كيف جعل الجمهوريون طريق الديمقراطيين نحو استعادة مجلس النواب أكثر صعوبة؟
أعادت الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون رسم عدد من الدوائر الانتخابية للكونغرس بطريقة من شأنها أن تجعل مهمة الديمقراطيين في استعادة الأغلبية بمجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 أكثر صعوبة، وفق تحليلات انتخابية حديثة.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” تكتسب المعركة أهمية خاصة لأن السيطرة على مجلس النواب ستحدد مدى قدرة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ أجندته خلال العامين الأخيرين من ولايته، أو ما إذا كان سيواجه مجلساً يمتلك صلاحيات رقابية واسعة تشمل التحقيقات وإصدار أوامر الاستدعاء.
ويحتاج الديمقراطيون إلى كسب ثلاثة مقاعد إضافية فقط للسيطرة على المجلس، بافتراض عودة المقاعد الشاغرة إلى الأحزاب التي كانت تشغلها سابقاً، إلا أن إعادة رسم الدوائر رفعت سقف التحدي أمامهم بشكل ملحوظ.
ارتفاع العتبة المطلوبة للفوز
تشير البيانات إلى أنه قبل موجة إعادة تقسيم الدوائر الأخيرة، كان يكفي للديمقراطيين أن يتفوقوا على نتائج مرشحتهم الرئاسية السابقة كامالا هاريس في انتخابات 2024 بنحو 3.1 نقاط مئوية لتحقيق أغلبية مجلس النواب.
أما بعد الخرائط الجديدة، فأصبحوا بحاجة إلى تحقيق تقدم يبلغ 4.9 نقاط مئوية، أي بزيادة تقارب نقطتين كاملتين مقارنة بما كان مطلوباً سابقاً.
وبمعنى آخر، منحت عمليات إعادة تقسيم الدوائر أفضلية إضافية للحزب الجمهوري على المستوى الوطني تعادل نحو نقطتين مئويتين في السباق على مقاعد المجلس.
ورغم ذلك، لا تزال استطلاعات الرأي تمنح الديمقراطيين تقدماً يقارب ست نقاط مئوية في الاقتراع العام للكونغرس، ما يبقي المنافسة مفتوحة.
كيف بدأت المعركة؟
بدأت موجة إعادة تقسيم الدوائر الجديدة عندما شجع الرئيس ترامب ولاية تكساس على إعادة رسم خرائطها الانتخابية قبل موعدها المعتاد، قبل أن تتوسع العملية إلى ولايات أخرى بهدف تعزيز فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالأغلبية.
وساهم حكم صادر عن المحكمة العليا في أبريل الماضي في تسريع هذه الجهود، بعدما عزز من قدرة الولايات على الدفاع عن خرائط انتخابية مثيرة للجدل عبر الاستناد إلى اعتبارات حزبية، حتى في مواجهة اتهامات بإضعاف القوة التصويتية للناخبين السود.
وأدى ذلك إلى فتح المجال أمام ولايات مثل لويزيانا وألاباما وتينيسي لإعادة رسم دوائر انتخابية كان الناخبون السود يشكلون فيها قاعدة انتخابية مؤثرة، بينما كانت فلوريدا قد اتخذت خطوات مماثلة في وقت سابق.
في المقابل، حاول الديمقراطيون الحد من المكاسب الجمهورية عبر دعم مبادرات لإعادة رسم الدوائر في ولايات مثل كاليفورنيا وفرجينيا، إلا أن المحكمة العليا في فرجينيا أبطلت إحدى أهم هذه المحاولات.
خسارة محتملة لعدد من الدوائر
تظهر التقديرات أن كامالا هاريس كانت قد فازت في 205 دوائر انتخابية وفق الخرائط السابقة، لكن العدد ينخفض إلى 200 دائرة فقط بموجب الخرائط الجديدة.
ولأن الأغلبية في مجلس النواب تتطلب الفوز بـ218 مقعداً، فإن الديمقراطيين سيحتاجون إلى تحقيق مكاسب إضافية لتعويض هذا التراجع.
كما أن الولايات العشر التي شهدت إعادة تقسيم للدوائر كانت تضم في انتخابات 2024 نحو 80 مقعداً ديمقراطياً مقابل 101 مقعد جمهوري، وتشير الحسابات إلى أن الديمقراطيين سيحتاجون إلى تجاوز نتائجهم السابقة بأكثر من 10 نقاط مئوية للحفاظ على هذا التوازن نفسه.
