من المقرر أن يجتمع الرئيس دونالد ترامب ونطيره الروسي فلاديمير بوتن في ألاسكا غدًا الجمعة لمناقشة إمكانية تحقيق السلام في أوكرانيا بعد حرب استمرت أكثر من ثلاث سنوات ونصف.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” فقد سبق لترامب وبوتين أن التقيا عدة مرات، ولكن ربما سيكون هذا اللقاء هو الأكثر أهمية بالنظر إلى الآمال المعلقة عليه في تحقيق تقدم ملموس بشأن الأزمة الأوكرانية.
وصرّح ترامب أمس الأربعاء بأن على بوتين الموافقة على وقف إطلاق النار وإلا سيواجه “عواقب وخيمة”. ووصف ترامب اللقاء بأنه “اجتماع استطلاعي” لمعرفة ما يستعد بوتن لتقديمه، ومدى جديته في صنع السلام.
لكنّه أبلغ أيضاً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقادة الأوروبيين أنه يأمل أن يوافق بوتن على وقف إطلاق النار، ومن الأفضل أن يوافق على اجتماع متابعة يضم زيلينسكي. وأكد البيت الأبيض، اليوم الخميس، أن ترامب وبوتين سيعقدان مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا بعد اجتماع الجمعة في ألاسكا.
وإليكم ما يجب أن تعرفوه عن اللقاء بين ترامب وبوتين، والذي يعد أول لقاء قمة بينهما منذ أربع سنوات:
لماذا يلتقي ترامب وبوتين؟
وفقًا لوكالة “أسوشيتد برس” ستكون هذه أول زيارة لبوتين إلى الولايات المتحدة منذ عام 2015 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ولأن الولايات المتحدة ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت عام 2023 مذكرة توقيف بحق بوتين بتهم ارتكاب جرائم حرب، فهي غير مُلزمة باعتقاله.
وطُرحت إمكانية عقد قمة رئاسية بين الطرفين خلال اجتماع عُقد يوم الأربعاء قبل الماضي بين بوتين ومبعوث ترامب ستيف ويتكوف. ويوم الجمعة الماضي أعلن ترامب أن القمة ستُعقد في ألاسكا.
وجاء هذا الإعلان في الوقت الذي انتهت فيه المهلة التي حددها ترامب لوقف إطلاق النار أو فرض عقوبات على بوتين، حيث قرر ترامب تعليق العقوبات انتظارًا لما ستسفر عنه القمة.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو: “يشعر الرئيس بأنه يجب أن ينظر إلى هذا الرجل الجالس على الجانب الآخر من الطاولة… أريد أن أنظر في عينيه. أعتقد أننا سنعرف مبكرًا جدًا في هذا الاجتماع ما إذا كانت هناك أي فرصة للنجاح أم لا”.
وأعرب المسؤولون الأوروبيون والأوكرانيون عن قلقهم من أن يقف ترامب إلى جانب بوتن في الاجتماع ويضغط على زيلينسكي لتقديم تنازلات كبيرة.
متى سيكون اللقاء؟
من المقرر أن تعقد القمة بين ترامب وبوتين غدًا الجمعة 15 أغسطس، وقال الكرملين إنها ستبدأ في حوالي الساعة 11:30 صباحا (1930 بتوقيت جرينتش، 3:30 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، على الرغم من أن البيت الأبيض لم يؤكد بعد التفاصيل اللوجستية حول اللقاء.
وبحسب الكرملين، فإن الزيارة ستتضمن اجتماعا فرديا فقط مع الرؤساء ومترجميهم، واجتماعا أوسع مع وفودهم. وقال ترامب إنه سيتصل بزيلينسكي وعدد من الزعماء الأوروبيين بعد انتهاء اللقاء لاطلاعهم على التطورات.
أين سيكون اللقاء؟
تُعقد القمة الأمريكية الروسية في ألاسكا في المكان الذي يلتقي فيه الشرق بالغرب ــ حرفيا ــ في مكان مألوف لكلا البلدين باعتباره خط المواجهة في الحرب الباردة للدفاع الصاروخي ومواقع الرادار وجمع المعلومات الاستخباراتية.
ومن المتوقع أن يجتمع الرئيسان في قاعدة إلمندورف ريتشاردسون العسكرية خارج أنكوريج في ألاسكا. ورغم أن ترامب أخطأ مرتين خلال المؤتمر الصحفي يوم الاثنين عندما قال إنه ذاهب إلى روسيا، فإن بوتن سوف يزور الأراضي الأميركية بالتأكيد.
وستكون هذه الزيارة الأولى التي يقوم بها زعيم روسي إلى ألاسكا، على الرغم من أنها كانت جزءا من الإمبراطورية القيصرية حتى عام 1867.
واستعمرت روسيا ألاسكا ابتداءً من القرن الثامن عشر حتى باعها القيصر ألكسندر الثاني للولايات المتحدة عام 1867 مقابل 7.2 مليون دولار. وعندما اكتُشفت مواردها الهائلة، اعتبرها الروس صفقةً ساذجةً أثارت الندم.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت ألاسكا مثار حنين ونكات لدى الروس. ومن الأغاني الشعبية في التسعينيات: “لا تتظاهري بالحمق يا أمريكا… أعيدي لنا أرض ألاسكا العزيزة”.
وقال سام جرين من كلية كينجز لندن إن رمزية ألاسكا كموقع لقمة حول أوكرانيا كانت “مروعة – وكأنها مصممة لإظهار أن الحدود يمكن أن تتغير، والأرض يمكن شراؤها وبيعها”.
ما الذي سيناقشه الزعيمان؟
سيناقش الزعيمان شروط اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا، مع أن ترامب صرّح بأن روسيا وأوكرانيا وحدهما المخوّلتان بإبرام أي اتفاقيات نهائية. كما أشارت موسكو إلى أن ضبط الأسلحة والتعاون الاقتصادي قد يكونان على جدول الأعمال.
ووافقت كييف على وقف إطلاق النار، وأصرّت على الهدنة كخطوة أولى نحو السلام. وقدمت موسكو شروطًا لوقف إطلاق النار غير مقبولة بالنسبة لزيلينسكي، مثل سحب القوات من المناطق الأربع التي ضمتها روسيا بشكل غير قانوني عام 2022، ووقف جهود التعبئة، أو تجميد شحنات الأسلحة الغربية. ومن أجل سلام أوسع نطاقًا، يطالب بوتين كييف بالتنازل عن المناطق التي ضمتها، رغم أن روسيا لا تسيطر عليها بالكامل، وعن شبه جزيرة القرم، والتخلي عن مساعي الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقييد حجم قواتها المسلحة، والاعتراف بالروسية لغة رسمية إلى جانب الأوكرانية.
ويصر زيلينسكي على أن أي اتفاق سلام يجب أن يتضمن ضمانات أمنية قوية لحماية أوكرانيا من العدوان الروسي المستقبلي.
حذّر بوتن أوكرانيا من أنها ستواجه ظروفًا أكثر صعوبة لتحقيق السلام مع توغل القوات الروسية في مناطق أخرى لبناء ما وصفه بـ”المنطقة العازلة”. وأشار بعض المراقبين إلى أن روسيا قد تقايض هذه المكاسب الأخيرة بأراضٍ خاضعة للسيطرة الأوكرانية في المناطق الأربع التي ضمتها موسكو.
وقال زيلينسكي يوم السبت إن “الأوكرانيين لن يسلموا أرضهم للمحتل”. لكن ترامب قال يوم الاثنين: “سيكون هناك تبادل للأراضي. أعلم ذلك من خلال روسيا ومن خلال محادثات مع الجميع. لمصلحة أوكرانيا. أمور جيدة، وليست سيئة. وأيضًا، بعض الأمور السيئة لكليهما”.
وصرح زيلينسكي يوم الثلاثاء أن بوتين يريد من أوكرانيا الانسحاب من الـ 30% المتبقية من منطقة دونيتسك التي لا تزال تسيطر عليها، كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو اقتراح رفضته أوكرانيا رفضًا قاطعًا. وأضاف أن كييف لن تتنازل عن الأراضي التي تسيطر عليها، معتبرًا أن ذلك سيكون غير دستوري ولن يكون سوى منصة انطلاق لغزو روسي مستقبلي.
وقال إن المناقشات التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب لم تعالج المطالب الأوكرانية الرئيسية، بما في ذلك الضمانات الأمنية لمنع العدوان الروسي في المستقبل وإشراك أوروبا في المفاوضات.
هل يشارك زيلينسكي؟
وفقًا لوكالة “أسوشيتد برس” فقد أكد البلدان عقد اجتماع بين بوتين وترامب فقط، على الرغم من التلميحات الأولية إلى احتمال مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ولطالما اعترض الكرملين على لقاء بوتين بزيلينسكي، على الأقل حتى يتوصل الطرفان إلى اتفاق سلام ويكون جاهزًا للتوقيع.
وصرح بوتين الأسبوع الماضي بأنه لا يعارض لقاء زيلينسكي، لكنه قال إن “هناك حاجة إلى تهيئة ظروف معينة، وهي لا تزال بعيدة المنال”.
وأثار ذلك مخاوف بشأن استبعاد أوكرانيا من المفاوضات. وأكدت كييف وحلفاؤها الأوروبيون أن السلام لا يمكن تحقيقه دون مشاركة كييف.
وكان زيلينسكي في برلين لحضور اجتماعات افتراضية يوم الأربعاء مع ترامب وزعماء أوروبيين في محاولة لضمان سماع صوت أوكرانيا وحلفائها قبل القمة.
وقال الرئيس الأوكراني للمجموعة إن بوتين “يُخادع” بشأن قوته العسكرية وفعالية العقوبات، و”يحاول الضغط على جميع قطاعات الجبهة الأوكرانية” لإظهار أن روسيا “قادرة على احتلال كامل أوكرانيا”. وأضاف زيلينسكي أن العقوبات في الواقع “تُلحق ضررًا بالغًا باقتصاد الحرب الروسي”. كما التقى زيلينسكي برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن يوم الخميس.
ما هي التوقعات؟
قال ترامب يوم الأربعاء إنه ستكون هناك “عواقب وخيمة للغاية” لم يحددها إذا لم يوافق بوتين على وقف الحرب بعد القمة.
ويرى بوتن أن الاجتماع مع ترامب يمثل فرصة لتعزيز المكاسب الإقليمية لروسيا، وإبقاء أوكرانيا خارج حلف شمال الأطلسي ومنعها من استضافة أي قوات غربية حتى تتمكن موسكو من سحب البلاد تدريجيا إلى مدارها.
ويعتقد أن الوقت في صالحه بينما تكافح القوات الأوكرانية لوقف التقدم الروسي على طول الجبهة وسط أسراب من الصواريخ والطائرات بدون طيار التي تمتلكها موسكو.
ويُمثل هذا الاجتماع نقلة دبلوماسية لبوتين، الذي أصبح معزولًا منذ الغزو. سعى الكرملين إلى تصوير تجدد الاتصالات الأمريكية على أنه قوتان عظميان تسعيان إلى حل مشاكل عالمية متنوعة، وأوكرانيا إحداهما فقط.
وتشعر أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون بالقلق من أن القمة بدون كييف قد تسمح لبوتن بالحصول على ترامب إلى جانبه وإجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات.
قال زيلينسكي: “أي قرارات لا تخدم أوكرانيا هي في الوقت نفسه قرارات ضد السلام. لن تُحقق شيئًا. هذه قرارات ميتة، ولن تُجدي نفعًا أبدًا”.
وأكد مسؤولون أوروبيون ذلك. حيث قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: “في سعينا نحو سلام مستدام وعادل، فإن القانون الدولي واضح: جميع الأراضي المحتلة مؤقتًا تابعة لأوكرانيا”. وأضافت: “السلام المستدام يعني أيضًا عدم جواز مكافأة العدوان”.
بينما قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يوم الأحد إنه يعتقد أن ترامب “يتأكد من أن بوتين جاد، وإذا لم يكن كذلك فإن الأمر سيتوقف عند هذا الحد”. وأضاف: “إذا كان جادًا، فمن يوم الجمعة فصاعدًا، ستستمر العملية. أوكرانيا تتدخل، والأوروبيون يتدخلون”.
وقال الكرملين إن بوتن تحدث منذ الأسبوع الماضي مع الزعيم الصيني شي جين بينج، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، بالإضافة إلى زعماء جنوب أفريقيا وكازاخستان وأوزبكستان وبيلاروسيا وقيرغيزستان.
وقال المحلل المؤيد للكرملين، سيرجي ماركوف، إن ذلك يوحي بأن بوتين ربما أراد إطلاع أهم حلفاء روسيا على تسوية محتملة. كما التقى بوتين كبار المسؤولين الحكوميين عشية القمة.
متى كان آخر لقاء بين ترامب وبوتين؟
وفقًا لموقع “أكسيوس” فقد عقد ترامب وبوتين عدة اجتماعات خلال فترة ترامب الأولى، لكنهما لم يتحدثا إلا عبر الهاتف منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وكان آخر لقاء بينهما في عام 2019 خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان، حيث طلب ترامب من بوتن مازحًا عدم التدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
وقبل ذلك، التقيا في هلسنكي في عام 2018 في قمة ثنائية استمرت لأكثر من ساعتين. ووصف النقاد هذا الاجتماع بأنه مهين لترامب لأن الرئيس قبل ادعاء بوتن بأن روسيا لم تتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 دون أي معارضة.
وكان من المقرر أن يلتقي ترامب وبوتين خلال قمة مجموعة العشرين في بوينس آيرس عام 2018، لكن ترامب ألغى اللقاء قبل يومين بعد استيلاء روسيا على سفن أوكرانية. ويُقال إنهما أجريا محادثة غير رسمية خلال القمة.
متى التقى ترامب وبوتين لأول مرة؟
التقى ترامب وبوتين لأول مرة في قمة مجموعة العشرين في هامبورغ بألمانيا، في يوليو 2017. واستمر الاجتماع أكثر من ساعتين على الرغم من أنه كان من المقرر أن يستمر 30 دقيقة.
وأشارت تقارير متعددة في ذلك الوقت إلى أن ترامب عقد اجتماع عشاء منفصلاً مع بوتن بحضور مترجم روسي فقط.
وفي وقت لاحق من عام 2017، أجرى الرجلان محادثة غير رسمية على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في فيتنام.




