لا يمكنها إشعال المنطقة دون موافقته.. خبراء يشككون في نفي ترامب علمه باستهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني

عبر خبراء ومسؤولون عن شكوكهم في صحة نفي الرئيس دونالد ترامب علمه المسبق بالهجوم الإسرائيلي الذي استهدف حقل “بارس الجنوبي” الإيراني، مشيرين إلى أن ضربة بهذا الحجم، في منشأة تمثل قلب أمن الطاقة الإيراني والخليجي، لا يمكن أن تتم من دون موافقة مباشرة من واشنطن.
وجاءت تصريحات ترامب بعد ساعات من التصعيد العسكري الذي طال أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، إذ أكد في منشور له على منصته “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة لم تكن على علم بالضربة الإسرائيلية التي استهدفت جزءًا من الحقل الواقع في منطقة عسلوية جنوب إيران، مشددًا على أن قطر أيضًا لم تكن طرفًا في الهجوم أو على دراية به وفقًا لشبكة NBC News
اعتراف غير مباشر
لكن هذا النفي الأمريكي لم يصمد طويلًا أمام ما كشفته تقارير صحفية نقلت عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين تأكيدهم أن العملية نُفذت بتنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية، وفقًا لموقع “أكسيوس“.
وقال ترامب إن إسرائيل لن تستهدف الحقل مجددًا إلا إذا عادت إيران لمهاجمة منشآت الغاز القطرية، مهددًا بأنه في حال تكرار ذلك فإن الولايات المتحدة “ستفجر الحقل بالكامل بقوة لم تشهدها إيران من قبل”، في تهديد اعتبره مراقبون اعترافًا غير مباشر بأهمية الحقل في معادلة الردع الجديدة.
ويعد حقل “بارس الجنوبي” أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وتتقاسمه إيران وقطر، بينما يعرف الجزء القطري منه باسم “حقل الشمال”، ويمثل المصدر الأهم للغاز الإيراني، إذ يوفر ما بين 70 و80 بالمئة من احتياجات البلاد، كما يغذي قطاعات الكهرباء والصناعة والتدفئة، ما يجعل استهدافه انتقالًا واضحًا من ضرب الأهداف العسكرية إلى استهداف البنية الاقتصادية الحيوية.
الهجوم الإسرائيلي الذي وقع الأربعاء طال منشآت غاز في عسلوية، وذكرت وكالة “فارس” الإيرانية أن القصف أصاب خزانات ومرافق تشغيلية داخل مصافي المنطقة، بينها مراحل من الثالثة إلى السادسة، مع سماع انفجارات قوية في محيط الحقل.
تنسيق مشترك
وفي الوقت نفسه، قالت تقارير إعلامية إن الضربة لم تكن قرارًا إسرائيليًا منفردًا. فقد نقلت مصادر أمريكية وإسرائيلية أن الهجوم تم بتنسيق مباشر مع واشنطن، وأكد مسؤول إسرائيلي أن العملية نُفذت بعد موافقة مسبقة، بينما تحدث مسؤول أمريكي عن تنسيق واضح بين الجانبين.
كما ذكرت تقارير أن الرئيس ترامب كان مطلعًا على تفاصيل الضربة قبل تنفيذها، وهو ما يناقض تمامًا روايته العلنية التي قال فيها إن الولايات المتحدة “لا تعلم شيئًا” عن الهجوم.
هذا التناقض فتح الباب أمام موجة من التشكيك لدى العديد من الخبراء الذين استطلعت “الجزيرة” آراءهم. فقد رأى أستاذ دراسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن استهداف حقل بهذا الحجم لا يمكن اعتباره عملية معزولة أو قرارًا إسرائيليًا مستقلًا، خاصة أن الحقل يمثل امتدادًا مباشرًا للحقل القطري، وأي ضرر فيه ينعكس تلقائيًا على أمن الطاقة في الخليج.
وأوضح الزويري أن قطر تعرضت خلال العامين الأخيرين لارتدادات مباشرة مرتبطة بالحرب، معتبرًا أن تكرار نفي واشنطن علمها المسبق في كل مرة يثير تساؤلات جدية حول مصداقية الشراكة الأمريكية مع حلفائها في المنطقة.
