الراديوفن وثقافة

قصة نجاح الكاتبة والناقدة الأدبية الأردنية سميحة خريس

أجرى الحوار: مجدي فكري ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

في الحلقة الجديدة من برنامج “قصة نجاح” عشنا مع رحلة أدبية وإبداعية متميزة في عالم القصة والرواية والنقد الأدبي، مع الكاتبة والناقدة الأدبية الأردنية سميحة خريس، الحاصلة على جائزة كتارا للرواية العربية.

تناول اللقاء بدايتها مع الكتابة في مجال القصة والرواية، ولماذا بدأت بالقصة القصيرة ثم اتجهت إلى الرواية، وسبب ميلها إلى الجوانب التاريخية في الكتابة الأدبية، والأدباء العرب الذين تأثرت بهم، وتأثر تجربتها الإبداعية بتنقلها بين العديد من الدول العربية خلال مراحل تعليمها وعملها المختلفة، كما تطرق اللقاء إلى رأيها حول التجربة الأدبية للمرأة العربية، وأهم الجوائز التي حصلت عليها.

فترة الطفولة
في بداية اللقاء، أشارت الكاتبة والناقدة الأدبية إلى أن اسم عائلتها “خريس” هو نسبة إلى جبل في منطقة عسير، حيث تعود جذور العائلة إلى هناك، قبل أن ينتقلوا ويستوطنوا في بلاد الشام.

ولفتت إلى أن كلمة خريس تعني جرة الماء الصغيرة، قبل أن تنتقل للحديث عن بدايتها في الكتابة، حيث قالت: “بدأت منذ فترة طفولتي والتي كنت فيها دائمة التنقل مع عائلتي إلى خارج عمان، فقد عشت 7 أعوام في عمان ثم بدأت بعدها مرحلة السفر”.

وبالرغم من قصر الفترة التي قضتها في الأردن خلال مرحلة الطفولة، إلا أنها ترى أن السفر والابتعاد عن الأردن جعلها تتمسك به أكثر وبالذكريات التي مرّت بها خلال طفولتها في عمّان وإربد والسلط، وبعد ذلك تشكّلت لديها ذكريات أخرى في الدوحة والخرطوم وغيرهما.

وأضافت أن هذا التنقل ساعدها على اتساع المشهد الذي تنظر من خلاله للناس والمدن والأماكن واختلافاتها ومتغيراتها، كما أن الانتقال منحها فرصة للاطلاع على ثقافات مختلفة، وإن كانت كلها تصب في الثقافة العربية في النهاية.

أسفار وتنقلات
وعن حال المرأة العربية في الدول العربية ومنجزها الأدبي والتحديات التي تقابلها؛ قالت خريس إن ” المرأة العربية ـ كما الرجل العربي ـ عانت بضغوطات ومشكلات وبفترات صعود وانحسار خلال مسيرة نجاحها، ولكن في المجمل فإنها حققت شيئًا جيدًا بعدما انفتحت أمامها فرص التعليم والعمل والحريات، ولكن تراجع بعض الظروف المجتمعية قد تسبب لها بعض الانتكاسات أحيانًا مما يؤثر على مسيرتها”.

ولفتت خريس إلى أنها تنقلت بين عدة دول عربية، كما تنقلت داخل كل دولة، وأشارت على سبيل المثال إلى أن “المرأة العربية في قطر الآن مختلفة تمامًا بعدما قفزت بوضعها قفزات هائلة جدًا، والمرأة في الأردن أيضا ذهبت إلى مدى جيد جدًا وأثبتت حضورها الفاعل، لا سيما في المجتمع الزراعي، وتظل النهضة التي حققتها المرأة في مصر هي التي دفعت أعين المرأة العربية بعيدًا، وأنا أظن أن المرأة في معظم الدول العربية قد حققت هذا التوجه الآن”.

وقالت إنها كانت في شبابها تتمنى أن تظل تتنقل بين البلدان مثل الطائر المُحلّق، ولكنها في مرحلة معينة بدأت تشعر فجأة بالحنين إلى الوطن، وبدأت تحسّ بأن المكان الذي تشعر فيه بالراحة هو الأردن رغم استمتاعها بالأماكن والبلدان التي زارتها.

جائزة كتارا
وعن روايتها “فستق عبيد” التي فازت بجائزة كتارا، قالت: “هذه الرواية هي الجزء الثاني من رواية بابانوس، والتي تناقش مشكلة الرق وبيع البشر في أفريقيا، وكيف تحالف هذا العالم لتحويل الإنسان إلى سلعة، وذلك في محاولة مني لكشف زيف العلاقة بين العالم المتقدم والعالم النامي، وهي رواية تحاول أن تتبع مسيرة فتاة تم خطفها من منطقة دارفور، وتم ترحيلها إلى البرتغال، وحفيدة هذه الفتاة تعود مرة أخرى إلى دارفور أملًا في الحرية التي أيضًا ستجد أن أمامها عوائق كثيرة، وسيتبيّن هذا في رواية بابانوس، ولكن الروايتين منفصلتين تماما، فمن الممكن لشخص أن يقرأ واحدة منهما ويكتفي بها، أو يقرأ الروايتين للنظر إلى المشروع الأدبي بشكل عام”.

وعن فوزها بجائزة كتارا ومدى توقعها لهذا الفوز، قالت: “لا يوجد كاتب يتقدم لجائزة إلا وهو يظن أنه كفؤ للفوز بها، وأنا دائمًا ما أضع في ذهني ألا تفوز، لأن هذه المسألة تخضع للتقييمات التي قد تختلف عن تقييمي الخاص لنفسي أو لمنجزي، ولم أكن أعوّل كثيرًا على فوز فستق عبيد بالجائزة، ولكن هكذا سارت الأمور وفزت والحمد لله”.

وعما أضافته الجائزة لها، قالت: “لا شك أنني ممتنة لكل فوز أو تكريم يقدّر عملي ويكرّمني، وإن كنت أتصور أن الجائزة لا تضيف للكاتب، بل هناك دائمًا كاتب يضيف ويعطي أهمية للجائزة، وبشكل عام فإن الجائزة تُحمّل الكاتب مزيدًا من المسؤولية لأنها تضعها أكثر تحت الأضواء”.

اهتمام لافت بالتاريخ
عادةً ما يستهوي التاريخ الكاتبة سميحة خريس، فنجد أحداثه واضحة في كتاباتها، وعن هذا الملمح تقول: “التاريخ يلفت انتباهي بشدة، ولا بد لكل كاتب أن يهتم بقراءة التاريخ ومعرفته وتحليله والتفكير فيه، لأن الحاضر والمستقبل هما امتداد للتاريخ، وعلى الكاتب التمييز بين أنه كاتب روائي يكتب بفن، وأنه ليس مؤرخًا يكتب وثيقة، فثمة شعرة رفيعة بينهما، وإذا أفلتت من يد الروائي فإن الكتابة تصبح جافة وتخرج من طور الفن إلى طور التوثيق”، وأضافت: “أنا مُحبّة للتاريخ، وأحب تكوين نظرتي الخاصة عن أحداثه وشخوصه”.

تناولت خريس تاريخ الأردن في أكثر من عمل روائي، وفي هذا الصدد قالت: “هذا هو التاريخ الأقرب إلى نفسي، فهو تاريخ أصولي وأجدادي، وبالتالي فإنني مرتبطة بها ارتباطًا معرفيًا ومعنويًا وعاطفيًا، وكان لدي دائمًا إحساس بأن تاريخ الأردن لم يتم تناوله بما يستحق من الكثافة والتركيز”.

“ومثلما رأينا الرواية المصرية التي غاصت كثيرًا في تاريخ مصر، نحن في الأردن لدينا بعض الكتّاب الذين كتبوا عن تاريخ الأردن، مثل هاشم غرايبة وغالب هلسا وزياد قاسم، فهناك من اهتم بذلك، وأنا أظن أنني ابنة هذه المرحلة، فنحن تقريبًا من جيل واحد تنبّه إلى هذا النقص في المكتبة الروائية الأردنية، فذهبنا إلى استكماله”.

عن روايتها “دفاتر الطوفان” التي كانت محطة مهمة جدًا في مسيرتها الروائية، قالت: “تنبع أهمية هذه الرواية من أسلوبها ومن المرحلة التي أردت أن أكتب عنها داخل الرواية، كما أن بها شيء من الحنين والملامة عن مشاريع كان لا بد لها أن تُقَام لكي تنقل المدينة من حالة العطش مثلًا، ولكنها لم تُقَم في النهاية، واللافت في الرواية أن الحديث ليس على لسان راوٍ بشري أو الأشخاص، بل كان السرد يتم على لسان كل الأشياء المادية مثل القطار والأحذية والحرير والحبال”.

من القصة إلى الرواية
كانت بداية سميحة خريس الأدبية مع القصة القصيرة عبر مجموعتها القصصية “مع الأرض”، قبل أن تتجه إلى الرواية، وعن هذا التحول الأدبي قالت: “نشرت مجموعتي القصصية (مع الأرض) في سنّ مبكرة، كأني كنت أبحث عن الأسلوب أو النوع الإبداعي الأكثر تناسبًا مع إمكانياتي الخاص، وكانت تلك المجموعة القصصية أيضًا على تماس مع التاريخ ومع قضية فلسطين والكثير من الرومانسية، لكن سرعان ما وجدت أن الرواية هي الأقرب من أسلوبي ومن نفسي، فالرواية لديها زخم كبير من التفاصيل والأحداث الذي لا تحتمله القصة القصيرة لكونها مركزة ومختصرة”.

من روايات خريس الأخرى نجد “شجرة الفهود” و”تقاسيم الحياة” و”تقاسيم العشق”، عن تلك المؤلفات قالت: “هذه الروايات فيها تتبع لتاريخ الأردن ومجتمعه وتحوله من مجتمع ريفي وزراعي إلى مجتمع مدني، وترصد هذه الروايات التغيرات والاختلافات التي طرأت على مشهد المدينة ومجتمعها وعمرانها، والاختلافات بين مدينتي إربد وعمان”.

وعن روايتها الأخيرة “كايميرا 19″، قالت: “قد يبدو الاسم غريبًا، ولكن كايميرا هو حيوان أسطوري ورد ذكره في الإلياذة، وهو مكوّن من عدد من الحيوانات؛ رأس أسد وذيل أفعى وجسد ماعز، وقد استخدمه علماء الجينات لوصف حالة أو ظاهرة اختلاط الجينات عند بعض البشر.

وقد استغللت هذا الطرح الأسطوري وذاك الطرح العلمي الحديث في تشكيل شخصية كايميرا التي تعدّ مزيجًا من الخير والشر، وقد يغلب عليها الشر لأن المرحلة هي مرحلة صعبة قليلًا، وهي مرحلة انتشار وباء كوفيد-19″.

إربد.. عاصمة للثقافة العربية
عندما تم اختيار مدينة إربد كعاصمة للثقافة العربية لعام 2022، كانت الكاتبة سميحة خريس من المشاركين في تنفيذ برنامج المدينة بهذه المناسبة طوال العام، وعن هذا الأمر قالت: “هناك تقليد سنوي لدى اليونيسكو لاختيار مدينة عربية تسمّى عاصمة الثقافة العربية، وهذا يتيح لها أن تكثّف بعض الفاعليات والنشاطات التي تؤشر على أنها مدينة ثقافية، وفي الواقع فإننا في ذلك العام اكتشفنا كم المؤسسات والمنظمات والجمعيات التي تقوم بالعمل الثقافي، ورأينا كيف أن تلك الجهود قد أنتجت حالة من البهجة الشديدة التي أسعدت المواطن العادي قبل المثقف، وجعلته ينغمس في هذه الحالة الثقافية الجميلة”.

في عالم الصحافة
عن تجربتها الطويلة والممتدة في عالم الصحافة، قالت خريس: “الصحافة أثرت تجربتي الأدبية جدًا، لأنها قدمت لي فرصة للتعرف أكثر على العالم والاطلاع على الأحداث، فأنا مدينة للصحافة في هذا الجانب، صحيح أنها تصادر الكثير من الوقت، ولكن على الكاتب أن ينظّم وقته بين عمله الصحفي والإبداعي”.

ولفتت خريس إلى أحد كتابها بعنوان “على جناح الطير ـ سيرة المدائن”، حاولت فيه تتبع ما رأته من بلدان عربية وكيف تغيّرت تلك الدول، فعلى سبيل المثال تناولت تغيّر مدينة الدوحة من بنيان وعمران، وكذلك تغيّر الإنسان نفسه، كما تناولت أيضًا الخرطوم التي عاشت فيها خلال فترة دراستها الجامعية، ثم مدينة القاهرة التي عاشت فيها فترات متقطعة.

خواطر متفرقة
وحول من تأثرت بهم من الكتّاب الأردنيين والعرب وقرأت لهم، قالت: “لا أظن أحدًا في جيلي لم يتأثر أو يقرأ باهتمام ويتابع تجربة نجيب محفوظ، فهو كما نقول شيخنا كلنا، وهو أول من قرأت له، وكذلك كان هناك يوسف إدريس، وأمين معلوف، وحنا منه من سوريا، وكتابات هؤلاء حفّزت في داخلي الرغبة في وصف المكان وتفاصيله وإحيائه”.

ولفتت خريس إلى أن التجارب الأردنية في بداياتها لم تكن بنفس ثقل كتابات من قرأت لهم وذكرتهم، وترى خريس أن كل عمل أدبي من أعمالها يحمل جزءًا منها، لأنها تكون مندمجة جدًا عند كتابته، لذا فإن كل رواية تحمل شذرات منها ومن حياتها.

عن خططها الروائية والأدبية المقبلة، قالت: “أنا الآن مشغولة بفكرة وجودية مرتبطة بالحياة والموت أكثر من الاهتمامات التاريخية أو المتعلقة بالإنسان والمدينة، ويلح عليّ أن أكتب عمل أدبي حول تلك الفكرة ولكن حتى الآن لا أعرف من أين أبدأ، وأظن أن هذا سيكون هو عملي القادم إن شاء الله”.

وفي كلمة أخيرة للجاليات العربية في أمريكا، وخاصةً الجالية الأردنية، قالت: “أتمنى أن تظلوا على تواصل مع وطنكم، حتى تظل الأجيال على اتصال بجذورها لأن هذا شيء مهم للغاية، وأودّ ان ألفت إلى إن إحدى رواياتي قد تمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية في ميشيغان بالولايات المتحدة، وهي رواية القرمية”.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى