوم. العرب موجودون في الجامعات والمستشفيات والشركات والإعلام والبلديات والكونغرس، وأصبحوا جزءًا من النسيج الأميركي نفسه. لكن الوجود الاجتماعي والاقتصادي لا يتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية.

ولهذا لم يعد السؤال الذي يستحق أن نكرره هو: هل للعرب حضور في أميركا؟

الحضور موجود.

السؤال هو: متى نتعلم كيف نحوله إلى نفوذ؟

عندما يعرف المرشح أن الناخب العربي يتذكر، ويتابع، ويمول، ويحاسب، ويعود إلى الصندوق في الانتخابات التالية، لن تكون زيارته لديربورن مجاملة انتخابية. سيأتي لأنه يعرف أن هناك قوة ينبغي أن يتفاوض معها.

وعندها ربما لن نحتاج نحن إلى أن نسأل السياسيين كل أربع سنوات ماذا سيفعلون للعرب.

سيكون عليهم هم أن يسألوا: ماذا يريد العرب الأميركيون، وما ثمن تجاهلهم؟


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع


تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى