تواجه البنية التحتية لمياه الشرب في الولايات المتحدة لحظة فارقة، حيث كشف تقرير لجمعية أعمال المياه الأمريكية عن حاجة البلاد لاستثمارات ضخمة تتراوح بين 2.1 و2.4 تريليون دولار على مدى السنوات الـ 25 القادمة لتحديث الشبكات المتهالكة، وفقًا لما نشرته مجلة “Newsweek“.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تكاليف الصيانة المؤجلة، بل تشير إلى تحديات أعمق تتعلق بكيفية تصميم أنظمة مستقبلية قادرة على الصمود أمام الضغوط البيئية والاقتصادية والسكانية المتغيرة.
وتتجلى خطورة الوضع في إحصائية صادرة عن الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين، تؤكد أن الولايات المتحدة تشهد انفجاراً في أنابيب المياه الرئيسية كل دقيقتين تقريباً، وهو ما يبرز حجم الأزمة التي تفرضها البنية التحتية المتقادمة.
وقد شهد شارع “سانسيت بوليفارد” في ويست هوليوود بكاليفورنيا مثالاً حياً على هذه الأزمة مؤخراً، حيث أدى كسر في خط أنابيب رئيسي بقطر 36 بوصة إلى تدفق آلاف الجالونات من المياه في الشوارع وتشكل حفرة امتصاصية ضخمة (Sinkhole)، مما تطلب تدخل فرق الإصلاح بشكل طارئ.
ويدفع هذا الواقع المخططين والمسؤولين إلى تغيير جذري في استراتيجياتهم، بالانتقال من مجرد التوسع في مرافق المعالجة المركزية التقليدية نحو تبني مفهوم “المرونة التشغيلية” والأنظمة النمطية واللامركزية التي يمكنها التكيف مع تطور المجتمعات.
ويبرز نظام المعالجة اللامركزية كأحد الحلول الواعدة؛ حيث تتيح الأنظمة النمطية نشر قدرات المعالجة بالقرب من مصادر المياه والتوسع فيها تدريجياً مع نمو الطلب. وصرح “أندرو فان هوسن”، الخبير في تقنيات تنقية المياه، أن المستقبل يكمن في بناء أنظمة قادرة على التكيف وحل التحديات التي لم تُصمم البنية التحتية المركزية للتعامل معها.
وأكد “هوسن” أن هذه الأنظمة تتميز بقدرتها على العمل بشكل مستقل عن شبكة الكهرباء التقليدية من خلال دمج الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات، وهو ما يضمن استمرار توفير مياه الشرب حتى أثناء انقطاع التيار الكهربائي أو في حالات الكوارث الطبيعية.
ورغم أن هذه الأنظمة اللامركزية لا تهدف إلى استبدال المحطات المركزية الكبرى، إلا أنها تعمل على تعزيزها ورفع كفاءتها، خاصة في المناطق الريفية أو الساحلية التي تواجه تملح المياه الجوفية، أو المدن سريعة النمو التي يصعب فيها مد بنية تحتية تقليدية بتكاليف باهظة.
ويخلص الخبراء إلى أن التخطيط طويل الأمد يجب أن يوازن بين تكاليف الإنشاء ومرونة النظام وقدرته على العمل لعقود طويلة، لضمان بناء منظومة مياه تستمر في خدمة الناس بغض النظر عن التحديات المستقبلية الطارئة.