هل يعد ذلك انحيازاً تاريخياً؟
يرى خبراء قانونيون أن الوضع الحالي يمنح الجمهوريين أفضلية واضحة، لكنه لا يصل إلى مستوى الانحياز الذي شهدته الولايات المتحدة بعد انتخابات عام 2010.
ويشير أستاذ القانون بجامعة هارفارد نيكولاس ستيفانوبولوس إلى أن الخرائط الحالية أقل حدة من الخرائط التي رسمها الجمهوريون قبل أكثر من عقد، عندما واجه الديمقراطيون صعوبة أكبر في تعويض آثار إعادة تقسيم الدوائر.
ففي انتخابات 2012، كان الديمقراطيون بحاجة إلى الفوز بالتصويت الشعبي الوطني بفارق 5.6 نقاط مئوية للسيطرة على مجلس النواب، رغم فوز باراك أوباما بالرئاسة بفارق يقارب أربع نقاط على مستوى البلاد.
تراجع عدد الدوائر المتأرجحة
من أبرز نتائج الخرائط الجديدة تقليص عدد الدوائر الانتخابية المعتدلة أو المتأرجحة، ما قد يؤدي إلى انخفاض عدد النواب الوسطيين في الكونغرس.
وأصبحت دوائر عدد من النواب الديمقراطيين الذين فازوا سابقاً في مناطق صوتت لترامب أكثر ميلاً للجمهوريين، ومن بينهم دون ديفيس في كارولينا الشمالية، ومارسي كابتور في أوهايو، وهنري كويلار وفيسنتي غونزاليس في تكساس.
في المقابل، نقلت كاليفورنيا اثنين من النواب الديمقراطيين من دوائر مؤيدة لترامب إلى دوائر ذات أغلبية ديمقراطية أكثر أماناً.
خيارات صعبة أمام النواب
وضعت الخرائط الجديدة بعض أعضاء الكونغرس أمام ثلاثة خيارات رئيسية: التقاعد السياسي، أو الانتقال إلى دوائر أخرى، أو خوض معارك انتخابية أكثر صعوبة.
ففي ولاية تينيسي، اختار النائب الديمقراطي ستيف كوهين عدم الترشح مجدداً بعدما تحولت دائرته الانتخابية إلى دائرة أقل دعماً للديمقراطيين، إثر خفض نسبة السكان السود المؤهلين للتصويت فيها من أكثر من 60 في المئة إلى نحو 32 في المئة.
أما النائبة الديمقراطية ديبي واسرمان شولتز في فلوريدا فقررت الترشح في دائرة جديدة تختلف جذرياً عن دائرتها السابقة، بينما تستعد النائبة الديمقراطية كليو فيلدز في لويزيانا لخوض معركة صعبة في دائرة صوّتت لترامب بفارق كبير.
معارك قضائية مستمرة
لا تزال بعض الخرائط الانتخابية تواجه تحديات قانونية، إذ وافقت المحكمة العليا مؤخراً على طلب ولاية ألاباما استخدام خريطة انتخابية كانت محكمة أدنى قد اعتبرت أنها تتعمد التمييز ضد الناخبين السود.
وفي فلوريدا، رفض قاضٍ وقف العمل بالخريطة الجديدة، معتبراً أن الأدلة المقدمة لا تثبت وجود نية حزبية مخالفة للقانون.
تأثير يتجاوز انتخابات 2026
ورغم أن الديمقراطيين ما زالوا قادرين على استعادة مجلس النواب إذا حافظوا على تقدمهم الحالي في استطلاعات الرأي، فإن الخرائط الجديدة قد تقلص حجم أي أغلبية يحققونها.
ويحذر خبراء من أن التأثير الأكبر قد يظهر في انتخابات 2028، إذ إن أي فوز ديمقراطي محدود في التصويت الشعبي قد لا يكون كافياً لترجمته إلى أغلبية في مجلس النواب بسبب الأفضلية الهيكلية التي وفرتها عمليات إعادة تقسيم الدوائر للجمهوريين.
وفي النهاية، تبقى عوامل مثل جودة المرشحين، وحجم المشاركة الشعبية، والتمويل الانتخابي، والفضائح السياسية، والمزاج العام للناخبين عناصر حاسمة في تحديد النتائج، إلا أن إعادة رسم الدوائر الانتخابية منحت الجمهوريين نقطة انطلاق أكثر قوة في السباق نحو السيطرة على مجلس النواب.