وأضاف أن استهداف منشآت الطاقة بهذا الشكل يعني أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف أمني واقتصادي، ولم تعد محصورة في العمليات العسكرية التقليدية.
ضرورة موافقة ترامب
ومن زاوية أخرى، اعتبر خبراء أمنيون أن نفي ترامب قد يكون محاولة لتقليل احتمالات الرد الإيراني على منشآت الحلفاء الخليجيين، لأن إعلان المعرفة المسبقة يعني تحميل واشنطن مسؤولية مباشرة عن توسيع دائرة الحرب.
لكن هذا التفسير لا يقنع كثيرًا من المتابعين، إذ يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمود يزبك أن إسرائيل لا تستطيع تنفيذ ضربة بهذا الحجم من دون موافقة شخصية من ترامب، مؤكدًا أن استهداف منشأة بحجم “بارس الجنوبي” ليس مجرد عملية ميدانية، بل قرار سياسي استراتيجي له تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
وقال إن ما جرى يمثل تطورًا قد يشعل المنطقة بأكملها، لأن ضرب منشآت الطاقة لا يهدد إيران وحدها، بل يضع الاقتصاد العالمي كله أمام مخاطر كبيرة، خاصة في ظل حساسية أسواق النفط والغاز.
وأضاف أن ما حدث يعكس تحولًا في أهداف الحرب، حيث انتقلت من استهداف مواقع عسكرية وأمنية إلى ضرب منشآت اقتصادية تمثل عصب الدولة الإيرانية.
تغير واضح
وفي الاتجاه نفسه، أشار خبراء إلى أن الولايات المتحدة كانت حتى وقت قريب تتحفظ على ضرب منشآت النفط والغاز الإيرانية خوفًا من ارتفاع الأسعار عالميًا، وكان ترامب نفسه قد أبدى في وقت سابق تحفظًا على استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، خشية تأثير ذلك على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
لكن الهجوم الأخير أظهر تغيرًا واضحًا، إذ أصبحت منشآت الطاقة جزءًا من أدوات الضغط الجديدة، عبر تنفيذ إسرائيلي وتنسيق أمريكي.
وتعزز هذا الفهم مع ما نقلته تقارير عن مسؤولين أكدوا أن الهدف من الضربة كان توجيه رسالة مباشرة لإيران مفادها أن استمرار تهديد الملاحة أو إمدادات الطاقة سيقابله استهداف مباشر لقدراتها الإنتاجية.
غضب قطري
الرد الإيراني لم يتأخر كثيرًا، إذ أعلنت قطر لاحقًا تعرض منشآت رئيسية في مدينة رأس لفان الصناعية لهجوم صاروخي أدى إلى حرائق وأضرار جسيمة، ووصفت الدوحة ما جرى بأنه تصعيد خطير وانتهاك واضح للسيادة.
وأثار هذا الرد غضبًا قطريًا واضحًا، حيث نقلت شبكة NBC News عن مسؤول قطري رفيع أن الدوحة غاضبة ليس فقط من إيران، بل أيضًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن الحرب التي قيل إنها تهدف إلى حماية تدفقات الطاقة انتهت إلى استهداف منشآت الغاز في الخليج نفسه.
وأكد المسؤول القطري أن ادعاء ترامب بعدم معرفة الضربة الإسرائيلية لا يتوافق مع ما تعرفه الدوحة عن خلفيات العملية.
حرب الطاقة
ويرى محللون أن استهداف حقل “بارس الجنوبي” ثم الرد على رأس لفان يؤكدان أن الحرب دخلت فعليًا مرحلة “حرب الطاقة”، حيث أصبحت منشآت الغاز والنفط أهدافًا مباشرة في معادلة الرد المتبادل.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو رواية ترامب محل تشكيك متزايد، خصوصًا أن حجم الضربة وتوقيتها وطبيعة الهدف المختار كلها مؤشرات تجعل من الصعب فصل القرار الإسرائيلي عن الغطاء الأمريكي، في وقت يرى فيه كثيرون أن إسرائيل لا يمكنها إشعال المنطقة بهذا المستوى من التصعيد دون ضوء أخضر واضح من واشنطن.



