أخباررأي

لاهوت الحرب: خطورة تحويل صراع الشرق الأوسط من السياسي إلى الديني

في خضمّ التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، تعود إلى الواجهة تصريحات مثيرة للجدل أطلقها السناتور الجمهوري ليندسي غراهام Lindsey Graham، قال فيها إن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم هي “حرب دينية” ستحدد مستقبل الشرق الأوسط لآلاف السنين.

وقبل ذلك، كان السفير الأمريكي لدى إسرائيل (مايك هاكابي) Mike Huckabee قد صرّح بأن من الجيد أن تحصل إسرائيل على “قطعة الأرض من الفرات إلى النيل”، في إشارة توراتية تُحيل إلى تصور جغرافي يشمل معظم المشرق العربي.

هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد زلات لسان؛ إنها تعكس تحوّلاً خطيراً في طبيعة السردية السياسية، وتنقل الصراع من كونه نزاعاً سياسياً – قانونياً، إلى إطار لاهوتي مغلق يمنح الحرب شرعية مطلقة ويخرجها من نطاق التفاوض والمصالح إلى فضاء العقائد.

ليلى الحسيني

من السياسة إلى اللاهوت (تغيير قواعد اللعبة)

لطالما كان الصراع، رغم تعقيداته، قابلاً للقراءة في سياق الجغرافيا السياسية: احتلال، حدود، وأمن. غير أن توصيفه كـ “حرب دينية” يعني أن الخصم ليس دولة يمكن التفاهم معها، بل “عقيدة” يجب اجتثاثها.

عندما يتحدث غراهام عن الخصوم بوصفهم تجسيداً للشر المطلق، فهو يتبنى مقاربة تبسيطية تخلط بين شعوب وتيارات متباينة، مما يعيد إلى الأذهان أطروحات “صدام الحضارات” لكن في سياق أكثر دموية، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة مع صعود الشعبويات الدينية شرقاً وغرباً.

من الفرات إلى النيل – تآكل مرجعية الدولة والقانون الدولي

الإشارة إلى “من الفرات إلى النيل” ليست مجرد استدعاء لنص ديني، بل هي إعلان وفاة للنظام الدولي القائم على سيادة الدول وحدودها المعترف بها. تحويل النص التوراتي إلى برنامج سياسي في القرن الحادي والعشرين يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط المنطقة على أسس غيبية.

إن خطورة هذا الخطاب تكمن في أنه ينسف المبدأ الأساسي للأمم المتحدة: عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. فعندما يصبح التوسع “وعداً إلهياً”، تصبح الحدود الدولية مجرد خطوط مؤقتة أمام “الحق المقدّس”، مما يشرعن فوضى جيو-دينية لا تنتهي.

مفارقة الحرب على التطرف

المفارقة الكبرى هي أن الولايات المتحدة أعلنت لعقود أن حربها على الإرهاب لا على الأديان. لكن عندما يُعاد توصيف الصراع بأنه ديني، فإن هذا التفريق يتلاشى.

إن أخطر ما في خطاب “الحرب الدينية” أنه يمنح الجماعات المتطرفة ما تريده تماماً: الاعتراف بسرديتها. فهذه الجماعات طالما قدّمت نفسها في مواجهة “حرب صليبية”، وعندما يصدر هذا الخطاب من مسؤولين غربيين، فإنه يكرّس هذه الثنائية ويغذي ماكينة التجنيد، مما يجعل من يدّعي محاربة التطرف هو نفسه من يوفر له الوقود الفكري.

مستقبل معاهدات السلام في مهب الريح

هذا التأطير الديني يضع معاهدات السلام القائمة والمستقبلية في مأزق وجودي. فكيف يمكن لدول المنطقة بناء “سلام مستدام” مع طرف يرى قادته أن وجودهم محكوم بضرورات لاهوتية توسعية لا تقبل الحلول الوسط؟ إن تحويل إسرائيل في الوعي الجمعي من دولة احتلال (يمكن التفاوض معها سياسياً) إلى مشروع عقدي استئصالي يضعف القوى المؤمنة بالدبلوماسية، ويجعل أي تقارب سياسي يبدو وكأنه “تنازل عن العقيدة” لا مجرد تسوية جغرافية، مما يعني وأد أي أمل في الاستقرار قبل ولادته.

 مسؤولية الخطاب وصناعة الواقع

الخطاب يصنع الواقع بقدر ما يصفه. والقول إن نتيجة هذه الحرب ستحدد مستقبل المنطقة لآلاف السنين ينطوي على نزعة قدرية خطيرة.

فالشرق الأوسط ليس ساحة فارغة تنتظر من “يفوز” ليعيد تشكيلها وفق رؤيته اللاهوتية؛ بل هو فضاء متعدد الهويات، وأي محاولة لفرض تصور أحادي عليه ستؤدي إلى دورات لا تنتهي من العنف.

إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها تنقلنا من مساحة السياسة القابلة للتفاوض إلى مساحة العقيدة غير القابلة للتنازل. وبينما يُصوَّر الصراع كمعركة بين “خير وشر”، تُهمَّش الأسئلة الجوهرية: الحقوق، العدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

الحروب الدينية لا تنتهي باتفاقيات سلام، بل تستمر في الوعي الجمعي لأجيال. وإذا كان هناك ما سيحدد مستقبل المنطقة حقاً، فلن يكون وعوداً توراتية أو خطابات تعبوية، بل قدرة الأطراف على إعادة الصراع إلى إطاره الإنساني والسياسي، بعيداً عن منطق “النار المقدسة” التي لا تبقي ولا تذر.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع


تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى